سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (10)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الأول: الحكامة السياسية

يتناول المحور الأول فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامة السياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات في مبحث أول (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات

بعد أن طوينا صفحة المبحث الأول (فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية) ننتقل فيما يلي للمبحث الثاني الذي يتضمن عرضا لوجهة نظرنا فيما جاء فيه من معطيات وصفية وتركيبية للمنظور الملكي للحكامة السياسية، وذلك بناء على منهجين مندمجين: الأول تشريحي لبلاغة الخطاب وأبعاده ومدلولاته والثاني تحليلي مقارن يترصد الخيط الناظم والمسافة الواصلة بين الأقوال والأفعال أو بين الالتزامات والممارسات فيما يتعلق بإدارة الحكم وتدبير السياسات العمومية في المغرب.
النموذج الملكي للحكامة السياسية هو نموذج حكامة ديموقراطية “صنعت بالمغرب”

مما مر بنا في المبحث الأول نخلص بما لا يدع مجالا للشك أو اللبس، أن الرؤية الملكية لإدارة الحكم بالمغرب هي رؤية واضحة المعالم ومتكاملة الأركان لمشروع إصلاحي وطني قوامه حكامة ديموقراطية، “ذات جودة كافية بدرجة معقولة ” good enough governance تتأسس على مبدأ التلازم بين الديموقراطية والتنمية؛ وسنواصل تركيز النظر في الأبعاد الاستراتيجية والسياسية والحقوقية للمشروع الديموقراطي الملكي، لكن من زاوية تفكيكية تحليلية، وهو ماسيمح لنا أن نستخلص من الآن أننا بصدد: نموذج من الحكامة الديموقراطية “صنعت بالمغرب”.
بطبيعة الحال المغرب لم يخترع الحكامة الديموقراطية والملك نفسه لا يدعي ذلك وإنما المقصود كما قال الملك نفسه، أن “المغاربة ليسوا هم الإسبان ولن يكونوا كذلك في يوم من الأيام، فالديمقراطية في إسبانيا تناسب إسبانيا، وهناك نموذج ديمقراطي خاص بالمغرب. فهل هناك من وضوح أكثر من هذا؟

المقصود إذن هو خصوصية النموذج المغربي بما معناه عدم قابليته للتشبيه المخل أو المقارنة التعسفية مع النماذج الأجنبية القريبة منها والبعيدة الغربية منها والعربية. هكذا قال الملك بلغة واضحة وفي موقف صريح، غير قابل للتأويل. ثم يوضح موقفه قائلا: أعتقد أن كل بلد عليه أن يتبنى نهجا ديموقراطيا خاصا به. أي بعبارة أخرى أن الديموقراطية ليست وصفة جاهزة قابلة للتصدير والاستيراد، فإذا كانت قواعدها وآلياتها عالمية الأفق، فإن تطبيقاتها وتجلياتها وإيقاعاتها وتمثلاتها تكون مرتبطة بوضع كل بلد ومنغرسة في سياقه الخاص. بمعنى آخر فإن الديموقراطية في إسبانيا هي كما هي عليه هناك، لأنها تناسب إسبانيا والديموقراطية في المغرب هي كما هي عليه هنا، لأنها تناسب المغرب. ولا يجوز القياس مع الفارق في التاريخ والاجتماع السياسي والثقافي…. أي أن المسافة بين البلدين لا يجوز اختزالها في البعد الجغرافي وفي عدد الكيلومترات التي تفصل بين الضفتين.

وبالقياس مع الدول العربية التي شهدت تغييرات سياسية على إثر هبوب رياح ما يسمى “الربيع العربي”، فهنا أيضا لا يجب الخلط والتخليط بين وضع دولتين كتونس ومصر (قبل يونيو 2013) ووضع المغرب، ذلك أن المسار الديموقراطي في المغرب سابق بإجماع الملاحظين على ما طرأ من تطورات مستجدة في الدولتين المذكورتين، ففي تينك الدولتين، التغيير طارئ وجاء بطريقة ثورية هادرة، بينما في المغرب توجد ملكية إصلاحية راسخة، فاعلة ومتفاعلة مع متطلبات المسار الديموقراطي قبل حلول ربيع 2011. المغرب شهد انفتاحا سياسيا ملحوظا في العقد الأخير من عهد الحسن الثاني الراحل، ثم تعزز في عهد الملك محمد السادس، بشكل تدريجي ومدروس وعلى نحو سلمي بعيدا عن العنف أو أية مغامرة انقلابية. وهذا أمر معترف به على نطاق واسع في أوساط الباحثين في العلوم السياسية ويفسر – رغم الحراكات والاشكال الاحتجاجية المتواترة- الاستقرار الاستثنائي الذي تمتع به المغرب، في ظل أجواء مشحونة بالثورات والاحتجاجات الصاخبة في جواره القريب والبعيد.

