سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (21)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الثاني: الحكامة الاقتصادية

سيرا على المنهج المتبع في هذه الأوراق التحليلية، بمحاورها الأربعة، يتناول المحور الثاني في مبحث أول فحوى المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية (أولا) وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
نواصل فيما يلي استعراض تأملاتنا واستنتاجاتنا المتعلقة بالحكامة الاقتصادية في عهد الملك محمد السادس.

ثانيا: تأملات واستنتاجات

الرأسمال المغربي الأساسي: الإصلاحات في مجال الحكامة المؤسساتية ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
إن الإصلاحات التي قام بها المغرب ولا سيما في عصرها المؤسساتي الذهبي في أعقاب دستور 2011: دستور الحكامة، دفعت بالمغرب إلى الأمام في مجال الترتيب الاقتصادي العالمي، وما زال بإمكانها أن تدفعه أكثر إذا تم استكمال هذا الورش الاستراتيجي المفتوح بإعادة النظر وتجديد حكامته المؤسساتية الاقتصادية ولا سيما الاجتماعية؛
وفي هذا الصدد تقدم دراسة مغربية رسمية (صادرة عن وزارة المالية) حديثة خمس رافعات ذات أولوية نؤمن بوجاهتها جميعها وبعلاقتها الوطيدة بموضوعة هذه الأوراق التحليلية (الحكامة) وتتمثل فيما يلي:

1- استكمال تشييد الرأسمال المؤسساتي ، وتثمينه من خلال تطوير فعالية الأجهزة المكلفة بالضبط الاقتصادي وبالسهر على حسن سير الأسواق في إطار الاحترام التام لقواعد الشفافية والمنافسة المشروعة. كما أن من شأن الرفع من فعالية مؤسسات الوساطة الاجتماعية أن تصب في تحقيق نفس الهدف. وذلك في سبيل تصريف المطالب الاجتماعية للشباب واتقاء أي هزات أو نزاعات واضطرابات اجتماعية.
2- تسريع مسار تراكم الرأسمال البشري من خلال اللجوء لجيل جديد من الإصلاحات تهم على الخصوص قطاع التربية والتكوين؛
3- تقوية آليات الانسجام والتجانس والالتقائية فيما بين البرامج والمشاريع العمومية من جهة والتوجهات القطاعية من جهة أخرى؛ من خلال اللجوء لأدوات وتقنيات التتبع والتقييم التي ينبغي أن تكتسي طابعا منهجيا مستمرا، من أجل إتاحة الفرصة لإدخال التعديلات والمراجعات والتحسينات الضرورية (راجع لاحقا: مفهوم التقييم ومبادؤه ومناهجه)؛
4- تنمية التوطين الترابي للسياسات العمومية من خلال تفعيل الجهوية المتقدمة التي ينبغي تسريع وتيرتها ؛
5- ترسيخ النسق الإنتاجي الوطني في إطار استراتيجية تحديثية تنافسية من خلال التوجه نحو استدماج وتوظيف التكنلوجيات والابتكارات كمحددات مفتاحية من أجل كسب مزايا مقارنة في ارتباط متواز مع استراتيجية وطنية للتنمية الصناعية.

ولعل المؤمل أن التوجهات الملكية المعلن عنها سنة 2018 و لا سيما سنة 2020 من خلال خطة الإقلاع لمواجهة آثار جائحة كورونا، وما جاء في تقرير النموذج التنموي الذي تم الإعلان عنه في بحر هذا الأسبوع وجار إخضاعه للنقاش العام، ستترجم في السياسة الاقتصادية والمالية للدولة مستقبلا، من خلال إعطاء الأولوية للحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية والمالية وتصفية المتأخرات المستحقة للمؤسسات العمومية؛ وإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، في انسجام مع التوجهات الملكية ذات العلاقة؛ وذلك على أمل تقوية التوطين الترابي للسياسات العمومية وتحسين حكامتها.

وعلى الرغم من أن ارتفاع الدين العام والاعتماد على واردات النفط قد أدى إلى محدودية التمويل الحكومي المتاح إلا أن الدولة لا تزال لديها العديد من الخيارات المتاحة بما في ذلك تحسين نظام تحصيل الضرائب وتقليل الإنفاق على المشاريع الضخمة المكلفة وإصلاح السياسة الضريبية في البلاد، وغيرها من المصادر الأخرى التي اقترحها تقرير النموذج التنموي المعلن عنه حديثا..

