التصوف وأزمات حاكم الأرض الجديد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د. احمد غاني

 

شاركت بهذه المداخلة في ملتقيات ليالي الوصال التي ينظمها الدكتور سيدي منير بن سيدي الدكتور جمال الدين القادري بودشيش حفظه الله . وأردت أن يشاركني قراء هذا المنبر العزيز إيطاليا تلغراف الأفكار الواردة فيه. خصوصا وان الانسان في ظل أزمة كورونا هو في حاجة للفكرة أكثر من حاجته لشيء آخر.
يبدو أننا نتكلم عن الأزمات ونبحث عن مناهج التخلص منها لأننا وسط الأزمة، أزمة كوفيد ، التي تولد عنها أزمات كثيرة يمكن أن نشير الى ملاحظات عنها اختصارا كما يلي:

-اولا
تبدو البشرية وكأنها على أهبة قطيعة تاريخية مع ماضيها وحاضرها.
لقد أجبرها فيروس كورونا (حاكم الأرض الجديد كوفيد- 19) على تغيير عاداتها، والتنازل عن حرياتها ،فحاكم الأرض الجديد ليس أمريكيا ولا روسيا ولا صينيا ،بل إنه فيروس كورونا، وهو حاكم بسط سلطانه على الفقير كما بسطه على الغني ،فأصبحنا نعيش اشتراكية يمكن أن تسمى
اشتراكية المرض»؛ بحيث أصبح الفقير والغنى معرضين بنفس الدرجة لهذا الوباء الذى أصبح عابرا للطبقات الاجتماعية بكل درجاتها وتصنيفاتها. هذا الوضع قد جعل الجميع متساوين، من حيث العجز، أمام مواجهة هذا الوباء ونتمنى أن يكون اللقاح هو الحل. وأن تكون الانتكاسات التي رأيناها ليست إلا استثناءات لا عودة لها .

نتمنى أن تمر أزمة كوفيد بسلام حتى نعود الى انشطتنا مع مؤسسات الزاوية الي تعودنا أن نكون في صفوفها الأمامية1

-ثانيا
باتت أسبقية أن نبقى أحياء أهم أولوية لدى الجميع. لكن، لنبقى أحياء يجب أن نعمل ونكدح، وكورونا تبدو ضد مبدأ العمل، وهي تدفع الناس للهروب من بعضهم والتحصن بالبيوت، فكيف نتجاوز الازمة الاقتصادية مع المحافظة على حياتنا. ويبدو أن تباشير اللقاح تعلمنا بصبح جديد للبشرية.

-ثالثا
إن جائحة كورونا تجبرنا أن “نتصرف واضعين نصب أعيننا محدودية معرفتنا”، ولذلك نرى أن الحكومات مجبرة على اتخاذ قرارات صعبة، واضعة نصب عينيها محدودية معرفة علماء الفيروسات الذين يقدمون لها المشورة. فقد أصبح مشهد العمل السياسي والإداري منغمسا في عدم اليقين بشكل قطعي.

-رابعا
إن جائحة كورونا حركت لدى الإنسان آلية السخرية، وتكون أغلب هذه السخرية من باب ما يسمى في علم النفس التحليلي بـ”التصعيد” أو “الإعلاء النفسي”، وهي حيلة دفاعية نفسية تساعد العقل على التغلب على الإحساس أو السلوك غير المرغوب فيه بتحويله إلى سلوك مقبول. وفي هذه الحالة تساعد السخرية “المبالغ فيها” في درء الخوف، لكن هذا الأمر قد يصبح خطيرا إذا تحولت محاولات التخفيف من وطأة الأزمة إلى إنكار لوجودها. وفتح المجال للشائعات التي تقود الى تفاقم الازمات.

-خامسا
لا يوجد طريق سهل يكفل الخروج من هذه الأزمة، وهذا يجعل المسؤولين في حيرة من أمرهم، إذ يتوجب عليهم في كل مرة اختيار الاستراتيجية الأمثل للتعامل مع الوباء[نموذج فرنسا الأخير]، وهو أمر ليس باليسير ، كما يتحملون في الوقت نفسه مهمة هائلة تتمثل في بث الطمأنينة في نفوس مواطنيهم وإقناعهم بإتباع أوامر السلطات، حتى وإن كان هذا يعني امتثالهم لقرارات توجب عليهم الالتزام بـ قرارات صعبة وما يترتب عليها من تكاليف باهظة يتحملها الأفراد، بما فيها الآثار الجانبية على قطاع العمل. ولعل هذا مما يفشل أغلبية الإجراءات المتخذة ويؤدي لتفاقم الأزمة، ولا حل لهذا إلا أن يلجأ القادة إلى “السلطة مع الآخرين” بدلا من “السلطة على الآخرين”، وعوضاً عن الترويج للبروبغندا التنافسية فإنّ عليهم وضع أطر التعاون المشترك الثنائي والمتعدد الأطراف.