أكثر من ذلك جاء ما يسمى “الربيع العربي” كفرصة أكثر منه كتهديد للاستقرار المغربي، وكان للمغرب عدة بدائل ومخارج في حقيبته الإصلاحية، أهمها الانتقال من “التناوب (التداول على السلطة) التوافقي” إلى التناوب (التداول على السلطة) الديموقراطي، أي بمعنى بناء على نتائج الاقتراع.
وهذا الانفتاح كان وما يزال يستهدف تحسين جودة المعروض الديموقراطي الموجود مسبقا وليس تغيير نظام سياسي لإحلال نظام سياسي جديد مكانه. فالمغرب عليه أن يتلمس طريق صوغ نموذج ديموقراطي خاص به حسب منظور الملك محمد السادس. هذه الخصوصية الديموقراطية التي يشدد عليها الملك تجد تفسيرا لها في خصوصية المسار التاريخي لبلد عريق وتعددي كالمغرب، ففي أوروبا مثلا اتسم التبلور التاريخي للفكرة الديموقراطية وللنموذج الذي استقرت عليه في الوقت الحاضر بتحولات وديناميات لا يمكن إسقاطها على بلد كالمغرب بجرة قلم أو بخفة تصريح شفوي. في أوروبا شهدنا أحداثا كبرى متوالية في نسق خاص ومستجيب لحاجيات ومطالبات أوروبية محض، كالنهضة الصناعية والتنوير الثقافي والثورات الكبرى الفرنسية والانجليزية، وهو الأمر الذي لم يكن ضمن الأجندة التاريخية والسياسية للبلدان العربية الإفريقية المجاورة للضفة المتوسطية. ومنها المغرب.

التحديات والمطالب التاريخية مختلفة في المغرب عما واجهته البلدان الأوروبية، المغرب واجه الاستعمار وتحدي بناء الدولة الوطنية المستقلة. ولا يعني ذلك أن المغرب وفق المنظور الملكي لا يستمع للمطلب الديموقراطي بل عليه أن يعمل الكثير في هذا المجال لكن وفق نموذج الديموقراطية النامية والمتطورة تدريجيا وليس الديموقراطية المعلبة المنقولة حرفيا عن التجربة الأوروبية أو عن التجربة العربية الطارئة فهذا سيكون خطأ يقول الملك محمد السادس، الذي يشدد على أن “لكل بلد ديموقراطيته الخاصة به”.

وهكذا فحسب المنظور الملكي، فإن تاريخ كل بلد هو عبارة عن نسق مستمر ومتصل بين الماضي والحاضر، ووفقا لهذا التصور ليس هناك نموذج للديموقراطية يتملكه البعض ليقوموا بتلقينه لبلدان العالم، أي بما يشبه علاقة الأساتذة بالتلاميذ، ليس هناك سوى تجارب وتمرينات متفاوتة والتي ينبغي تقييمها بدقة وعناية واستيعابها من طرف الجميع.

وبتعبير آخر فإن الديموقراطية ليست استيرادا لفكرة غربية، ولكن هي الاعتراف بمشاركة المواطنين باعتبارها قيمة عالمية ليس لأن الجميع موافق على ذلك ولكن لأن كل الناس يمكنهم في كل مكان أن يجدوا مبررات من أجل المطالبة بها؛ ومن يريد العكس واتباع نهج الإكراه والضغط فإنما “يريد وضع المغرب وملكه في مستوى الاستيهامات الخاصة بهم” وهذا الوقت قد ولى يقول الملك محمد السادس …
ومغزى ذلك أن الملك، واستنادا لمكانه ومكانته الدينية والدستورية، يعتبر بمثابة القلب النابض للنسق السياسي المغربي والمتغير الجوهري في تفاعلاته، وأن كون الملك يسود ويحكم إنما مرده لخصوصية الدولة والمجتمع المغربيين، والتي تشكلت وترسخت عبر التاريخ .

(يتبع)

حصريا جميع حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...