المكاسب والتحولات الايجابية للاقتصاد بحاجة لمواكبة علاجية للعجز الاجتماعي

إن مما يستحق الإشادة والتنويه أن المكاسب التي حققها المغرب في عهد الملك محمد السادس، والتي ينبغي البناء عليها لصنع مستقبل واعد، جعلت الاقتصاد الوطني يشهد تحولا عميقا في هيكليته، وتنوعا كبيرا في مجالاته الإنتاجية، ويحقق نسبة نمو قارة إلى هذا الحد أوذاك، وقد تمكن من الحفاظ على التوازنات الكبرى، رغم تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، وفي هذا الإطار، مكنت الاستراتيجيات القطاعية من تحقيق نتائج ملموسة، ساهمت في وضوح الرؤية، وفي إعادة تموقع الاقتصاد الوطني، على الصعيد الجهوي والدولي. وعلى سبيل المثال، فقد ساهم مخطط المغرب الأخضر ومخطط أليوتيس، في حصول المغرب على جائزة المنظمة العالمية للأغذية والزراعة، لبلوغه أهداف الألفية، المتعلقة بمحاربة الفقر والمجاعة، سنتين قبل الموعد المحدد لها. كما ساهم مخطط الإقلاع الصناعي، الذي يرتكز على مقاربة مندمجة، بما فيها توفير التكوين المهني المناسب، مدعوما بالنقلة النوعية، التي حققها القطاع التجاري والمالي، والاقتصاد الرقمي، في تعزيز مكانة الاقتصاد الوطني، على الصعيد القاري. وفي مجال البنيات التحتية التي تعتبر من الدعائم الأساسية التي تقوم عليها الاقتصادات الصاعدة، فإن ما يتوفر عليه المغرب من منجزات، في هذا المجال، قد ساهم في الرفع من تنافسية المقاولات والمنتوجات الوطنية. كما تعززت جاذبية الاقتصاد الوطني، بفضل الجهود المتواصلة، لتحسين مناخ الأعمال، وإحداث أقطاب اقتصادية تنافسية، كالقطب الصناعي ملوسة -طنجة. كما تنبغي الإشارة إلى مساهمة عدد من المقاولات الخاصة والعامة، في النهوض بالاقتصاد الوطني على الصعيدين الداخلي والخارجي. ويعد المكتب الشريف للفوسفاط (مقاولة عامة) نموذجا في هذا المجال، وهو ما أكد انخراط المغرب في السوق العالمي للفوسفاط، الذي أصبح رهانا كونيا، لارتباطه الوثيق بالأمن الغذائي.

وجدير بالتنويه والتشديد، أن الحكامة الجيدة -وفق القول الملكي المتواتر- هي عماد نجاح أي إصلاح، والدعامة الأساسية لتحقيق أي استراتيجية لأهدافها. ذلك أن نظام الحكامة يؤثر في إدارة القطاعات الإنتاجية المغربية وفي ضمان جودة أدائها واستدامة مردوديتها، ويساهم في تأهيل وتطوير الاقتصاد الوطني، وعلى هذا الأساس، لا يمكن اللحاق بركب الدول الصاعدة إلا بمواصلة تحسين مناخ الأعمال، ولاسيما من خلال المضي قدما في إصلاح القضاء والإدارة، ومحاربة الفساد، وتخليق الحياة العامة، التي يعتبرها الملك مسؤولية المجتمع كله، مواطنين وجمعيات، وليست حكرا على الدولة لوحدها. وكما هو ملاحظ فكل هذه المواصفات والمعايير تشكل قوام نظام الحكامة الجيدة الرشيدة.

كما ينبغي أيضا تعزيز الدور الاستراتيجي للدولة، في الضبط والتنظيم (الدولة الضابطة)، والإقدام على الإصلاحات الكبرى (الدولة المصمم الاستراتيجي)، ولاسيما منها أنظمة التقاعد، والقطاع الضريبي، والسهر على مواصلة تطبيق مبادئ الحكامة الجيدة ومحاصرة الفساد، في جميع القطاعات (الدولة القدوة في النزاهة).

لكن، وبما أن للمسار التنموي أعراض سلبية، تتمثل في توسيع الفوارق بين الطبقات الاجتماعية. فإن الواجب يقتضي التقييم الموضوعي للسياسات العمومية، والتحيين المستمر للاستراتيجيات القطاعية والاجتماعية، مع الالتفات للآثار الجانبية على الفئات ذات الدخل المحدود، حتى لا يمشي المغرب بسرعتين، وهذا هو التحدي الأكبر أمام مغرب اليوم، وأمام صانع القرار المغربي وهو الذي يشكل الأساس التبريري لإطلاق عملية نقاشية واسعة خلال هذه الايام، أفضت إلى بلورة صيغة متجددة للنموذج التنموي المغربي بعد أن وصل النموذج السابق إلى حده الأقصى دون معالجة ناجحة لأعراض المعضلة الاجتماعية…

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...