*دكتور محمد براو
المحور الثاني:الحكامة الاقتصادية
سيرا على المنهج المتبع في هذه الأوراق التحليلية، بمحاورها الأربعة، يتناول المحور الثاني في مبحث أول فحوى المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية (أولا) وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
أولا: المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية
تشخيص المعوقات واقتراح الحلول
يحدد الملك جملة من المعوقات البنيوية ذات العلاقة بالحكامة الاقتصادية وآلياتها، ومن بينها التضارب في مراكز القرار والهوة بين روح القوانين ومنطوقها مما ينعكس سلبا على تطبيقها والبطء في الإنجاز دون وجود ضوابط قانونية ضد هذه الممارسات. وهو إذ يشير بأصبعه لهذه المعوقات فإنه لا يكتفي بذلك بل يقدم اقتراحات الحلول، يقول: ولتذليل كل الصعاب ولمنح الفرصة للقطاع الخاص الوطني والأجنبي للاستثمار خاصة بالنسبة للمقاولات المتوسطة والصغيرة التي نعلق الأمل عليها في إيجاد مناصب شغل لمختلف مستويات الكفاءة والتأهيل قررنا إنشاء لجنة خبراء تحت رئاستنا تطبعها قواعد العقلانية تهدف إلى معرفة مواقع الخلل واقتراح الوسائل الكفيلة بتبسيط الإجراءات وإزالة كل الحواجز التي تعوق التجاوب بين المستثمر والإدارة تفاديا لإزعاج المعنيين ونزع الثقة منهم الشيء الذي يجعلهم يترددون فيما يودون القيام به وربما يتخلون عنه.
وفي سياق التركيز على الفعل والإنجاز، نلاحظ التحفيز على الانتقال للإنجاز وعدم الاستغراق في التشخيص، يقول الملك في هذا الصدد: “كفى من مجرد التشخيص النظري للأوضاع، ولمكامن الاختلالات. فلدينا من الدراسات الموضوعية، التي أنجزتها الهيئات والمؤسسات، ما يشفي الغليل. ولم يبق أمامنا إلا اقتراح برامج قابلة للإنجاز، آخذة بعين الاعتبار أسبقيات كل فترة”.
وفي نفس الإطار الحكماتي الاقتصادي وجه الملك صناع القرار الاقتصادي إلى نهج سياسة اقتصادية ومالية متنافسة ذات منظور واضح وأسبقيات محددة في برامج تعاقدية بين السلطات العمومية والقطاع الخاص، وذلك مع مواصلة نهوض صندوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بدور الرافعة القوية في هذا المجال. والغرض الأساسي في السياسة الاقتصادية المتبعة هو تأهيل الاقتصاد وتحويله من ريعي انتظاري الى اقتصاد السوق، بحيث يجعل المغرب يكسب رهان اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية ودول جنوب المتوسط ويدعم دوره كقطب محوري لمبادلات القارات الثلاث. وفي هذا الصدد فإن تفعيل المراكز الجهوية للاستثمار وما ينبغي أن يواكبه من إصلاحات قضائية وإدارية وتشريعية ومالية واجتماعية يساهم في بلوغ هدف التأهيل الاقتصادي المنشود.
تبني المقومات المعيارية والمؤسسية للحكامة الاقتصادية الرشيدة
بطبيعة الحال لن يتم الانتقال بنجاح من التشخيص والتوجيه إلى التنفيذ دون الالتزام بالمعايير الاسترشادية للحكامة الاقتصادية الجيدة الرشيدة: ذلك أن السير قدما على درب التقدم والرخاء لا يتجسد من وجهة نظر الملك محمد السادس “بمجرد خطاب أو قرار سياسي وإنما هو رهين بمدى الإرادة الذاتية والمبادرة المقدامة، وذلك ما نفتقر إليه لذا يجب أن ننطلق من تقييم واقعي متبصر لأوضاعنا الاقتصادية ومن تصور واضح وتحديد دقيق للأهداف التي يجب علينا تحقيقها بجد وحزم للإسراع بوتيرة النمو الاقتصادي لبلادنا وتوسيع دائرته”.
