جداريات بَـــانْــكْــســِي المناصرة للشعب الفلسطيني

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدكتور محمد الولي

 

 

لا ينبغي للبلاغة الجديدة السكوت عن الممارسة البلاغية التشكيلية الجدارية للفنان البريطاني الثوري بَانْكْسِي Bancksy الذي يخفي هويته وراء هذا الاسم المستعار. إنه يمثل برسومه على الجدران في مختلف دول العالم، ومنها على وجه الخصوص رسومه على جدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلة، الامتدادَ للثورة الطلابية الفرنسية سنة 1968 وثورة كومونة باريس الشيوعية سنة 1871 والفلسفاتِ الراديكالية، المناهضة للعسكرة والفوضوية والمعادية للرأسمالية. ولقد اشتهرت رسومه بمناصرة كل المظلومين سواءٌ أكانوا مهاجرين أم فقراء أم ضحايا رأس المال أم يتحملون الطرد من الأوطان كالفلسطينيين. بَانكْسي هو نصير القضايا العادلة في العالم كله وفي فلسطين التي وهب لها أجمل لوحاته الفنية أي الجدارية. فلنتناول بالتحليل مجموعة من لوحاته:

أعتقد أن بَانْكْسِي عبقري في الجمع بين المتباينات من هذا النوع، حيث ترد لفظة استعارية أو وحدة سيميائية استعارية في سياق وحدة دلالية أو إيقونية معهودة ومتداولة للتعبير عن شيء آخر. كلنا نترقب وضع الحجرة في كف هذا المناضل. وهي الصورة المعهودة عند أطفال الحجارة الذين يواجهون أعتى الأسلحة الإسرائيلية بأبسط سلاح وهو سلاح الحجارة. الحجارة في وجه الدبابة هي لوحة لا تخلو من سخرية. وحتى استعارة مفارقة oxymoron حيث نضع في سياق لفظي ما، معنى يتناقض مع المعنى الذي يتطلبه ذلك السياق. السياق الإيقوني: الذراع الممتدة ووضع الجسد المتأهب للقذف، إلا أن المقذوف هنا ليس الحجرة كما اعتدنا، بل باقة الزهور. الزهور تحتل مكان الحجارة. تلك مفارقة. فكيف تمكن مواجهة الدبابات الصهيونية بالزهور؟ هناك إيحاء بعناصر قوة لا تلاحظ في مظهر الرسالة، بل في ما تخفيه، قوة السلام، أي قوة الإيمان بعدالة القضية الفلسطينية. بَانْكْسِي اعتمد المفارقة حينما استبدل الحجارة، أو هذه الموضوعة الطوبيقية، بأخرى جديدة ومفارقة، وذلك حينما وضع باقة من الزهور في الكف التي يعهد فيها الإمساك بالحجرة. باقة الزهور هي اللمسة العبقرية التي رفعت هذه اللوحة إلى أسمى مراتب الإبداع الجمالي. إنها المقاومة بوسائل سلمية، على الطريقة الغاندية. قد يكون مهماً دراسة هذه التقاطعات بين هذه اللوحة وتلك التي تعودنا على مشاهدتها حيث المناضل يحمل حجرة، من وجهة نظر التناص. وما التناص إلا التداعي بين نصين.

هذا المثال يزيل الغشاوة عن الأعين. يفكك ذلك الواقع الذي تعودنا على رؤيته. ثم يعيد بناءه وتركيبه. ليس لأجل مجرد أن يريَنا شيئاً آخر، بل لأجل أن يعرض على أبصارنا وعقولنا فلسفة عملية جديدة يحتل فيها المقهورون المكانة المستحقة. اللوحة تشدد على قوة السلام، بديلا للحرب وهو يرمز إلى كل ذلك بالحجارة في السياق القديم والزهور في السياق الجديد.
هذه لوحة من أجناس خطابية جميلة. ومحاولات تحليلها بمفاهيم بلاغية يعني أننا في صدد الانتقال إلى عصر بلاغي جديد مختلف عن كل ما تقدم. وأخيراً، فلا بد من فتح أعين البلاغة ليس على الفنون التشكيلية فقط، بل على المشاكل الكبرى التي تتحمل عبأها الإنسانيةُ. المثال الآتي لبَانْكْسِي أيضاً.


