*دكتور محمد براو
المحور الأول: الحكامة السياسية
يتناول المحور الأول فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامة السياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات في مبحث أول (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).
ثانيا: تأملات واستنتاجات (تابع)
بعد أن طوينا صفحة المبحث الأول (فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية) ننتقل فيما يلي للمبحث الثاني الذي يتضمن عرضا لوجهة نظرنا فيما جاء فيه من معطيات وصفية وتركيبية للمنظور الملكي للحكامة السياسية، وذلك بناء على منهجين مندمجين: الأول تشريحي لبلاغة الخطاب وأبعاده ومدلولاته والثاني تحليلي مقارن يترصد الخيط الناظم والمسافة الواصلة بين الأقوال والأفعال أو بين الالتزامات والممارسات فيما يتعلق بإدارة الحكم وتدبير السياسات العمومية في المغرب.
اللمسة التكنوسياسية ومبرراتها (تابع)
…ومن هنا فإن التغيير الحكومي الذي أجراه الملك سنة 2002، كان إذن منسجما مع النموذج الجديد للحكامة السياسية في المنظور الملكي والتي تحاول التوفيق بين الأساس التشاوري الديموقراطي والأساس الحكماتي الفعال والناجع للعمل السياسي للدولة، والذي يملي ضرورة تجديد أسلوب ونمط التعاطي مع الشأن العام ومع الحاجة ليكون للمسار الديموقراطي الانتخابي معنى ملموس يتمثل في الرفع من وتيرة الإنجازات المتعلقة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية الملحة بالنسبة للشعب المغربي.. قضايا التشغيل المنتج والنمو الاقتصادي والتعليم النافع والسكن الكريم. أي في خلاصة أن يكون للعملية السياسية الديموقراطية مضمون وأثر اقتصادي اجتماعي ملموس من قبل المواطنين أولا وأخيرا.
وفي هذا الإطار لاحظنا أنه وتبعا للتوجيهات الملكية قدمت الحكومة ذات النفس التكنوسياسي خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من أبرز مكوناتها تقريب الإدارة من المواطنين في إطار التفعيل على أرض الواقع للمفهوم الجديد للسلطة الخادمة للمواطنين. وكان المراقبون والدارسون بالفعل أمام برنامج واقعي وأصيل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في وقت كان العجز في هذه المجالات من الأمور التي كانت تلقى اهتماما ناقصا من الطبقة السياسية التقليدية. فكانت التغذية التكنوقراطية بمثابة قارب إنقاذ وأو خشبة خلاص لجأت إليها المؤسسة الملكية وكانت محقة في ذلك بمعايير الحكامة السياسية الجيدة وأهداف التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة. اللمسة التكنوقراطية هنا ليست بديلا للنهج الديموقراطي ولكن كآلية موازية ومعاونة لتوجيه العمل الحكومي نحو التجديد والتحديث والإنجاز الميداني.
وقد أعطت النتائج المحصل عليها من قبل الفريق الحكومي التكنوسياسي مصداقية للاختيار الملكي ولخلفيات ومبررات ذلك الاختيار، فبفضل الانسجام والتجانس بين مكونات الفريق الحكومي وبفضل انتهاج خطة استراتيجية استدمجت مكونات النسيج الاقتصادي والاجتماعي، حقق الفريق الحكومي التكنوسياسي نتائج نوعية نسبيا في المجال الاجتماعي كالصحة والتعليم والسكن الاجتماعي، وتم تعزيزها بالحصول على تهدئة وتفاعل إيجابيين من قبل الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين، ولعل أهم رقم يمكن ذكره هنا هو خفض معدل الفقر من 19 في المائة سنة 1998 إلى 11 في المئة فقط سنة 2006.
ولعل الحنين إلى هذه الفترة قد دفع البعض من المراقبين حاليا إلى الذهاب بعيدا والدعوة إلى “إنهاء” “الواجهة الديمقراطية” في المغرب. واستبدالها بحكم تكنوقراطي خالص من أجل التركيز على التنمية الحقيقية والمنصفة للبلاد، وعلى الحالة المزرية لقطاعي الصحة والتعليم. ومع أن هذا النداء يمكن تفهمه وحتى التعاطف معه، فإننا لا نعتقد أنه يتماشى كلية مع أصول النهج الملكي للحكامة الديموقراطية الجيدة والتي تجعل الاختيار الديموقراطي أحد الركائز الأساسية له، لا محيد عنه بقوة الدستور وبقوة الإرادة الملكية الراسخة في ترسيخ المسار الديموقراطي في إطار نهج المواءمة بين شرعية الإنجاز وشرعية الانتخاب؛ ولذلك نرجح أن اللجوء إلى اللمسة التكنوقراطية سيبقى نهجا مستمرا يصعد وينزل حسب نوعية المعروض الحزبي فيما يخص مؤهلات حسن تدبير الشأن العام.