إن هذه الأزمات والجوائح العالمية لم تكن يوماً نهاية العالم. بل كانت نقطة بداية لمراحل جديدة من الحضارة والتطور، يبرز فيها من يستعد أولاً تاركاً خلفه آلام الأزمة وتبعاتها.
، لذلك كان البحث عن المناهج التي تخرج من الأزمات والتي تفلح في إدارتها للتخلص منها من أولويات اللحظة الراهنة، ومن هنا كان لصوت التصوف أن يعلو في زمن كورونا ليذكر الناس بأهمية التصوف ودوره تاريخيا في مثل هذه المراحل. ولكن قد يقول قائل ماعساه أن يفعل التصوف إلا أن يرفع أهله أكفهم للسماء لرفع هذه الجائحة عن البلاد والعباد،فهذا هوالمشهورو المستفاد من التاريخ عن دور الزوايا ،فالأزمات الآن اقتصادية واجتماعية وسياسية فلنبحت عن مناهج أخرى لتخليص الناس من الورطة التي هم فيها. .

نحن لانسلم بهذا الإعتراض فصاحبه لايعرف من التصوف إلا الشكل، وأحرى به أن يبحث عن الجوهر. نعم لا يمكننا إلا أن نسلم بأن من أدوار التصوف الأساسية التوجه إلى السماء لتعم الرحمة الإلهية الأرض، ولكن التصوف إلى جانب ذلك يومن بعالم الاسباب وله دوره فيه..
إن التصوف أيها المعترضون علم يهتم بالإنسان، والإنسان محور الأزمة، لذلك فمن الطبيعي أن تكون له كلمته في التعامل معها، فكل المناهج والحلول التي تكتشف لن يطبقها إلا الإنسان. لذلك يجب أن يكون مؤهلا للتعامل معها، أي يجب علينا صناعة إنسان الأزمات وهذا من أدوار التصوف.

نعم أيها السادة تولد الأزمات العامة حاجات مختلفة لدى الأشخاص المعنيين، منها الحاجة إلى المعلومة والحاجة إلى التضامن. فالإحساس بأن الأزمة “جماعية” وأنك “لست وحدك” يخفف من وطأة المصاب. ولكن إنسان الأزمات هو إنسان يتجاوز ذاته، والتصوف يعلم هذا التجاوز استمدادا من الحديث الشريف –لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه –فمن المؤكد أنه “لا يمكن التغلب على أي كارثة إنسانية دون وجود تعاون مشترك، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو على مستوى الدول “،وإنسان الأزمات هو إنسان له نصيب الأسد في مد العون للآخرين.

إن هذا التضامن والتعاون لن يقوم به إلا إنسان الأزمات الذي تشبع بالمبادئ الروحية الحقيقية وليس بالمبادئ الشكلية التي تظهر عكس ماتبطن كما هو الشأن بالنسبة لمبادئ العولمة، فقد قال أحد الاختصاصيين “هذه بداية نهاية العولمة، على الأقل بالشكل الذي ألفناه حتى الآن. إنها لمفارقة كبرى أن نشهد تنامي المشكلات العو لمية (في هذه المرحلة)، وبكلمة أخرى، إنه في الوقت الذي نحن فيه أحوج ما نكون إلى التضامن والتعاون، فإن العديد من التقارير تشير إلى أن أزمة كورونا لم تثبت فشل العولمة فحسب، بل أثبتت مدى هشاشتها وزيف الكثير من الحجج التي سيقت لتبريرها. فمع بداية الوباء، سارعت جميع الدول التي روجت للعولمة، واستفادت منها اقتصاديا واستراتيجيا، إلى الانغلاق إلى الداخل والحد من السفر وإغلاق حدودها، وتخزين الإمدادات الطبية.

يرى بعض الباحثين في علم الاجتماع أن من التداعيات التي ستخلفها أزمة الوباء العالمية هذه على الصعيد النفسي، ما يُسمى بـ”اضطراب ما بعد الصدمة. ما قد يعاني البعض من وأعراضه تظهر بعد انتهاء الأزمة. والمجتمع يجب أن يفكر من الآن في طريقة مد العون لهذا الفئة من المجتمع ، ومنهج التصوف يساعد في هذه الحالات على تجاوز الإضطربات،ولعل لنا في أزمة الغزالي نموذجا لدور التصوف في حل ما بعد الأزمة-دون الغوص في أسبابها- ،لقد أصاب الغزالي مرض مدة ستة أشهر وأصابته أزمة نفسية بلغت من الحدّة أن ولّدت له عسراً في الهضم، بل تعدى ذلك الى ضعف القوى البدنية ويخبرنا الغزالي بأنه قد مارس الشك شهرين ، ثم قذف الله نوراً في قلبه فاكتشف الحقيقة في التصوف .

إننا للعثور على المنهج الذي يخلصنا من الأزمة في حاجة إلى ظاهرة تعرف بـ “تأثير مايكل أنجلو” وهو نحات مشهور، فقد قال ذات مرة: “في كل كتلة من الرخام، أرى تمثالًا كما لو كان واقفًا أمامي، ولا يجب علي سوى أن أقوم بإزالة الجدران الخشنة التي تسجن المظهر الجميل لإظهاره أمام العيون ..
إن الأزمة التي حلت بالعالم بمثابة كثلة الرخام التي يصدق عليها قول الله تعالى
فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) ، فنحن في حاجة لإخراج هذ ا الخير الكثيرمن هذا الشئ المكروه ،ولن يكون ذلك إلا بقيم المحبة والتعاون والتآلف والتراحم ،وهي القيم التي يبتها التصوف في المجتمع.

لا تشتدي أزمة بل انفرجي قد آذن ليلك بالبلج
أمين يارب العالمين.

*متخصص في الفكرالاسلامي والتصوف

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...