هذا الرسم الرائع. خرَق الجدار بل مزَّقه تخييلياً بفتحة نطل من خلالها على الشاطئ أو البحر. الجدار يقيم الحدود، والرسم يفتح فيه معبراً على البحر حيث انتفاء الجدران والحواجز، حرية كاملة. هي إذن استعارة. الفتحة تقول شيئاً آخر غير ما يرى. صورة تحمل معنى الانعتاق من كل الحواجز.
هذا الرسم الإيقوني يحيلني على أحد أشهر شعارات ثورة ماي 1968 الطلابية في باريس. إنه الشعار المدون على بضع جدران في باريس. Sous les pavés, la plage
الشعاران معا يحيلان رمزيا على الحرية الكاملة. هنا في الحالتين مقومات استعارية وكنائية ورمزية.
اللوحة الموالية لا تختلف كثيراً عن السابقة من حيث المضمون. إذ الأمر يتعلق بابتكار فتحات في الجدران القهرية التي ينسل منها الإنسان نحو عالم الحرية المفتوح.

لننتقل إلى لوحة أخرى في جدار الفصل العنصري :


هذه اللوحة تلون الشكل الذي يفصح عن مضمون آسر عند بانكسي. الطفولة هنا رمز التمرد عن القيود والبراءة. الطفل يتخطى هنا الجدار بفتحه نافذة فيه، ينسل من خلالها إلى عالم الحرية. وما عدا هذا فاللوحتان تحتفظان بنفس الموضوعات الطوبيقية البانكسية. أي الموضوعات الصغرى الثابتة المتواترة عبر التاريخ في جنس شعري ما، في هذه اللوحات الي تعني الحرية والانعتاق. وربما رمز بهذه الوحدة الطوبيقية، أي الطفولة، إلى الحرية الفطرية والبراءة.

أعتقد أن هذه الثروة من شعارات وإيقونات بَانْكْسِي Bancksy التي رسمها في عديد من الدول،قد يكون مفيدا دراستها بهذه البلاغة الجديدة، التي تلقي بعض الأضواء على جوانب من ظاهرة تستعصي الإحاطة بها بغيرها.
إن الاحتفال بالسلام ونبذ العنف يعتبر من الموضوعات الأثيرة عند بَانْكْسِي. لن نطيل القول في هذا الشأن؛ نكتفي بعرض لوحة واحدة تحتفل بالسلام وتناهض العنف: تأملوا الطائرة الحربية التي عهدنا فيها قذف القنابل كيف أنها تقذف هنا الكمنجات:

الكمنجات بدائل كنائية للسلم. هذا المقوم لا يتوسل هنا بالأشياء الشبيهة. الكمنجات لا تشبه السلام، إنها من ملازماته. هي أداة مصاحبة للغناء، والغناء لا يكون إلا في حالة سلام أو احتفال. ولكنها كناية تتمتع هنا بألق جمالي وإقناعي مهم. كناية جديدة تحمل توقيع صاحبها. هذا الرسم ينطوي أيضاً على محسن بلاغي استعاري. إن العبارة المرفقة للرسم “make music not war” أي “مارسوا الموسيقى لا الحرب”، لا يمكن أن تمنعنا عن استحضار وتذكر شعار أنصار السلام ومناهضي الحروب القائل make love not war أي “مارسوا الحب لا الحرب”. هذا بالضبط هو التناص في أجلى مظاهره. إنه استدعاء عبارة في النص لأخرى غائبة، ولكن يمكن في أية لحظة إخراجها من الذاكرة بسبب منبه نص ما. كيفما كان هذا المنبه الذي يمكن أن يكون خفياً جداً. إنما في حالتنا بالغ السطوع. الأمر لا يتعلق بتداعي نصين لفظيين فقط مفرغين، بل تداعي معنيين وبالتالي حقلين دلالين مختلفين ولكنهما متشابهان. هي هذه البنية الاستعارية. هذا الحقل الشبيه القادم من أغوار الذاكرة والذي يتعلق بمتن النص بين يدينا هو عينه الاستعارة. وهي استعارة جميلة على كل حال. هذا الحقل الدلالي الاستعاري الوافد يمثل ملحقةً دلاليةً تمثل جزءاً دلالياً لا غنى عنه في النص. إلا أن هذا لا يصح إلا بالنسبة إلى لحالات التي تنشط فيها ذاكرة المتلقي التي تحتفظ بهذه المعاني. أما بالنسبة لمن لا تختزن ذاكرته هذا المعنى، فمع الأسف يُحرَمُ من متعة هذه الاستعارة. إذ إنها لا تكون حاضرة في ذهنه. الذاكرة فعالة خلال التلقي الخطابي وهي تضيف إلى النص باقات دلالية مثرية. هكذا فإن معاني النص ليست قطعاً معدنية ثابتة غير متغيرة باستجابات المتلقي. المعنى يغتني بهذه الإضافات التذكرية التناصية. المعنى يغتني وقد يفتقر تبعاً لأحوال المتلقي وإضافاته التناصية التذكرية. هذا كله يدل على انطواء الرسم السابق على استعارة عظيمة، ولو أنه تشكيل وليس نصاً معتمداً على الكلمات. الاستعارة هنا تداهم الفنون التشكيلية. وأعتقد أنها هكذا كانت دائماً.

