كيف ستتصرف الرباط مستقبلا مع الجارات؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*نزار بولحية

 

قبل برلين فإن أكبر تحد خارجي تواجهه الرباط الآن يتعلق بمستقبل علاقتها بجاراتها الثلاث. ومن الواضح جدا أن واحدا من أهم استنتاجات الأزمة الإسبانية المغربية الأخيرة، هو حدوث تغير ملحوظ في قواعد التعامل المغربي مع دول الجوار. فلم يعد ممكنا للمغاربة أن يتجاهلوا بعض التصرفات أو المواقف التي تصدر عن تلك الدول وتبدو معادية لمساعيهم لتأكيد مغربية الصحراء.

ولا شك بأن عدة عواصم إقليمية ودولية باتت تدرك ذلك، لكن ثلاثاً منها على وجه الخصوص وهي، مدريد والجزائر ونواكشوط، تبدو معنية مباشرة بمثل ذلك التحول. وهي حين تتابع تطورات النزاع تنظر للتصعيد الجديد بين برلين والرباط على أنه وجه آخر للأزمة نفسها، غير أن أهم شيء ترقبه عن كثب، هو الطريقة التي سيتصرف بها المغاربة في الأيام القليلة المقبلة، لا مع ذلك الملف فحسب، بل معها أيضا.

فالإسبان وهم المعنيون بآثار الزوبعة التي أحدثها استقبالهم لزعيم البوليساريو، قبل أيام، يبدون نفاد صبر واضحا، مما يرونه تصعيدا غير مسبوق من جانب المغرب، ولا يتورعون عن التأكيد، وعلى لسان وزيرة خارجيتهم، أن ليس لديهم ما يضيفونه، بعد آخر بيان رسمي أصدروه في موضوع استضافة إبراهيم غالي على أرضهم. والجزائريون وبقدر حرصهم على أن لا يظهروا في مقدمة الصورة، فإنهم يرغبون بالخروج من الفصل الجديد من الصراع مع الجارة المغربية، بكسب ما يعززون به موقعهم في الإقليم، من دون أن يمنعهم ذلك من أن يرسلوا بعض الإشارات القوية، من أنهم لا يزالون يعاملون المغرب «ككيان أجنبي معاد للمصالح الحيوية والأمنية» للجزائر، مثلما جاء مؤخرا في توجيه رئاسي للشركات الاقتصادية، نشر الأحد الماضي في موقع «النهار» الإخباري. في ما يسيطر على الموريتانيين حذر واضح من أي تصعيد محتمل مع جارتهم الشمالية، ولا يبدون متحمسين للذهاب بعيدا في الخلاف الصامت معها، رغم كل ما قد تقدمه لهم الجزائر من تطمينات ووعود لتوثيق علاقتها بهم. لكن ما القاسم المشترك بين العواصم الثلاث في تعاملها مع الجارة المغربية؟ وهل أن ما تردد في بعض الأوساط الإعلامية داخل العاصمة المغربية، عن وجود مؤامرة أو نوع من التواطؤ، أو حتى التنسيق بين الدول الثلاث، لسحب البساط من تحت أقدام الرباط في الملف الصحراوي، يبدو ممكنا؟ إن تقاطع الأزمة الإسبانية المغربية الأخيرة، التي سببها الكشف عن نقل إبراهيم غالي من الجزائر إلى أحد المستشفيات الإسبانية للعلاج تحت اسم مستعار، مع أزمة أخرى بين نواكشوط والرباط، كان أبرز مظاهرها إلغاء زيارة كانت مقررة الشهر الماضي لوزير الخارجية الموريتاني إلى المغرب فتح باب التخمينات على مصراعيه. ولئن لم تشر الرباط حينها إلى سبب ذلك الإلغاء، إلا مصادر إعلامية ذكرت، أنه جاء في سياق الرد على استقبال الرئيس الموريتاني وفدا من البوليساريو، في ما أشارت جهات أخرى إلى أن السبب الأصلي كان، رفض نواكشوط وعدم تجاوبها مع رغبة الرباط في إعمار بلدة الكويرة المهجورة، الواقعة حاليا تحت الإدارة الموريتانية، لكن المغرب لم يعلن رسميا عن رغبته في استعادة السيطرة على تلك البلدة الخاضعة منذ سنوات لإشراف موريتانيا.

