من التهريب إلى العزلة التجارية.. كيف مارست الرباط “الخنق الهادئ” لاقتصاد سبتة ومليلية على مدى ست سنوات؟
بعد أزمة سبتة الأخيرة، ارتفعت في إسبانيا أصوات سياسية وإعلامية لوّحت بإمكانية تحميل المغرب “كلفة اقتصادية” لأي تصعيد جديد، سواء عبر مراجعة بعض أوجه التعاون أو الضغط داخل المؤسسات الأوروبية.
غير أن المفارقة أن الرباط سبق أن اختبرت، خلال السنوات الماضية، شكلا مختلفا من الضغط الاقتصادي، أقل صخبا وأكثر هدوءا، من خلال إعادة ضبط علاقتها التجارية والحدودية مع سبتة ومليلية، ووقف التهريب المعيشي والتجارة غير النظامية التي كانت تشكل أحد أعمدة اقتصاد المدينتين.
وبدلا من الدخول في مواجهة مباشرة أو إعلان إجراءات عقابية صريحة، اختار المغرب تفكيك تدريجي لنموذج اقتصادي ظل لعقود قائما على الاعتماد على السوق المغربية، وعلى تدفق البضائع والمتسوقين والعمال عبر الحدود.
ومع مرور الوقت، انعكس هذا التحول على مداخيل المدينتين ونشاطهما التجاري والمينائي وسوق الشغل، ودفع مدريد إلى ضخ مئات ملايين اليوروهات في خطط إنقاذ وإعادة هيكلة اقتصادية.
اليوم، ومع عودة الحديث في إسبانيا عن “عواقب اقتصادية” تجاه المغرب، تعيد تجربة سبتة ومليلية طرح سؤال معاكس: من يمتلك فعليا أوراق الضغط الاقتصادي في هذه العلاقة؟ فبين التهديدات السياسية الصاخبة والإجراءات المغربية الهادئة، أظهرت السنوات الأخيرة أن تغيير قواعد الحركة على الحدود وحده كان كافيا لخنق النموذج التجاري القديم للمدينتين وإجبار الدولة الإسبانية على البحث عن بدائل ممولة من ميزانيتها العامة.
ولم يحتج المغرب إلى إغلاق معبري سبتة ومليلية بشكل دائم حتى يضرب النموذج الاقتصادي الذي قامت عليه المدينتان لعقود، فمنذ قراره وقف ما كان يسمى إسبانيا بـ”التجارة غير النمطية”، أي نقل السلع عبر الحدود خارج القنوات الجمركية العادية، ثم إغلاق الجمارك التجارية في مليلية وتشديد حركة البضائع في سبتة، وجدت المدينتان نفسيهما أمام تحول اقتصادي قسري كشف حجم اعتمادهما على السوق المغربية وعلى آلاف المتسوقين والعمال الذين كانوا يعبرون الحدود يوميا.
كانت البداية الأكثر وضوحا في مليلية في غشت 2018، عندما أغلق المغرب من جانبه الجمرك التجاري في بني أنصار الذي ظل يعمل لعقود، وبعد ذلك أوقف تدريجيا تجارة “التهريب المعيشي” مع سبتة، قبل أن تتوقف الحركة الحدودية بالكامل في مارس 2020 مع جائحة كورونا.
وفي سبتة وحدها، قدرت منظمة أرباب العمل قيمة ما كان يسمى “التجارة غير النمطية” قبل وقفها بنحو 500 مليون أورو سنويا، وهو رقم معاملات وليس خسارة مباشرة في الناتج المحلي، لكنه يكشف حجم السوق التي اختفت من أمام التجار المحليين.
أما مليلية، التي كانت الأكثر ارتباطا بالتجارة النظامية مع المغرب، فقد كانت الضربة أسرع، ممثلو قطاع وكلاء الجمارك قدروا لاحقا أن نشاط القطاع فقد نحو 80 في المائة من أعماله مقارنة بما قبل 2018، بينما تشير تقديرات سلطات الميناء إلى أن النشاط التجاري للميناء فقد قرابة نصف حجمه، وأن الانخفاض في المداخيل الضريبية المرتبط بالصدمة الأولى لإغلاق الجمرك بلغ نحو 14 مليون أورو.