ومن نفس الجنس من الرسوم التي تتغذى من نفس الموضوعات الطوبيقية هذه اللوحة التي تدعو إلى ممارسة الحب لا الحرب، نجد هذا الرسم الذي يتذرع بنفس المقوم البلاغي بل البياني. إن الطائرات لم تعد هنا تقذف القنابل بل رسائل الحب. والعبارة هنا ليست مباشرة بل إيحائية. الحب وهو كيان معنوي مجرد يُدَلُ عليه هنا بالقلب. وهو، حسب الاعتقاد الشائع، مكان توطن عاطفة الحب. التعبير هنا بالقلب وهو المحتوِي، عن المحتوى الذي هو الحب. إنه مجاز مرسل، أو كناية. إن العلاقة هنا ليست المشابهة لكي تكون العبارة استعارية، إنها بالأحرى تلازمية.


وعلى نفس جدار العنصرية في فلسطين المحتلة رسم بانْكْسِي هذه الأرجوحة التي يحلق من خلالها الأطفال في السماء، وإذا كانت اللوحة حرفية الدلالة فلا شيء يمنع من استحضار معان رمزية، أي الدلالة الإيحائية الحرة. الرمز إلى أمرين اثنين، وهما: حرية الأطفال وبراءتهم اللتين ترفعانهم على الأرض وتخلصهم من قيود الجاذبية. وترمز أيضاً إلى معاني تخطي الجدار الذي يمنع الحرية بحصر الآدميين وتسييجهم داخل السجن الجداري. الأرجوحة هي بديل الجدار، ولأمر ما فهي مثبتة على الجدار نفسه. إنها بديل له ونفي له أيضاً. ذلك احتجاج من بَانْكْسِي على العدوان الصهيوني وعلى كل سياساته العنصرية. والرسم يفخم قيمة الحرية والسلام الذي يدلنا عليه بذلك الرمز الدال عليه أسفل الرسم.

موضوعة الحرية أساسية في رؤية العالم عند بَانْكْسِي. هو مهووس بالحرية الإنسانية، والعدالة. وهو طالما اتخذ الأطفال ناقلته الأساسية لحمل هذه الفكرة. إن صورة الطفولة تلون الحرية تلوينا مثيراً، لأنها رمز البراءة ولا يمكن أن تلتصق بهم موضوعة الظلم. وفي فلسطين يعمد دائماً للتعبير عن هذه الفكرة. الأطفال في حالة الحرية أو في حال السعي إلى امتلاكها ومواجهة القوى الغاشمة التي تصادرها. لعل أجمل لوحة لبَانْكْسِي تعبر عن هذا المحتوى الرسم الآتي المثبت دائماً على جدار العنصرية في فلسطين المحتلة.

الطفولة مرة أخرى التي تعانق الحرية وتتخلص من الجاذبية التي ترمز الى قوى التسلط. الارتقاء في الهواء، بفضل البالونات، ذلك هو البديل الرمزي للحرية. ذلك الرسم المثبت على الجدار هو الجواب الاحتجاجي ضد جدار الفصل العنصري الصهيوني نفسه. الطفلة ترتفع في فضاء الحرية في اتجاه تخطي جدار العنصرية.
ولنتأهب للولوج إلى امتدادات الفضاءات الجميلة. البلاغة في مواجهة الطغيان. نتوقف هنا عند مثال شعار مدون على لافتة ناشط ياباني أممي. تقول اللافتة المكتوبة بالإنجليزية:

ISRAEL
IS REAL
TERRORISM

إننا نتفهم أن يحرر هذا الشعار بالإنجليزية. إنه يخاطب الإنسانية. بأكملها. العبارة حولت البوصلة في اتجاه العبارة الحرفية. إسرائيل هي الإرهاب الحقيقي. هذه ترجمة تؤدي المعنى أو المحتوى، أما الشكل، وهو ما يهمنا هنا، فترجمته تكاد تكزن مستحيلة. الشكل هو ما يَهَب هذه العبارة قوتها الحجاجية والشعرية. الشكل باعتباره هنا القشرة الدالية. هذه الشعرية التي تتخذ دعامتها من الجانب اللفظي الذي تستحيل ترجمته. ذلك التكرار

ISRAEL
IS REAL

تخفيه الترجمة. وباختفاء هذا التكرار اللفظي البديعي تختفي الشعرية. إننا نحتفظ بالمعنى النثري إلا أننا نفقد اللفظ الشعري. طبعا المبدع لم يكرر حرفيا ذلك الاسم العلمي بل لقد شق ذلك القسم المتكرر إلى كلمتين is و real لقد تصرف في هذا الجزء وميزه عن التحقق الأول بأن خالف في ترتيب المصوتين a و e . هناك إذن ثلاثة تدخلات: التحقق الأول لاسم علم ثم تكراره ككتلة دالية ككل. إلا أنه أقدم هنا على إجراء عمليتين, الأولى تشقيق الكتلة اللفظية إلى كلمتين is real المتحولة عن rael .

