الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة

إيطاليا تلغراف متابعة

لم تكتمل فرحة محمد ريان بتخرجه من قسم الهندسة في الجامعة الإسلامية بغزة؛ فبعد سنوات من الدراسة والاجتهاد والانتظار، كان يتطلع إلى اللحظة التي يحمل فيها شهادته الجامعية باعتبارها ثمرة جهده وبوابة عبوره إلى سوق العمل، إلا أن الواقع المالي الصعب حال دون ذلك.

فبسبب تراكم الرسوم الدراسية المستحقة عليه، لم يتمكن من استخراج شهادة التخرج أو كشف الدرجات الرسمي، مما حرمه من التقدم إلى العديد من فرص العمل والمنح الدراسية التي تشترط إبراز الوثائق الجامعية الرسمية.

شهادات معلقة تمنع التخرج

ويقول ريان للجزيرة: “الظروف الاقتصادية التي تمر بها أسرتي، وما خلفته الحرب من فقدان لمصادر الدخل وتدهور للأوضاع المعيشية، جعلت من تسديد الرسوم الدراسية أمرا يفوق قدرتنا المالية، رغم محاولاتنا المتكررة لتدبير المبلغ المطلوب “. ويضيف:

يزداد الشعور بالعجز قسوة عندما تكون قد تخرجت بالفعل، لكنك لا تستطيع إثبات ذلك رسميا بسبب رسوم لم تعد قادرا على سدادها

ولا تختلف قصة زاهر حمد كثيرا عن قصة ريان؛ فمنذ أشهر يبحث عن وظيفة أو فرصة عمل تساعده على بدء حياته المهنية، لكنه يجد أبوابا كثيرة موصدة أمامه بسبب عدم تمكنه من استخراج شهادته الجامعية نتيجة الرسوم المتراكمة.

ويقول حمد للجزيرة: “لم تكتمل فرحة التخرج كما كنت أحلم. فبدلا من أن تكون الشهادة بوابتي نحو مستقبل أفضل، أصبحت حبيسة الأدراج في الجامعة بانتظار تسديد الرسوم التي تعجز أسرتي عن توفيرها في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعيشها قطاع غزة “. ويضيف: “كل فرصة عمل أراها تذكرني بحاجتي إلى تلك الورقة التي توثق سنوات تعبي واجتهادي، لكنها ما تزال بعيدة المنال، تاركة أحلامي المهنية معلقة بين التخرج والبطالة “.

بين حلم التخرج الذي تحقق أكاديميا، والشهادة التي ما تزال رهينة الأعباء المالية، يعيش ريان وحمد، كغيرهما من آلاف الخريجين في قطاع غزة، حالة من القلق والترقب، بانتظار حل يفتح لهم أبواب المستقبل التي سعوا إليها طوال سنوات الدراسة.

معاناة بعد التخرج

ولا تتوقف معاناة طلبة غزة عند حدود الحرب والبطالة والانهيار الاقتصادي، بل تمتد لتطاردهم حتى بعد إنهاء دراستهم الجامعية. فبينما ينتظر آلاف الخريجين استلام شهاداتهم بوصفها جواز مرور نحو العمل أو استكمال الدراسات العليا أو السفر، يجد كثير منهم أنفسهم عاجزين عن الحصول عليها بسبب تراكم الرسوم الدراسية في ظل عجز غير مسبوق عن السداد.

وتروي خلود العثماني تفاصيل معاناة أسرتها التي تفاقمت مع اندلاع الحرب، بعدما فقد زوجها مصدر رزقه الوحيد الذي كان يعتمد عليه في إعالة أسرته، حيث كان يعمل خياطا في مهنة وفرت لهم على مدار سنوات الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وتقول العثماني للجزيرة: “توقف العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل كامل في قطاع غزة حرما أسرتنا من أي دخل ثابت، وأصبحنا نكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية للحياة قبل التفكير في أي التزامات أخرى “.