وجاءت سنة 2020 لتكشف تأثير الحدود مباشرة في مالية المدينتين، فقد تراجعت إيرادات ضريبة الإنتاج والخدمات والاستيراد، وهي من أهم موارد الميزانيتين المحليتين، بأكثر من 18 مليون أورو في سبتة، أي 14.4 في المائة، وبنحو 50 مليون يورو في مليلية، أو حوالي 70 في المائة.
وفي مليلية بلغ الضغط المالي درجة أن حكومة المدينة أعلنت في أبريل 2020 أنها تتوقع خسارة نحو 50 مليون أورو من الضرائب والرسوم، وقررت طلب إذن وزارة المالية الإسبانية للاقتراض بما يتجاوز الإيرادات المتاحة لتغطية العجز، وبالنسبة إلى اقتصاد محلي محدود، كان الأمر يتعلق بفجوة كبيرة في الموارد وليس فقط بتراجع أرباح بعض التجار.
وامتدت الضربة إلى الموانئ، إذ خسرت سلطتا ميناء سبتة ومليلية ما بين 5.5 و6 ملايين أورو سنويا لكل ميناء خلال 2020 و2021، نتيجة توقف حركة المسافرين وتعليق عملية عبور المضيق وعوامل مرتبطة بإغلاق الحدود.
سوق الشغل بدوره ظل يعكس هشاشة النموذج الاقتصادي، ففي مليلية ارتفعت البطالة من 23.9 في المائة سنة 2018 إلى 26.7 في المائة في نهاية 2019، أي بعد إغلاق الجمرك التجاري، وفي نهاية 2021 وصلت البطالة في سبتة إلى 26.86 في المائة ومليلية إلى 20.24 في المائة.
واللافت أن المشكلة لم تختف حتى بعد تحسن الاقتصاد الإسباني، ففي الربع الثاني من 2026، حين هبطت البطالة في إسبانيا إلى 9.87 في المائة، ظلت عند 22.41 في المائة في سبتة و20.74 في المائة في مليلية، فيما بلغت بطالة الشباب 47.83 و78.26 في المائة على التوالي وفق بيانات مسح السكان النشطين الذي يقوم به المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا.
وكانت النتيجة انتقال عبء إنقاذ النموذج الاقتصادي بصورة متزايدة إلى مدريد، ففي أكتوبر 2022 أقر مجلس الوزراء الإسباني خطتين لإعادة هيكلة اقتصاد المدينتين باستثمارات تبلغ نحو 354.6 مليون أورو لسبتة و356.8 مليون أورو لمليلية، أي أكثر من 711 مليون أورو إجمالا حتى 2026، تشمل التشغيل والبنية التحتية والسكن والرقمنة والخدمات العامة.
وتكفي المقارنة لمعرفة حجم التدخل، حيث أن ميزانية مليلية المجمعة لسنة 2023 بلغت نحو 355.5 مليون أورو، أي أن خطة الدولة متعددة السنوات للمدينة تعادل تقريبا ميزانية محلية كاملة لسنة واحدة.
ورغم الإعلان الرسمي عن إعادة فتح الجمارك التجارية في فبراير 2025، فإن دورة التجارة القديمة لم تعد، حيث في أبريل من سنة 2026 قال أرباب العمل في سبتة إن الجُمرك لا يعمل بصورة كاملة، بينما قالت منظمة رجال الأعمال في مليلية إن عددا محدودا فقط من الشاحنات عبر منذ إعادة الافتتاح وإن الحركة من مليلية نحو المغرب تكاد تكون معدومة، وفي صيف 2026 توقفت حركة البضائع مجددا خلال عملية عبور المضيق.
وهكذا، لم يؤد قرار المغرب إلى انهيار سبتة ومليلية، لأن الدولة الإسبانية عوضت جزءا مهما من الصدمة بالإنفاق والتحويلات والاستثمارات، لكنه خنق النموذج التجاري القديم الذي كان يعتمد إلى حد بعيد على السوق المغربية، وما كان يأتي يوميا عبر الحدود من المستهلكين والسلع والعمل أصبح يحتاج اليوم إلى مئات ملايين اليوروهات من الميزانية الإسبانية لإعادة بناء نموذج اقتصادي بديل.
المصدر: الصحيفة