كل هذه التغييرات الدالية هي التي تولد عنها معنى جديد بالكامل، من شأنه توجيه بصر المتلقي إلى المتوالية اللفظية واسترعاء انتباهه وشده إلى الدال في حد ذاته. إلا أن هذا كله لم يكن مجرد لعبة لفظية، بل كان عبارة عن إحداث رجة في ذهن المتلقي. هذا كله ليس لفظيا محضاً بل هو توليد لمعنى جديد، ولواقعة شعرية جديدة، وبالتالي إحداث صدمة في جهاز التلقي عند المخاطب. إنه اللجوء إلى ما يدعوة كَاسْيُوسْ لُونْجِينُوسْ الهزة والفتنة. “إن الرائع [le sublime] يفتن، ويرفع ويحدث فينا ضرباً من الإعجاب المختلط بالتغريب والدهشة […] إنه يكسب الخطاب ضرباً من القوة النبيلة، قوةٍ لا تقهر، تهزُّ نفس من يستمع إلينا. […] حينما يندلع حيث ينبغي، يقلب كل شيءٍ مثل الرعد” .
كان بالإمكان الحديث عن أبعاد أخرى في هذا الشعار المثير والقوي. وهو من الشعارات ذات التألق العالمي. فلنتأمل اللوحة حاملة الشعار:

ما كان ليتيسر للمبدع خلق هذا المقوم الشعري – الحجاجي إلا بالفعل الإنساني action humaine في اللغة. كأن المبدع يعيد خلق لغة جديدة على أنقاض لغة متداولة، لا تفي بغرض التعبير عن المعنى والأثر اللذين يرومهما. هناك فعل وتأثير إنسانيين في اللغة، أي ما يسميه عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز “الصنعة والعمل” . وما يدعوه في أسرار البلاغة: “أثر الصنعة” . أعتبار “الصنعة” هذا هو الذي جعل عبد القاهر يثني على جمالية ضروب من الجناس، ويزري بأخرى. السبب في ذلك هو، أن النوع المحمود هو ذاك الذي يكون وليد تدخل الفعل الإنساني الشخصي. من قبيل ذلك “أو دعاني أمتْ بمَا أودعاني”. إذن هناك تأثير الفعل الإنساني في الحالتين. إلا أن الأهم من هذا هو تناول الشاعر للعبارتين ونقلهما من البَراذِيغْم إلى السَّانتَاغْم. أي من سلسلتي الاختيار العمودي إلى التأليف الأفقي الذي يبعث أثر الجناس والإحساس به بملاحظة الكتلتين المتماثلتين في موقعين متجاورين في التركيب، مع أدائهما معنيين مختلفين بسبب الحدود المختلفة في الكتلتين. كل هذا ما كان ليتحقق إلا بالفعل الإنساني الإنجازي. وهذا الفعل يحمل توقيع صاحبه. أي المبدع.. أعتقد أن مثال المناضل الياباني:

ISRAEL
IS REAL
TERRORISM

من نوع الجناس الذي يحتفي به الجرجاني ويشيد بشعريته. إنه من جنس “أو دعاني أمت بما أودعاني”. لا ينبغي أن تغيب عن بالنا هنا فكرة النظم، إذ إنه هو أيضا فعل إنساني أو صنعة إنسانية ولا يُتنَاول جاهزاً من المعجم أو التداول.
تلك هي البلاغة البَانْكْسيَّة الثورية. وهي ليست بلاغة تجميل المعنى فحسب، بل إنها بلاغة تحفيز إلى الفعل بعد خلخلة ثوابت الفكر. هي بلاغة تعتمد على المقومات البيانية من قبيل الاستعارة والكناية والرمز والمفارقة والجناس. إلا أنها بلاغة إنسانية تحتج ضد اعوجاجات العالم، المتمثلة في الفوارق الاجتماعية والقمع وازدراء المهاجرين وسيادة العنف الخ. لقد اعتمدنا في هذا العرض على استعراض هذه الأفكار من خلال أمثلة لبَانْكْسِي تناصر الفلسطينيين في ما يتحملونه من ظلم الصهاينة، وتجاهل العالم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...