*عبير ياسين
لعل الأسئلة الأكثر أهمية في المشهد الفلسطيني الراهن هي الأسئلة الأكثر صعوبة أيضا، لأنها تتجاوز سؤال ما الذي سوف يحدث ومتى ينتهي «التصعيد»؟ إلى التساؤل عن شكل النهاية الممكنة؟ وتعود صعوبة الإجابة إلى عدة أسباب منها، إشكالية وصف حالة التصعيد بكل ما يترتب على الوصف من نتائج، ويرتبط به من توقعات. ويتراوح التعامل مع المشهد بين خطاب شعبي يتصور أنها الحرب النهائية التي ستحرر فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، أو تؤسس الدولة المستقلة، وخطاب فصائلي لا يقدم تعريفا واضحا للهدف، بعيدا عن رد الفعل وزيادة كلفة الاحتلال، وخطاب سلطة ترى ما يحدث نتاج غياب التسوية السياسية، وتدفع من أجل العودة للتفاوض، ورؤى إقليمية ودولية تتعامل مع ما يحدث بوصفه هبة غضب، يجب الوقوف أمام فرص تحولها إلى انتفاضة أو حرب تصعب السيطرة عليها.
كما تعود إشكالية الإجابة إلى محدودية الهدف المعلن، مقابل تجاوز فصائل المقاومة للكثير من الخطوط الحمر والتصورات الخاصة، بما يمكن أن تقوم به في مواجهات مع إسرائيل، مقارنة بما سبق. وفي حين ترتبط الأهداف بقضايا تراكمت على مدار فترة زمنية قصيرة، خاصة تهجير سكان حي الشيخ جراح، ووضعية المسجد الأقصى، وعمليات الاعتقال التي صاحبت مواجهات القدس، يتم الرد في إطار استراتيجية «وإن زدتم زدنا» التي تضمنت استخدام أسلحة جديدة بقدرات وإمكانيات متطورة مثل صاروخ عياش 250، واستهداف مناطق لها مكانتها ورمزيتها مثل القدس وتل أبيب.
يبدو التصعيد، وحتى اللحظة، أقرب ما يكون إلى هبه شعبية خارج غزة، وحرب عليها، ولكن الجديد هو تصدي الفصائل في غزة للمعارك الدائرة في القطاع وخارجه، بعد إعلانها الربط بين ما يحدث في القدس وغزة، وبعد أن ردت إسرائيل باستهداف غزة من أجل تحويل المعركة من القدس للقطاع، وهو الهدف الذي لم يتحقق، وأدى إلى توسيع المعركة في القطاع وخارجه. والسؤال هل تسعى الأطراف المعنية للتصعيد والحرب الشاملة؟ أم إلى التهدئة؟ بشكل عام، لا يبدو أن هدف الفصائل التي تواجه إسرائيل في إطار عملية «سيف القدس» هو الوصول إلى حرب مفتوحة من أجل تحرير فلسطين التاريخية في الوقت الراهن، ولا تسعى إسرائيل في عمليتها «حارس الأسوار» إلى ذلك. ويمكن القول إن هدف إسرائيل في ظل الأوضاع السياسية الداخلية، وحساباتها الإقليمية والتطورات على الأرض، هو الخروج بمظهر المنتصر، عبر زيادة الخسائر البشرية والمادية في غزة، وتقليص قدرات المقاومة. يدعم تلك الفكرة استبعاد خيار الحرب البرية في القطاع، والتكلفة الإقليمية والدولية التي تفرضها إطالة أمد المعركة، وتصاعد الخسائر المادية والمعنوية، في ظل الانكشاف في مواجهة المقاومة وأسلحتها المحلية، رغم الحصار وأسلحة إسرائيل الحديثة وقبتها الحديدية. بدورها تظل الفصائل مقيدة بحدود غزة، وما يمكن أن يتاح لها من دعم لمواجهة الخسائر البشرية، والتكاليف المادية وإمكانيات التسلح على المدى الطويل، بعد أن أعلنت عن وجود ما يكفيها من أسلحة لعدة أشهر. وعلى افتراض تواجد أسلحة كافية، تظل القدرة على المواجهة في ظل الخسائر البشرية، وتحديات مواجهة كوفيد ـ 19 وسط الهجمات الإسرائيلية، وتدمير المنازل والبنية الأساسية أكبر من قدرة الفصائل، وسكان القطاع، على الاستمرار في حرب مفتوحة ولفترة طويلة، بدون مساندة إقليمية للقطاع المقيد جغرافيا والمحاصر بدرجة كبيرة منذ 2007.