وتضيف: “هذه الظروف انعكست بصورة مباشرة على مستقبل ابني فراس، الذي أنهى متطلبات التخرج في تخصص تكنولوجيا المعلومات بعد سنوات من الدراسة والاجتهاد، حيث كان من المفترض أن تكون لحظة التخرج بداية طريقه نحو الحياة المهنية، لكنها تحولت إلى محطة انتظار طويلة بسبب عدم قدرتنا على تسديد الرسوم الجامعية المتراكمة والحصول على شهادته الجامعية “.

واقع إنساني صعب

في المقابل, تعاني الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة من تداعيات جسيمة خلفتها الحرب، شملت تدمير المباني والمرافق الجامعية، وانقطاع الدراسة، إلى جانب اعتمادها الكبير على الرسوم الدراسية كمصدر رئيسي لتغطية النفقات التشغيلية ورواتب العاملين فيها. وقد أثرت الحرب بصورة مباشرة على هذه الموارد المالية، مما قلص قدرة الجامعات على تقديم التسهيلات والمنح الدراسية، وفاقم الأعباء الاقتصادية التي يواجهها الطلبة وأسرهم في ظل أوضاع معيشية وإنسانية بالغة الصعوبة.

وفي هذا السياق، يوضح محمود عطالله، مدير شؤون الطلبة في جامعة الأقصى، أن الجامعة تضم نحو 30 ألف طالب وطالبة ملتحقين ببرامجها الأكاديمية، وتقدم أشكالا متعددة من الدعم والمنح الدراسية لما يقارب 7 آلاف طالب وطالبة.

ويقول للجزيرة: “يستفيد نحو 2000 طالب وطالبة من إعفاء كامل بنسبة 100% من الرسوم الدراسية، فيما يحصل 1500 طالب وطالبة على إعفاء بنسبة 50%، ويستفيد 1200 طالب وطالبة من إعفاءات الشؤون الاجتماعية، إضافة إلى 770 طالبا وطالبة من أبناء العاملين في الجامعة ووزارة التربية والتعليم “.

ويضيف: “كما تقدم الجامعة إعفاءات متنوعة لنحو 3 آلاف طالب وطالبة تشمل إعفاءات الإخوة، وحفظة القرآن الكريم، وأبناء الشهداء، والأشخاص ذوي الإعاقة، والطلبة الذين يعانون من أمراض مزمنة “.

ويؤكد عطالله أن الجامعة اتخذت سلسلة من الإجراءات الاستثنائية للتخفيف من الأعباء المالية على الطلبة، حيث سمحت في بداية الأزمة بالتسجيل للحد الأقصى من الساعات الدراسية مع تأجيل سداد الرسوم لمدة ثلاثة فصول دراسية متتالية. ويتابع: “لاحقا، أقرت الجامعة السماح للطلبة بتسجيل 12 ساعة معتمدة دون دفع رسوم، على أن تسدد رسوم الساعات الإضافية بشكل فوري، وقد استفاد من هذا الإجراء نحو 22 ألف طالب وطالبة “.

جهود لتحرير الشهادات

من جانبه، يؤكد الدكتور محمد حمدان، مدير الشؤون الثقافية والعلاقات العامة في الجامعة، أن الجامعة تواصل بذل جهود كبيرة لدعم الخريجين وتمكينهم من الحصول على شهاداتهم الجامعية.

ويقول للجزيرة: “تقدم الجامعة خصما بنسبة 50% على الرسوم المستحقة للخريجين، إلى جانب العمل المستمر على استقطاب مشاريع تمويلية بالتعاون مع مؤسسات داعمة للمساهمة في سداد جزء من تلك الرسوم ضمن مبادرات تحرير الشهادات “.

ويشير إلى أن هذه المشاريع، رغم أهميتها، تخضع في كثير من الأحيان لشروط ومعايير تحددها الجهات الممولة، مثل استهداف تخصصات محددة أو اشتراط معدلات أكاديمية معينة، فضلا عن محدودية أعداد المستفيدين، مما يحول دون شمول جميع الطلبة المحتاجين للدعم.

