هل انتصرت حماس؟!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

زيد عيسى العتوم

 

لو كانت الأسئلة تُكال بعدد حروفها لكان هذا السؤال خفيفاً, ولو كانت الأسئلة تقاس بنتائجها لأصبح ذلك السؤال خطيراً, ولو سألنا عن فلسطين المقهورة منذ عقود طويلة لكان الجواب مفجعاً وماحقاً, مادامت الارض بقدسيتها والحق بشرعيته والزيتون بتجذّره يتلظّون جميعاً تحت لهيب الاحتلال والاستيطان وبين فكّي قسوتهما, احتلالٌ سطّر الظلم بعمود السحاب, ورسّخ القهر برصاصه المصبوب, واستمرأ التجبّر بجرفه الصامد, فيقابله الغضب الفلسطينيّ بما تيسّر له من حجارة السجّيل وتحت عناوين الفرقان والعصف المأكول, وتبقى غيمة الحائط المسدود وانشودة عنق الزجاجة تراوحان مكانهما بلا ضوء وبلا أمل.

قد لا يختلف عاقلان عند الحديث عمّا قامت به اسرائيل مؤخراً في حي الشيخ جراح في القدس, وكونه انتهاكاً فاضحاً ومتكرراً لكافة القيم والأعراف الاخلاقية والقانونية والدولية, حيث ردّت عليه حركة حماس ومن ساندها من حركات المقاومة الفلسطينية انطلاقاً من قطاع غزة, ومع الاقرار بتبعات ردة الفعل الحمساوية وما تسببت به من أضرار اجتماعية واقتصادية ونفسية للجانب الاسرائيلي المعتدي, وما خلفته آلة القتل الاسرائيلية من مئات القتلى والجرحى والاف المهجّرين من الذين احتضنتهم المدارس او استوعبهم العراء, ثم اعتبرت حماس ما جرى نصراً عزيزاً ومؤزراً يقتضي الاحتفال به وإطلاق الخطب الهادرة في بهجته, ربما لا بدّ أن نسأل حماس المنتشية الكثير من الأسئلة, مثلما قد نسأل انفسنا ايضاً رغبة في مراجعة الذات وطمعاً في الاستفهام, هل الفاتورة الباهظة التي تكبدها القطاع نتيجةً لتلك الحرب المشؤومة تعتبر انتصاراً, حتى لو اربكت الخصم وملأت ملاجئه بالسكان لعدة ايام؟ وهل أفرزت تلك الحرب المقيتة اي تبديلٍ معتبر على متغيرات معادلة الارض والاحتلال والحصار والسيادة والمعابر؟ ثم هل بقاء حالة التشرذم الفلسطيني بين حماس وفتح لأكثر من اربعة عشر عاماً سينبت اي زرع وسيطرح اي ثمر في الواقع الفلسطيني؟ وهل وجود ما يقرب السبعة عشر فصيل مقاوم فلسطيني في غزة وحدها, لكل منها كينونته ونظرته ووجهته ومسمياته سينعكس خيراً على قضية فلسطين العادلة؟ وهل ترى حماس أن ملايين الجُمل المتعاطفة وملايين الكلمات المؤثرة تلك التي غزت الفضاء الالكتروني والتواصل الاجتماعي, سيكون لها اليد الطولى فعلياً في نصرة فلسطين؟ وربما الأخطر من ذلك والادهى, هل التصاق قادة حماس في داخل غزة وخارجها بإيران المنبوذة دولياً والمُعاقبة أممياً وثنائهم الموصول صوبها سينعش ذلك الحق الفلسطيني, أم سيغرقه في مستنقع التجاذبات الاقليمية والدولية التي لا يُحمد عقباها! وبعيداً عن السجع والطباق والتورية السياسية, ترى لو استمرت تلك الحرب المسعورة لأكثر مما كانت عليه, كيف سيكون الواقع المعيشي في غزة المحاصرة والتي ربما عجزت حماس فيها عن رفع وإزالة أنقاض ذلك الدمار الهائل, والذي خلفته آلة الحرب الاسرائيلية بلا هوادة, لولا تدخل الجانب المصري العاجل بوسائله الفنية والاغاثية واللوجستية, وهل انعاش شرايين الثقة بين حماس ومحيطها العربي, الذي طالما آزر الحق الفلسطيني وعبر عقود طويلة لم يحن وقته بعد! أو ربما قد غدت تحكمه مسميات العتب والتخوين أكثر من بواعث الحكمة والرشد السياسي.

ويبقى السؤال الأهم عن الحل الأنسب والخيار الافضل, سؤالٌ يملك نصف جوابه الثاني الشعب الفلسطيني وحده وليس غيره, أما النصف الأول فهو أن تتوحد وتتناغم جميع الفصائل والقوى الفلسطينية المؤثرة في بوتقة واحدة وصلبة من النوايا الطيبة والقواسم المشتركة, وأن تصنع برنامجاً وطنياً وسياسياً مشتركاً, يرى ويدرك جيداً جميع التوازنات والمستجدات القائمة لتحقيق الحلم الفلسطيني في دولته وكرامته ومقدساته, والنأي بالمشروع الفلسطيني عما يبعثر طاقته ويحرف بوصلته, وأن لا ننسى أن إسقاط كلمة “اسرائيل” لفظياً من خطبنا ومهرجاناتنا لا يلغي وجود ذلك الكيان المغتصب على أرض فلسطين الحبيبة, فهل انتصرت حماس!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...