سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (20)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الثاني: الحكامة الاقتصادية

سيرا على المنهج المتبع في هذه الأوراق التحليلية، بمحاورها الأربعة، يتناول المحور الثاني في مبحث أول فحوى المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية (أولا) وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
نواصل فيما يلي استعراض تأملاتنا واستنتاجاتنا المتعلقة بالحكامة الاقتصادية في عهد الملك محمد السادس.

ثانيا: تأملات واستنتاجات

حال الاقتصاد المغربي في عهد الملك محمد السادس : مؤشرات الإنجاز

منذ جلوس الملك محمد السادس على العرش في سنة 1999، عرفت المؤشرات الماكرو اقتصادية تحسنا كبيرا، فقد تضاعفت الصادرات ثلاث مرات بين عامي 1999 و2019، وارتفع دخل الفرد (بالدولار الثابت بمرور الوقت) من 1,963 إلى 3,361 دولارًا أمريكيًا كما انخفضت نسبة البطالة من 13.9 إلى 9 بالمائة. كما تُظهر البيانات المتاحة المتعلقة بالفقر أنه، بين عامي 2000 و2013، انخفضت نسبة الفقراء عند خط الفقر الوطني من 15.3٪ إلى 4.8٪. علاوة على ذلك، فقد أدى الانتعاش القوي لقطاع السياحة إلى تعزيز الاقتصاد حيث تضاعف عدد السياح الذين يزورون المغرب ثلاث مرات على مدى العقدين الماضيين. في الواقع، من عام 2000 إلى عام 2018، سجلت البلاد متوسط نمو سنوي بنسبة 6 في المائة في عدد السياح الوافدين؛ وهذا أعلى بنقطتين من معدل النمو في السياحة العالمية (معهد بروكينز الأمريكي-2020) .

ووفقا لنفس المرجع العلمي الجاد، استفاد الاقتصاد المغربي من تغيير السياسة الخارجية في عهد الملك محمد السادس حيث نوّع قاعدة تحالف المملكة من خلال الانضمام إلى الاتحاد الأفريقي في عام 2017 ومن خلال تحسين العلاقات مع أوروبا. فعلى مدى العقدين الماضيين، حافظ المغرب على علاقات قوية مع الاتحاد الأوروبي مما سمح له بتلقي المساعدات الثنائية من الاتحاد الأوروبي والحفاظ على العلاقات التجارية مع أوروبا. استحوذ هذا الأخير، الشريك التجاري والمانح الأكبر للمغرب، كما أفاد تحرك الملك محمد السادس الاقتصاد المغربي عن طريق دعمه لتواجد مغربي أكبر داخل القارة الأفريقية حيث شجع الشركات المغربية على زيادة التعاون مع البلدان الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في مجالات البنوك والاتصالات والتأمين والتصنيع. في الواقع، استفادت هذه البلدان من 85٪ من الاستثمار الأجنبي المباشر للمملكة في عام 2018. زادت التجارة مع القارة السمراء بنسبة 68٪ بين عامي 2008 و2018)؛ وتضاعفت الصادرات المغربية إلى غرب إفريقيا ثلاث مرات خلال نفس الفترة. وعلاوة على ذلك، إلى جانب تحسين اقتصاد المملكة وتنويع قاعدة تحالفها، عززت إعادة توجيه المغرب نحو إفريقيا المكانة الدولية للبلاد وساندت دعمها الإقليمي واستفادت من علاقتها مع الاتحاد الأوروبي من خلال إمكانية الانفتاح التجاري بين المغرب والاتحاد الأوروبي وأفريقيا..

كما شهد عهد الملك محمد السادس اكتمال مشروعين ضخمين لافتين للانتباه، وهما محطة للطاقة الشمسية وقطارا فائق السرعة، مما سيكون له عظيم الأثر من حيث التقليل من اعتماد المغرب على واردات الطاقة التي تشكل ثقلا سلبيا على ميزانية الدولة، والهدف هو انتاج نسبة 42 في المائة من الطاقة الكهربائية المغربية من مصادر متجددة بحلول عام 2020 و52 في المائة بحلول عام 2030. وقد تم تمويل (بحوالي 9 مليار دولار أمريكي)، معظم مراحل نور قيد التشغيل بالفعل (والبناء جار للمرحلة النهائية)؛وقد افتُتحت المرحلة الأولى من خدمات القطار الفائق السرعة “البراق” في نونبر 2018، تمتد الخدمة حاليًا على مسافة 350 كيلومترًا وتربط الدار البيضاء وطنجة حيث قلصت وقت السفر بينهما من خمس ساعات إلى ساعتين على أن تكون الخطة هي أن تمتد خدمة القطار الفائق السرعة إلى 1500 كيلومتر في جميع أنحاء البلاد. وتهدف الدولة المغربية بإشراف ملكي مباشر ، من خلال الاستثمار في مثل هذا المشروعات العالية التكلفة (بتمويل 2 مليار دولار أمريكي) إلى جذب المزيد من الاستثمارات وتدفق السياحة.