هدف إسرائيل في ظل أوضاعها المتأزمة، الخروج بمظهر المنتصر، عبر زيادة الخسائر البشرية والمادية في غزة، وتقليص قدرات المقاومة
ومع افتراض ثبات المتغيرات الحالية، وعدم حدوث تصعيد ضخم، أو سقوط عدد كبير من الضحايا، بشكل يغلق الباب أمام فرص التهدئة، تحاول الوساطة الإقليمية إعلان هدنة، والحيلولة دون اتساع نطاق التصعيد، أو الخسائر بشكل يهدد المنطقة، ويقود إلى اتساع نطاق المواجهات الشعبية، خاصة بعد إطلاق صواريخ من جنوب لبنان واجتياز الحدود عبر لبنان والأردن.
استراتيجية الفصائل: التصعيد بالتصعيد
أعلن أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في 10 مايو الجاري، ما يعد استراتيجية حماس والفصائل في مواجهة تجاوز إسرائيل للخطوط الحمر، بقوله: «إن عدتم عدنا وإن زدتم زدنا» التي عبّرت عن انتهاج المقاومة لسياسة التصعيد بالتصعيد، وأن الممارسات الإسرائيلية لن تمر بدون رد في سياق تعظيم الثمن، الذي يجب أن يدفعه الاحتلال. وجاء حديث أبو عبيدة بعد تجاوز المهلة التي حددتها الفصائل في السادسة من مساء اليوم نفسه من أجل تراجع إسرائيل عن سياستها في الشيخ جراح والأقصى، ثم اتسعت بعد استهداف الأبراج السكنية في غزة، لتشمل الرد على تلك العمليات. واستمر التصعيد مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، خاصة ضد القطاع بكل ما ترتب عليها من خسائر بشرية، بالإضافة للخسائر المادية التي وصلت إلى 75 مليون دولار وفقا لما أعلن عنه الإعلام الحكومي في غزة. ومع تزايد المواجهات لتشمل العديد من مناطق 48 أو المدن المختلطة وفقا لإسرائيل، وزيادة هجمات المستوطنين، والحديث عن مخاطر حدوث حرب أهلية في إسرائيل، زاد الدعم الشعبي للمقاومة، وأصبحت صور قادة الفصائل، خاصة حماس، وأسماء مثل محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام، وأبو عبيدة حاضرة في المسجد الأقصى والهتافات ضد إسرائيل في القدس وغيرها من المدن. ومع هذا الحضور الذي يؤشر لدور حماس وخيار المقاومة في مواجهة التصعيد القائم، ومع غياب السلطة عن ساحة الفعل المقاوم، ووجودها في ساحة التنسيق الأمني، تتعاظم قيمة المقاومة والفصائل، ومعها متطلبات وآمال الجماهير، وصعوبة التراجع بما يفرض قيودا على فرص قبول الفصائل بالتهدئة.
