*ذ.عبد الله مشنون
وأخيرا استمع القضاء الاسباني الى زعيم ميليشيات “البوليساريو”، المدعو إبراهيم غالي، المتهم بجرائم إبادة جماعية والتعذيب والإرهاب، الذي مثُل عبر تقنية الفيديو، أمام سانتياغو بيدراز القاضي بالمحكمة الوطنية، أعلى محكمة جنائية إسبانية.
واحتفظ القضاء الإسباني بتهمتين رئيسيتين ضد زعيم انفصاليي “البوليساريو”، الذي تم إدخاله منذ 18 أبريل لمستشفى إسباني في ظروف غامضة بهوية جزائرية مزورة.
وتتعلق التهمة الأولى بالتعذيب والتي تقدم بها فاضل بريكة ضد زعيم الانفصاليين، والذي يتهمه بالمسؤولية عن اختطافه خلال الفترة من 18 يونيو 2019 إلى 10 نونبر من نفس السنة.
وتهم التهمة الثانية، بالأساس، “الإبادة الجماعية” والاغتيال” والإرهاب” والجرائم ضد الإنسانية” والاختطاف”، تقدمت بها الجمعية الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي تتخذ من إسبانيا مقرا لها.
ويعد المتهم أحد الأعضاء ال 28 ضمن الحركة الانفصالية ومسؤولين حكوميين جزائريين كبار تم التبليغ عنهم من قبل الجمعية الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان وضحايا آخرين في غشت 2012.
ومثوله أمام القضاء ليس سوى بداية محاكمة، ستشمل أيضا قادة آخرين من العصابة الانفصالية للبوليساريو المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في حق كل صوت معارض، وأيضا، في حق الساكنة المحتجزة التي تعيش في مخيمات تندوف في ظروف غير إنسانية.
وقد كشف موقع “لاراثون” الإسباني الواسع الانتشار من خلال مقال أكد فيه أن ابراهيم غالي كان بين 1971 و1975 عميلا للشرطة الإقليمية الإسبانية ورقمه 8360. وفي هذا السياق، تمكن الموقع من الوصول إلى ملف الشرطة الخاص به الذي يفصل تحركاته ومقابلاته وأنشطته الأخرى حيث تم تحديده ببطاقة الهوية B-7248055. وحدد المكتب الثاني هوته من خلال اسمه الحركي “سيدي موح ولد سيدي الشيخ”ويطالب العديد من ضحايا هذا الجلاد، الذين تقدموا بشكاوى ضده، باعتقاله ومحاكمته.
وأكد السيد بريكة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن “المثول أمام المحكمة اليوم لمجرم الحرب الذي عذب وقتل مئات الأشخاص يعد انتصارا لضحاياه الذين يطالبون بالعدالة وشدد على أنه “لدينا ثقة في استقلالية العدالة الإسبانية، التي ستتخذ الإجراءات المناسبة لمحاسبة هذا المجرم على أفعاله الشنيعة
من جانبه، اعتبر الخبير السياسي الإسباني بيدرو إغناسيو ألتاميرانو، الذي تعرض لتهديدات بالقتل من قبل ميليشيات “البوليساريو”، والذي تقدم، أيضا، بشكوى ضد المدعو إبراهيم غالي، أن مثول هذا المجرم ليس سوى البداية “لإنصاف ضحايا تنظيم إرهابي متورط في أعمال الإبادة الجماعية والتعذيب.
وإذا كانت هذه المحاكمة تمثل مقدمة لاعتراف أولي بحقوق الضحايا والمسؤولية الجنائية والجزائية لهذا الشخص، فينبغي مع ذلك أن تمتد لإنصاف أولئك الذين ليس لديهم صوت في مخيمات تندوف أو في سجون “البوليساريو”، الذين يعانون من أبشع أشكال التعذيب والمعاملة المهينة واللاإنسانية من قبل عناصر البوليساريو او ضباط المخابرات الجزائرية.