حكامة اقتصادية ذات مقومات راسخة ومنجزات واعدة لكن مازالت هناك نواقص وفراغات ملموسة

أجل، لقد لاحظنا بالفعل أن المغرب حقق نموا مستقرا في الناتج الداخلي الخام بمعدل متوسط يساوي 3 في المائة (الفترة المحتسبة تتراوح ما بين سنة 2000 و سنة 2016 ) وهو معدل يفوق المعدل المتوسط في دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بل وحتى اسبانيا وفرنسا والبرتغال. وبالمقابل حقق المغرب تقدما بطيئا نسبيا في مجال التنمية البشرية، بحيث في الوقت الذي تم فيه من جهة، القضاء على الفقر المعادل لأقل من دولار واحد في اليوم للشخص الواحد. كما تم تقليص معدل الفقر من 15 بالمئة سنة 2001 إلى ما دون 5 بالمئة سنة 2014. ومعدل البطالة تم إنزاله من 13 في المائة إلى ما يزيد قليلا عن 10 بالمائة (وزارة المالية).
لكن من جهة أخرى فإن معدل نمو الناتج الداخلي الخام للفرد يظل أقل من معدلات دول أخرى صاعدة كأندونيسيا وتركيا والصين وكوريا الجنوبية.

كما ينبغي التنبيه إلى أن التوازنات الاقتصادية والمالية المغربية على قوتها واستدامتها المعتبرتين، فهي تبقى مهددة (فضلا عن العوامل غير القابلة للتحكم فيها) باستمرار بتفاقم مشكلة الدين العمومي، ذلك أن الميزانية المغربية (لسنة 2016 مثلا) قد سجلت عجزا يعادل % 4,1 من الناتج الداخلي الخام مقابل % 3,5 الذي كان متوقعا في قانون المالية وفيما يخص دين الخزينة واصل وثيرته التصاعدية؛ إذ ارتفع من 629 مليار درهم عند نهاية 2015 إلى 657 مليار درهم سنة 2016، مسجلا مديونية إضافية بأكثر من 28 مليار درهم، أي بزيادة % 4,5.

وفي هذا الصدد أصبح من الضروري مراجعة المنهجية التي يتم اعتمادها في احتساب نسبة العجز في الميزانية انسجاما مع مبدأ الصدقية باعتباره أحد المبادئ المستجدة في القانون التنظيمي الجديد المتعلق بقوانين المالية ومرد ذلك أن حجم العجز وفق المنهجية المعتمدة، لا يأخذ بعين الاعتبار بعض المعطيات الواجبة الاعتبار كالديون المستحقة على الدولة لفائدة المقاولات، والتي لم يتسن للدولة القيام بسدادها. ذلك أنه وعلى الرغم من مجهود الإدارة العامة للضرائب لتصفية جزء من هذه المتأخرات، فإن الحجم الإجمالي لهذه الديون لا يزال مرتفعا، مما يزيد من التحملات المالية للمؤسسات والمقاولات العمومية المعنية ويضع المقاولات الخاصة المتعاملة معها في وضعية صعبة.

بخصوص المالية الاجتماعية لاحظ المجلس الأعلى للحسابات (أعلى جهاز للرقابة المالية والمحاسبة بالمغرب) أن هناك حسابات خصوصية ذات طابع اجتماعي تتوفر على أرصدة مهمة لكنها غير مستعملة، وفي المقابل، هناك حاجيات ملحة ومستعجلة في المجالات الاجتماعية تواجه إكراهات في التمويل. وذكر من ضمن هذه الحسابات، على سبيل المثال لا الحصر، الأرصدة المتوفرة في صندوق دعم التماسك الاجتماعي، وصندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية، والحساب الخاص بالصيدلية المركزية، وصندوق الخدمة الأساسية للمواصلات، وصندوق التنمية الصناعية والاستثمارات، وحصة الجماعات الترابية من حصيلة الضريبة على القيمة المضافة…

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...