ويضيف: “فاقمت الحرب أزمة الطلبة المالية بشكل غير مسبوق نتيجة التضييق على عمل المؤسسات الدولية والجهات الداعمة، وتراجع حجم التبرعات والمساعدات التي تصل إلى قطاع غزة، في الوقت الذي ارتفعت فيه أعداد الطلبة غير القادرين على سداد الرسوم الدراسية بسبب الانهيار الاقتصادي وفقدان آلاف الأسر لمصادر دخلها “.

ويتابع: “تجد الجامعات نفسها أمام معادلة صعبة تتمثل في الحرص على عدم حرمان الطلبة والخريجين من حقهم في التعليم والحصول على شهاداتهم، مقابل التحديات المالية المتزايدة التي تواجهها المؤسسات التعليمية نفسها “.

ويرى الدكتور رشيد عودة، رئيس قسم شؤون الطلبة ووحدة الخريجين في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، أن الحرب أدت إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الطلبة المتعثرين ماليا مقارنة بالسنوات السابقة. ويقول للجزيرة نت: “هناك أزمة حقيقية تواجه الخريجين في التقدم للوظائف والمنح الدراسية، وتُعد الشهادات العالقة واحدة من أبرز العقبات التي تحول دون حصولهم على الفرص المتاحة “.

ويضيف: “تسعى الكلية والجامعات من خلال صندوق رعاية الطالب والبحث الاجتماعي إلى التواصل مع العديد من الجهات المحلية والدولية لتوفير منح تساعد الطلبة على تحرير شهاداتهم، وهناك استجابات ولكنها لا تتناسب مع حجم الأزمة وأعداد الخريجين والالتزامات المالية “.

أرقام تكشف حجم الأزمة

وحصلت الجزيرة على إفادات من عدد من الجامعات الكبرى في قطاع غزة حول أعداد الخريجين الذين استوفوا متطلبات التخرج، لكن شهاداتهم ما تزال معلقة بسبب الرسوم الدراسية المتراكمة.

ففي الجامعة الإسلامية بلغ عدد الخريجين الذين تراكمت عليهم مستحقات مالية ولم يتمكنوا من استلام شهاداتهم 5808 خريجين، بإجمالي مستحقات بلغت 4,029,968 دينارا أردنيا (نحو 5.7 ملايين دولار).

وفي جامعة الأزهر، بلغ عدد الخريجين الذين لم يتمكنوا من الحصول على شهاداتهم 5588 خريجا، بإجمالي رسوم مستحقة تصل إلى 7,669,592 دينارا أردنيا (نحو 10.8 ملايين دولار).

وفي جامعة الأقصى، بلغ عدد الخريجين الذين لم يحصلوا على شهاداتهم بسبب الرسوم الجامعية نحو 12 ألف خريج وخريجة، بإجمالي رسوم متراكمة تُقدّر بنحو 7,000,000 دينار أردني (نحو 9.9 ملايين دولار).

أما في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، فقد بلغ عدد الخريجين الذين لم ينهوا إجراءات التخرج بسبب الرسوم المتراكمة 4127 خريجا وخريجة، بقيمة إجمالية تصل إلى 1,213,929 دينارا أردنيا (نحو 1.7 مليون دولار). ويواجه عدد منهم أيضا التزامات إضافية مرتبطة بقروض التعليم العالي، مما يزيد من حجم المبالغ المطلوبة لتحرير شهاداتهم.

وتُعد الرسوم الدراسية أحد أهم الموارد المالية التي تعتمد عليها الجامعات في قطاع غزة. غير أن سنوات الحرب الأخيرة شهدت تراجعا حادا في قدرة الطلبة على السداد، فيما لم تحصل بعض الجامعات على رسوم دراسية من أعداد كبيرة من الطلبة لفترات طويلة، الأمر الذي فاقم أزمتها المالية.

وبين جامعات تكافح للاستمرار، وخريجين ينتظرون شهاداتهم، تبقى آلاف الأحلام الأكاديمية والمهنية معلقة خلف أرقام متراكمة من الرسوم الدراسية، في وقت يزداد فيه المشهد الإنساني والاقتصادي تعقيدا يوما بعد يوم.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...