التهدئة: الوقت وتوسيع الصراع
«الناس عادة تقاتل من أجل شيء وتتوقف من أجل ش» هكذا رد غسان كنفاني يوما على سؤال عن فرص الحوار مع إسرائيل، وإمكانية التوقف عن المقاومة، وإن كان السؤال قد طرح في واقع مختلف وقبل سنوات من أوسلو، وخيار التسوية الرسمية، فإنه يظل مطروحا في خلفية المشهد الحالي من قبل الفصائل، وإسرائيل أيضا. ويفرض خيار التهدئة ضرورة التعامل مع فكرة المقابل، أو المكسب الذي يمكن من خلاله تسويقها أو تبريرها للذات والآخرين. ويمكن تفسير الإعلان عن فشل فرص التوصل إلى تهدئة حتى اللحظة، بسبب رفض إسرائيل لشروط فصائل المقاومة، بوصفه محاولة تحقيق مكاسب عبر زيادة خسائر الفصائل وغزة، خاصة في ظل الدعم الأمريكي والتركيز الغربي على صواريخ المقاومة وضحايا إسرائيل، بدون إعطاء أهمية مماثلة للهجمات الإسرائيلية والخسائر الفلسطينية. وفي حين حقق رئيس الوزراء الإسرائيلي بعض المكاسب السياسية لليمين، يحمّله البعض المسؤولية عن التصعيد من أجل مكاسب شخصية، بما يرتب محاولات تعظيم الاستفادة من التصعيد القائم، وتقليص الخسائر المادية والمعنوية، التي تعرضت لها إسرائيل لتجاوز الانتقادات، وما يمكن أن يترتب عليها من خسائر سياسية بعد انتهاء التصعيد.
وعلى صعيد حماس والفصائل، تفرض المكانة التي حققتها، والمتطلبات الشعبية التي ألزمت نفسها بها، الحرص في السياسات التي تتبعها، ويضاعف تعاظم أسهم الفصائل داخليا وإقليميا، والدعم الذي تحصل عليه هي وخيار المقاومة من الثمن الذي يفترض تقديمه لها وللقضية الفلسطينية مقابل التهدئة. وتدرك الفصائل الانعكاسات المترتبة لقراراتها على القضية وقطاع غزة، ووضع الفصائل نفسها في الحاضر والمستقبل. ويتصور أن توافق الفصائل على تهدئة في إطار يقدم مكتسبات واضحة على صعيد الخطوط الحمر، التي تحدثت عنها منذ البداية خاصة الشيخ جراح والأقصى، مع إضافة نقاط تتعلق بغزة وعملية إعادة الإعمار وفك الحصار عن القطاع، والمزيد من حرية الحركة للفصائل، والعودة إلى خريطة الطريق الانتخابية المؤجلة، وهو ما يدخل السلطة على خط التفاوض ويزيد من التحديات ويعقد فرص التهدئة. تتمثل المشكلة الحقيقية من تأخر التهدئة في عامل الوقت وتأثيره في التفاؤل والإحباط وانعكاساته على الحراك الداخلي الفلسطيني والإسرائيلي. فلسطينيا يعقّد استمرار التصعيد من فرص الوصول إلى تهدئة، وكلما زاد التصعيد والخسائر الفلسطينية، تقلصت فرص التهدئة بسبب زيادة الغضب وتزايد الدعم الداخلي والإقليمي للمقاومة والفصائل، وتصاعد المطالب الشعبية للمقاومة بالرد. بالمقابل يمكن أن يؤدي التصعيد مع تحقيق مكاسب فلسطينية إلى زيادة الطلب على المقاومة، واستبعاد التهدئة، أو زيادة الثمن المفترض للقبول بها. ومن شأن زيادة الخسائر الإسرائيلية إطالة الصراع على أمل تغيير موازين القوى، وتقليص فرص المواجهة مع الفصائل في المستقبل، في حين تزيد مكاسب إسرائيل من صعوبة قبول الفصائل بالتهدئة، لما يمكن أن يترجم إليه الوضع من خسارة فلسطينية في مسار تسوية غير متوازن إلى جانب ما يمثله هذا السيناريو من خسارة للمقاومة والفصائل.
تتوقف التهدئة على التوقيت والقدرة على التوافق في مساحة وسط، تحقق مكاسب للفصائل وإسرائيل، تحد صعب لكنه ليس مستحيلا في ظل التحديات الداخلية التي تقيد من فكرة الحرب المفتوحة لدى كل الأطراف. ويظل من المهم إدراك تأثير الوقت والتطورات على الأرض في تحديد الاتجاه بوصفها العوامل التي يمكن أن تغير الكثير من تفاصيل المشهد، وتفرض خيار توسيع وإطالة التصعيد على الجميع رغم جهود التهدئة.
*كاتبة مصرية