وفي سياق متصل أصدرت وزارة الخارجية المغربية، الاثنين 31 ماي 2021، تصريحا جديدا حول الأزمة بين مدريد والرباط، بدأته بالإشارة إلى أن رئيس جبهة البوليساريو سيمثل الثلاثاء، أمام المحكمة العليا الإسبانية، وأوضحت أنه إذا كان المغرب قد سجل هذا التطور وأخذ علما به، فإنه أيضا لا يرى في مثول أو عدم مثول إبراهيم غالي أمام المحكمة أساس الأزمة الخطيرة التي تعصف حاليا بالعلاقات بين البلدين الجارين.
وجاء في التصريح أن مثول “المدعو” إبراهيم غالي أمام المحكمة، يؤكد ما قاله المغرب منذ بداية الأزمة: لقد أقدمت إسبانيا بالفعل على تهريب شخص متابع قضائيا إلى أراضيها خلسة وبطريقة غير شرعية، وذلك لأجل حمايته من المتابعة القضائية على جرائم ارتكبت جزئيا على الأراضي الإسبانية.
واعتبر التصريح مثول غالي أمام المحكمة دليلا إضافيا يظهر الوجه الحقيقي البوليساريو” المتمثل في شخص زعيم ذي سلوك دموي، مارس انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وارتكب جرائم الاغتصاب والتعذيب ويرعى الأعمال الإرهابية
وأضاف التصريح “هذا المثول يؤكد مسؤولية إسبانيا الثابتة؛ لأن ضحايا المدعو غالي هم قبل كل شيء إسبان، وبالتالي فإن استجواب المتهم يشكل اعترافا صريحا وضمنيا بحقوق الضحايا والمسؤولية الجنائية لهذا الشخص عن الأفعال التي اقترفها، كما أنها المرة الأولى التي تستدعي فيها المحاكم الإسبانية هذا المسؤول وتواجهه بشكاوى ضحاياه بشأن جرائم خطيرة
“بالإضافة إلى ذلك، يتابع التصريح، هذه ليست سوى الشكاوى التي استطاع بعض الضحايا إخراجها إلى العلن؛ ماذا عن كل الضحايا من الأطفال والنساء والرجال الذين عانوا ويعانون من أهوال “البوليساريو”؟ يعاني السكان المحتجزون في تندوف من المعاملة اللا إنسانية والتحقيرية من قبل “البوليساريو”، دون أن يصل صوتهم إلى العالم، ودون أن تنظر العدالة في وضعيتهم الكارثية.
وأوضحت الخارجية المغربية أن هذا ليس أصل المشكلة، مشيرة إلى أن جذور المشكلة في الواقع، تتمثل في الثقة التي انهارت بين الشريكين، ومضيفة أن الأصول الحقيقة للأزمة تعود للدوافع والمواقف العدائية لإسبانيا فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، وهي قضية مقدسة عند المغاربة قاطبة.
وقالت “هذه الأزمة غير مرتبطة باعتقال شخص أو عدم اعتقاله، لم تبدأ الأزمة مع تهريب المتهم الى الأراضي الإسبانية ولن تنتهي برحيله عنها، الأمر يتعلق بثقة واحترام متبادل جرى العبث بهما وتحطيمهما، إنه اختبار لمصداقية الشراكة بين المغرب وإسبانيا.
واستطردت قائلة “إذا كانت الأزمة بين المغرب وإسبانيا قد لا تنتهي إذا لم يمثل المدعو غالي أمام المحكمة، فإنها أيضا لن تحل بالاستماع إليه فقط، إن توقعات المغرب تتجاوز ذلك بكثير، فالأزمة تستوجب من إسبانيا توضيحا صريحا لمواقفها وقراراتها واختياراتها.