التمسك بالمسار الديموقراطي، في ظل تحديات الأمن وإكراهات العولمة: “نموذج الملك محمد السادس” وليس نموذج أي زعيم آخر
شهد المغرب في 16 مايو 2003 المشؤوم أحداثا إرهابية خطيرة ومدوية لم تكن في الحسبان بهمجيتها ودمويتها ووقعها على أمن المغرب الذي كان –مايزال-يباهي به الأمم. وبالرغم من أن الهم الأمني انتقل بشكل طبيعي ومنطقي إلى المرتبة الأولى ضمن سلم الأولويات، فإن لا شيء تغير في الأجندة الإصلاحية للمؤسسة الملكية، بل إن المكون السياسي الذي توجهت له أصابع الاتهام في تغذية الأيديولوجيا الإرهابية لم تطله يد القمع والاستئصال كما كان متوقعا؛ في وقت كان “نموذج بنعلي” هو النموذج البراق والمراد تطبيقه بالمغرب، لكن المفاجأة جاءت من الملك نفسه، الذي خيب كل هذه التوقعات وأكد مرة أخرى على ما كان يؤكد عليه باستمرار وهو خصوصية واستقلالية النهج الملكي للحكامة السياسية والأمنية، عندما آثر التمسك بالمسار الديموقراطي والابتعاد عن أي نهج إلغائي يصادر حق ذلك المكون السياسي في إطار التعددية السياسية المغربية الراسخة والمحكومة بالدستور والثوابت الوطنية وبالحرص الملكي على تكريس وتعميق المسار الديموقراطي التعددي؛ وفق نموذج مغربي متميز وأصيل ستؤكد التطورات التاريخية اللاحقة كم كان صائبا برؤيويته وتبصره الاستباقي بالأحداث.
لقد رأى العديد من المراقبين والباحثين السياسيين في هذا النهج “كمحاولة ملكية أثبتت الأحداث نجاحها، في تحويل حزب العدالة والتنمية إلى تشكيل سياسي عادي على شاكلة باقي التشكيلات السياسية المتشبثة بالملكية والنهج الملكي؛ فإذا تحول الحزب المذكور إلى حزب مفروغ من هويته وخطه الأيديولوجي والسياسي الخاص به، يفقد ثقة قطاع من الشعب صوت له ويؤمن بخطابه وبرنامجه السياسي، وقد يتحول هذا القطاع إلى خيارات أو جهات أخرى غير مندمجة في الحقل السياسي الرسمي”.
الخيار الملكي إذن كان ترجمة للحكامة الديموقراطية الجيدة في أوضح تجلياتها، أي “تصريف جزء من السخط الشعبي من الآثار الجانبية للانفتاح الاقتصادي والعولمة ضمن قناة الحزب المذكور، الذي ينبغي إبقاؤه ضمن الشرعية القانونية والسياسية لخدمة هذا الغرض” ؛ وهذا ما يندرج في معجم الحكامة تحت عنوان “الحكامة الديموقراطية الجيدة ” المبنية على آلية “الشمول” Inclusiveness .
إذن كان المغرب في خضم تلك الأحداث المأساوية قد اختط لنفسه نهجا خاصا في مواجهة تحديات الأمن والعولمة، ذلك هو نهج الحكامة الجيدة ذات الأفق التنموي مع التشبث بالمسار الديموقراطي التعددي، وفي هذا الاتجاه يمكن استيعاب واقعة توقيع المغرب على اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية، في شهر يونيو 2004، والتي لا يمكن فصلها عن الانخراط ضمن الاستراتيجية العالمية لمكافحة الارهاب، التي أعقبت 11 سبتمبر الأمريكية وأيضا 11 سبتمبر المغربية (16 ماي 2003). “الهدف المشترك الأمريكي المغربي هو تشجيع المبادرة الاقتصادية الحرة بما يسمح بتشجيع نهج الانفتاح الذي من شأنه المساهمة في خلق مجتمعات إسلامية متسامحة “.
وهذا الهدف البعيد كان في عمق الأجندة الإصلاحية للملك محمد السادس (المجتمع الديموقراطي الحداثي): في هذا الصدد التقت المصلحة المغربية مع المصلحة الأمريكية وهذا ما عبرت عنه الوكالة الأمريكية للتنمية بالعبارات الدالة التالية حول النموذج المغربي الذي أراده الملك وحرص عليه بالنسبة للمغرب ولصورته أمام الأمم، كنموذج للاعتدال والاستقرار في العالم العربي، ” فهذا البلد، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، يقدم صورة البلد العربي المستقر، والمعتدل والمنخرط في سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الجريئة، من أجل تحسين جودة حياة كافة المغاربة” وذلك في خضم مواجهة تحديات كبرى اقتصادية واجتماعية ولا سيما في مجال التعليم”…
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





