رجب طيب أردوغان “مكافحاً دينياً” بِزيّ سياسي مُحنك.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*أمجد إسماعيل الآغا

 

 

واضحًا وصريحًا، التنازع بين السياسي المُحنك، ورجل الدين الذي تُغذيه أوهام عودة “السلطنة العثمانية”، مع جُزئية استثمار البُعد الديني، في رسم مُحددات سياسة رجب طيب أردوغان الخارجية؛ إذ من الجليّ أن رجب طيب أردوغان، وحالة النزاع الداخلي في شخصيته، توظف السياسة لصالح المحتوى الديني لديه، الأمر الذي جلب له خصوم وأعداء اقليميين ودوليين، وحتى على مستوى الداخل التركي.

المحتوى السياسي في شخصية أردوغان الدينية، يخشى أن تهتز مكانته في وجدان اسلاميي العالم، والذين هم أساساً في حالة يُرثي لها، فبعد أن وجد أولئك ملاذاً في شخصية وتوجهات أردوغان، يعانون اليوم من القلق والخوف في عموم العالم. فالكثير من “الإسلاميين”، يرون في أردوغان الإرادة القادرة على حمايتهم أمام إرادات العالم، الراغبة بمحوهم والتخلص منهم، فـ حُمل أردوغان فوق طاقته، وجلس على كرسي الحُكم والسياسة، فوجد نفسه فوق “كرسي الخلافة”، وإذا سلمنا جدلاً بعدم رغبة أردوغان بأن يُزج به عشوائياً في هذا المعترك. لكن حقيقة الأمر، فإن أردوغان يستهويه أن يكون مكافحاً دينياً، فيعمد إلى توظيف هذا البُعد سياسياً.

في العمق، يُمكن قراءة سياسات أردوغان الخارجية في إطارين، أحدهما سياسي والأخر ديني، إذ يمكن وصف رجب طيب أردوغان، بالمشاغب صاحب الشخصيتين المتناقضتين، ففي الوقت الذي يحاول به إحراج إسرائيل وزعماءها، ليبدو بمظهر المكافح الديني الجاذب والمستحوذ على مشاعر المسلمين، ، نجده في المقابل وكزعيم سياسي، يقيم علاقات قوية واستراتيجية عميقة مع الكيان، وفي ذات الإطار، فإن أردوغان الديني لا زال يرفض “شرعية” عبد الفتاح السيسي رئيساً لمصر، لكن في المقابل فإن أردوغان السياسي يسعى لترميم علاقاته مع مصر. وبالتالي فإن جل السياسات الإقليمية والدولية التي ينتهجها أردوغان، إنما تنطلق من محددات دينية وسياسية، الأمر الذي جلب له جُملة من الخصوم الإقليميين والدوليين، اذ يحاول أردوغان في هذا التوقيت، تقليلها وإصلاح بعضها، على حساب أي شيء آخر.

حقيقة الأمر، شخصية رجب طيب أردوغان تخلق الالتباس، فالرجل لا يغادر دوامة التناقضات؛ وعلى الرغم من أنه حقّق شعبية كبيرة، وجمع الكثير من المؤيدين لسياساته داخليًا وخارجيًا، منذ وصوله إلى السلطة في عام 2002، ولكنه في المقابل، اكتسب خصوماً ومعارضين ينتقدون مواقفه المتناقضة وسياسة حزبه العرجاء، في مقابل ذلك، استطاع أردوغان أن يواجه مختلف الأزمات التي اعترضت طريقه، ومن الواضح، أن أردوغان قد اتسم على امتداد قرابة عقدين من حكمه لتركيا، بالتضارب الفكري الجامع بين نقيضين، فطالما أشاد بالقيم العلمانية وبمبادئ التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما أظهر وجها يتسم بالتشدد والتعصب من خلال سعيه لإعادة صياغة المجتمع التركي بأسره وفقا لعقيدته الإخوانية.

في جانب موازٍ، وعلى صعيد الداخل التركي، بات جلياً للعيان، أن الحكومة التركية الحالية التي يقودها أردوغان، تفضل الحلول العشوائية والسريعة، مثل الزج بالمعارضين في السجون، لإسكات أصواتهم واقصائهم عن المشهد السياسي، بدلا من معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعتهم إلى انتقاده والاعتراض على سياسته. وفي الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات داخل تركيا، لا تكاد نظرة حكومة حزب العدالة والتنمية لهذه المشاكل تتجاوز حدود الانتخابات، فتلجأ في كل دورة انتخابية إلى وضع خطط وسياسات قصيرة الأجل، لكي ترفع رصيدها الانتخابي على الفور، فيما تتجاهل قضايا استراتيجية طويلة المدى ومهمة، كإصلاح نظام المعاشات أو الاستثمار في التعليم.

ونظراً لضيق الأفق السياسي لحزب العدالة والتنمية، والتناقضات الدينية والسياسية في شخصية أردوغان، الأمر الذي يضع مصالح المجتمع التركي في مهب الريح، خاصة أن منظري حزب العدالة والتنمية وكذا أردوغان، لا يفكرون إلا في الأيديولوجية السياسية، وفي المقابل، فإن هذا الواقع ينظر إليه غالبية الأتراك بشيء من الريبة والتشكك، تُجاه الطابع العلماني الذي يُقال إن بلادهم تتصف به، ويعتريهم القلق أيضاً من الاتجاه الذي تسير إليه تركيا، ويطمح معظم هؤلاء إلى رؤية نظام ديمقراطي حقيقي يراعي قيم المساواة والعدالة، ويحرر مستقبل البلاد من قبضة ضيق الأفق ومحدودية التفكير والتعصب الديني والاستبداد السياسي، الذي تتسم به حكومة أردوغان.

أردوغان الذي أقتنع “ربما”، بأن عليه أن يقدم تنازلات سياسية و”دينية”، لكي يحتفل بعد عامين من الآن، وهو على رأس السلطة بمئوية الدولة التركية، لكنه من جهة أخرى يتوعد العالم بدولة تركية جديدة بعد 2023، على الرغم من المشاكل الكثيرة التي تحاصر تركيا وتثقل كاهلها، جراء سياسات أردوغان، إذ لا يبدو أن أصل هذه المشاكل، عقائدية ودينية فحسب، بقدر ما هي سياسية واقتصادية، غير أن أردوغان مازال مصراً على استغلال الدين لحشد المؤيدين لسياسته الداخلية والخارجية.

*إعلامي وكاتب من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...