بالنسبة للمغرب، يوضح تصريح وزارة الخارجية، فإن إبراهيم غالي “يعكس صورة البوليساريو، فالطريقة التي دخل بها الأراضي الإسبانية بجواز سفر وهوية مزورتين، وعلى متن طائرة رئاسية جزائرية، يكشف بما لا يدع مجال للشك بأن هذه الميليشيا الانفصالية تنقلب على نفسها وعلى جوهر وجودها.
بالإضافة إلى ذلك، “كشفت هذه القضية عن المواقف المناوئة والاستراتيجيات العدائية لإسبانيا تجاه مسألة الصحراء المغربية، وكشفت تواطؤ جارنا الشمالي مع خصوم المملكة للنيل من وحدة أراضيها.” وتساءلت الخارجية المغربية: “كيف يمكن للمغرب في هذا السياق أن يثق بإسبانيا مرة أخرى؟ كيف يمكن أن نضمن أن إسبانيا لن تتآمر مرة أخرى مع أعداء المملكة؟ هل يمكن للمغرب حقا أن يثق بأن إسبانيا لن تتصرف من وراء ظهره؟ كيف يمكن استعادة الثقة بعد هذا الخطأ الجسيم؟ ما هي الضمانات التي يتوفر عليها المغرب إلى الآن؟ في الواقع، يتعلق الأمر بطرح السؤال الأساسي: ما الذي تريده إسبانيا فعلا؟”
وذكرت أن هذه الأزمة أيضا تثير سؤالا جوهريا يتعلق بالانسجام والاتساق في المواقف: “لا يمكنك محاربة الانفصال في بلدك ودعمه لدى جارك”. كما تساءلت: “ماذا كان سيكون رد فعل إسبانيا لو تم استقبال شخصية انفصالية إسبانية في القصر الملكي المغربي؟ كيف سيكون رد فعل إسبانيا إذا تم استقبال هذه الشخصية علنًا ورسميًا من قبل حليفها الاستراتيجي، وشريكها التجاري المهم، وأقرب جار لها من الجنوب؟
وأكدت أن المغرب بقي منسجما مع نفسه ومبادئه، ورفض طلب استقبال ولقاء أحد القادة الانفصاليين الكبار في الحركة الكتالونية. فمن حقه إذن ألا يتوقع من إسبانيا تصرفا أقل مما عوملت به، هذا هو مبدأ الشراكة الحقيقة، فمبدأ المعاملة بالمثل مبدأ راسخ أيضا في العلاقات الدولية، يوضح تصريح الخارجية المغربية.
وأسهب التصريح في ذكر العناصر التي تظهر أن المغرب كان على الدوام متضامنا مع إسبانيا، مشددا على أنه يميز بين روابط الصداقة مع الشعب الإسباني والعداء الذي تكنه بعض الأوساط السياسية. فالمغرب، كما تقول وزارة الخارجية، ليس لديه مشكلة مع الشعب الإسباني ومواطنيه، والعاملين الاقتصاديين فيه، والفاعلين الثقافيين، والسياح، الذين يتم الترحيب بهم بحرارة كأصدقاء وجيران.
وجاء رد الحكومة الاسبانية رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانتشيث خارج السياق حيث تحدث مرة أخرى عن قضية الهجرة مما اثار اندهاش الخارجية المغربية، فقد أكدت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أنه “ليس من عادة المغرب الانخراط في جدالات حول تصريحات كبار المسؤولين في الدول الأجنبية، غير أن تعليق رئيس الحكومة الإسبانية اليوم، الرافض للبيان المغربي من خلال ربطه بالهجرة، يثير اندهاشا كبيرا”
وأضاف البلاغ أن المغرب أكد مرارا أن الأزمة الثنائية ليست مرتبطة بقضية الهجرة، موضحة أن “نشأة الأزمة وأسبابها العميقة باتت الآن معروفة، ولا سيما من قبل الرأي العام الإسباني
وخلصت الوزارة إلى أن “إثارة قضية الهجرة لا ينبغي أن تكون ذريعة لصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للأزمة الثنائية”.
*إعلامي كاتب صحافي بإيطاليا