غير أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن تبث القناة الأولى للتلفزيون الرسمي المغربي، منذ أسبوعين، تقريرا تحدثت فيه عن انتهاء الدراسات حول مشروع ميناء الداخلة، وظهرت فيه رسومات ومخططات لإنشاء ميناء آخر يفترض أن يبنى في الكويرة، ما أثار مخاوف بعض الموريتانيين من أن يكون الغرض الخفي من ذلك المشروع هو تحجيم نشاط ميناء نواذيبو، وهو عصب الاقتصاد الموريتاني، لكن ألم يكن واردا جدا بعد عملية الكركارات أواخر العام الماضي، أن يصوب المغاربة أنظارهم إلى بلدة الكويرة، لتأمين سيطرتهم على ما يعتبرونه جزءا من ترابهم؟ إن الخلفية الحقيقية للخطوة المغربية لا تزال مع ذلك غامضة بعض الشيء، غير أن الحديث عن توطين جزء من قوات البوليساريو في تلك البلدة ليس بالأمر الجديد.

ولعل البعض يذكر كيف ظهر زعيم البوليساريو قبل نحو خمس سنوات من الآن بالزي العسكري، محاطا ببعض أنصاره وهو يتجول على شاطئ الكويرة، بعد أن ألقى خطابا أمام قواته في الكركارات، وكيف كانت أكثر من جهة في الجبهة تقدم البلدة على أنها منطقة محررة، فهل أراد المغرب أن يستبق استيلاءً محتملا من تلك القوات على الكويرة؟ أم أنه أجهض بالفعل مخططا جزائريا موريتانيا، كما يقول البعض لوضع اليد على البلدة المهجورة، واتخاذها منصة خلفية جديدة للبوليساريو؟

لم يعد ممكنا للمغاربة أن يتجاهلوا تصرفات ومواقف بعض الدول التي تبدو معادية لمساعيهم لتأكيد مغربية الصحراء

في كل الأحوال فإن الرسالة المغربية لموريتانيا وللجزائر كانت واضحة وهي، أن القواعد السابقة للنزاع لم تعد صالحة أو قابلة للتطبيق الآن، وأن الرباط لم تعد تقبل بأن يتساهل الموريتانيون في السماح لعناصر البوليساريو بالحركة داخل تلك المناطق، مثلما أنها لن تسمح بالمقابل للجزائر بأن تقوم بأي عملية لتسريبهم أو نقلهم من مخيمات تندوف إلى هناك. وتبدو موريتانيا في خضم ذلك في موقف حرج للغاية، فنواكشوط تواجه ضغوطا قوية من جانب البوليساريو، ومن ورائها الجزائر، كما أنها تبدو غير قادرة على تحدي الرباط، أو المضي في مواجهة مفتوحة معها.

ويبدو أن سياسة مسك العصا من الوسط لم تعد مجدية للموريتانيين، وأنهم باتوا مطالبين بالخروج من تحفظهم، أو مما يعتبرونه حيادا، وذلك بالحسم في المسألة الصحراوية، سواء لصالح المغرب أو ضده. ومن المؤكد أن ذلك لن يكون سهلا، ولعل الغرض الأساسي من تلويح المغرب وبشكل غير رسمي بإعادة فتح مسألة السيطرة على بلدة الكويرة، التي تبعد فقط خمسة عشر كيلومترا عن مدينة نواذيبو الموريتانية، هو محاولة دفع نواكشوط لأن تضع مصالحها الاقتصادية في الميزان، قبل أن تقدم على اختيار اي موقف أو توجه في المسألة الصحراوية.

وهذا تقريبا هو الأسلوب الذي تعامل به المغاربة مع جيرانهم الإسبان حين لوحوا وبشكل غير مباشر، بأن مصالح الشريك الاقتصادي الأول لهم صارت مهددة، إن لم يأخذ مصالحهم بعين الاعتبار. ومن المؤكد أن تساؤل وزير الخارجية المغربي الناصر بوريطة، في حديثه لوكالة الأنباء الإسبانية، عما إذا كانت إسبانيا تريد التضحية بعلاقتها في المغرب بسبب إبراهيم غالي، لم يخل من دلالة. لكن هل يعني ذلك أن الرباط ستفتح ثلاث جبهات في وقت واحد؟ سيكون من المستبعد أن يحصل ذلك. فالهدف الأول من وراء التحركات المغربية قد يكون كسر أي تحالف أو تنسيق إقليمي محتمل ضد المغرب.

إذ إن تحييد موريتانيا والتأثير في إسبانيا لتعدل موقفها من الصحراء، سيسحب من الجزائر أثمن أوراقها، وهذا ما قد يقلب المعادلة تماما بنظر الرباط. أما كيف ستتعامل الجارات من هنا فصاعدا مع ذلك؟ فمن المؤكد أنها ستحاول، وفي كل الأحوال أن تبقي أي تصعيد في المواجهة أو الصدام مع الرباط، تحت السيطرة، لأنها تعلم جيدا أن أي اندفاع غير محسوب سيكون مكلفا جدا ولن يفيد أي أحد في المنطقة.

*كاتب وصحافي من تونس

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...