ويتجسد الأخذ بمبادئ الحكامة الجيدة الرشيدة في المجال الاقتصادي من خلال تحديد الرؤية والتخطيط للإصلاحات الاقتصادية، والمشاريع الهيكلية الكبرى التي تم إطلاقها، وبفضلها استطاع المغرب إحراز ثقة شركائه، من ممولين ومستثمرين وفاعلين اقتصاديين. وهو ما دعا الملك لتسجيل ارتياحه، لتزايد حضورهم وإسهامهم في أوراش المغرب الكبرى، وفي دينامية الاستثمار، وخلق فرص الشغل.
ولضمان أسباب رسوخ واستدامة هذه الحكامة المتبصرة لاحظنا السهر على المتابعة والمراقبة الميدانية الملكية مع دعوة عموم المغاربة للانخراط الإيجابي (الإشراك والإدماج)، يقول الملك بروح القائد المحفز : “إننا من خلال عملنا الميداني الموصول، وتتبعنا لمختلف البرامج والمشاريع الإنمائية، بمختلف ربوع المملكة، إنما ندعو جميع المغاربة إلى الانخراط الفاعل والتلقائي، في كل المبادرات التنموية التي نطلقها، وإلى التنافس في تحقيق مقاصدها. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. وإيمانا منا بأن الوطن للجميع، فإننا نحث كل المواطنين، على المساهمة في بناء المغرب الحديث. مغرب التقدم والتنمية، مغرب الطموح والمسؤولية، بروح الجد والاجتهاد، والعمل والمثابرة”.
والحكامة الاقتصادية المصممة لاستهداف النهوض بالاقتصاد لا تقتصر على الأبعاد الاقتصادية والمالية بل تشمل جميع الأبعاد والمجالات ذات التأثير على التنمية الاقتصادية، وعلى رأسها الإصلاح الإداري، واللامركزية (الجهوية المتقدمة) واللاتمركز الإداري، اللذين يعتبرهما الملك عماد الدولة العصرية. كما أنه لن يكتمل إلا بإصلاح العدل وتحديثه وتأهيله، دعما لاستقلاله، وللأمن القضائي، ولسيادة القانون والتنمية وتأهيل وتحديث النسيج القانوني والمؤسساتي وتحسين بيئة المقاولة، بغرض الحد من معضلة البطالة، وإيجاد الشغل، مع مواصلة التعبئة في مجال التنمية البشرية، لمكافحة الفقر والإقصاء والتهميش. مع اعتماد سياسة فلاحية وطاقية ومائية جديدة.
وكل ذلك يفترض أن يتم وفق رؤية تنتصر للخيارات الاستراتيجية على الخيارات الظرفية أو الترقيعية المحدودة الأثر، والأمر كذلك لأن تحديات مغرب اليوم، “لا يمكن رفعها بوصفات جاهزة أو بإجراءات ترقيعية أو مسكنة أو بالترويج لمقولات ديماغوجية ترهن الحاضر بالهروب إلى مستقبل نظري موهوم”.
وأساس نجاح أي إصلاح اقتصادي كسب الثقة والمصداقية، وتوخي النهج البناء والنفس الطويل، وعدم الانسياق لنزوعات التيئيس والتشكيك والعدمية خاصة في الظروف الصعبة، لأنه مهما كانت محدودية النتائج الآنية، فإن المبادرة والمثابرة والنفس الطويل، يجب أن تكون عماد تدبير الشأن العام.
ويعتبر تنشيط وتزخيم دور الفضاءات المؤسسية ذات العلاقة بالنشاذ الاقتصادي وعلى رأسها المجلس الاقتصادي والاجتماعي (مؤسسة ذات مرتبة دستورية مرموقة في المغرب) أساسا مستداما وفعالا لخلق الثقة وترسيخها من خلال جسر الهوة بين مؤسسات صنع القرار السياسي من جهة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين من جهة أخرى ضمان مشاركة بناءة وعقلانية من الجميع، ضمن إطار مؤسسي، في اقتراح السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وفي نهج سبيل الحوار الاجتماعي الدائم والمسؤول.
وفي نفس السياق المؤسسي دعا الملك لتفعيل دور مجلس المنافسة ضماناً للحكامة الاقتصادية الجيدة، مع التطبيق الحازم، لقانون حرية الأسعار والمنافسة، وتضييق مساحات الاحتكار وحماية المستهلك وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، ومحاربة الرشوة ومختلف أشكال الفساد الاقتصادي والمالي والإداري….
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





