مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر/أيلول، تتساءل الكاتبة الأمريكية أسماء خالد عن التحول الذي طرأ على نظرة الولايات المتحدة إلى المسلمين، معتبرة أن البلاد انتقلت من الخوف والشك اللذين أعقبا الهجمات إلى مرحلة باتت فيها معاداة الإسلام (الإسلاموفوبيا) سائدة ومحل احتفاء أحيانا من جانب شخصيات سياسية نافذة.
وتقول خالد، في مقال بمجلة “ذي أتلانتيك”، إن السنوات التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 شهدت اعتداءات على المساجد ومضايقات للمحجبات ومخاوف من المراقبة الحكومية، لكنها تؤكد أن المسلمين في مسقط رأسها بولاية إنديانا ظلُّوا -في كثير من الأحيان- جزءا عاديا من المجتمع المحلي.
وتستعيد الكاتبة ذكرياتها عن مسجد مدينتها الذي شُيد في تسعينيات القرن الماضي، وما رافق بناءه من مظاهر رفض، بينها إقامة جار كومة تراب ضخمة لحجب المسجد عن الأنظار. وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، عُثر على ثقوب رصاص في إحدى نوافذ المسجد، في حين تعرضت مساجد أخرى في أنحاء البلاد لهجمات أكثر عنفا.
لكنّ خالد تقول إن تجربتها الشخصية كانت مختلفة نسبيا؛ فقد عاشت حياة مدرسية طبيعية، وارتدت الحجاب وصبغته بألوان مدرستها احتفالا بموسم العودة إلى المدرسة، بينما تعامل معها كثير من أبناء بلدتها باعتبارها واحدة منهم، لا باعتبارها ممثلة لجماعة دينية مرتبطة بالإرهاب.
ترمب والتطبيع مع الإسلاموفوبيا
وترى الكاتبة أن التحول الأكبر بدأ يظهر بوضوح في السنوات التي سبقت انتخابات 2016، عندما أصبح الخطاب السياسي في الولايات المتحدة يصور الإسلام والمسلمين بوصفهم نقيضا للهوية الأمريكية.
وتروي أنها كانت تغطي السياسة الأمريكية عندما أصبحت صحفية في “الإذاعة الوطنية العامة” (إن بي آر) حين بدأ المرشح الجمهوري آنذاك دونالد ترمب في إطلاق تصريحات معادية للمسلمين، بينها دعوته إلى وقف دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وقوله إن “الإسلام يكرهنا”.
وتقول إن ترمب لم يخترع الشكوك تجاه المسلمين، بل استثمر مخاوف كانت موجودة منذ 11 سبتمبر/أيلول، لكنه أسهم في نقلها من هامش الخطاب السياسي إلى المشهد العام. وتستشهد بمحادثة أجرتها مع أحد أنصار ترمب، حاول إقناعها بأن “حظر المسلمين” قد يكون في مصلحتها، لأن المسلمين، بحسب اعتقاده، قد يرتكبون “أعمالا إرهابية” ويعرّضونها هي نفسها للاعتقال.
وترى خالد أن المشكلة اليوم تجاوزت مجرد الخوف، إذ باتت معاداة الإسلام تُعبّر عنها شخصيات سياسية علنًا، من بينها نواب قالوا إن المسلمين لا ينتمون إلى المجتمع الأمريكي أو دعوا إلى المزيد من الإسلاموفوبيا.
ولاية إنديانا نموذج للتحول
وتقول الكاتبة إن أكثر ما يؤلمها هو سماع هذه اللغة من أبناء ولايتها إنديانا، مستشهدة بتصريحات نائب الحاكم ميكا بيكويث الذي أعلن أنه “يكره الإسلام”، ووصفه بأنه “طائفة موت شيطانية”، ثم قال لاحقا إن الإسلام أيديولوجيا أكثر خطرا حتى من النازية.
وترى خالد أن هذه التصريحات اكتسبت خطورة إضافية لأنها صدرت عن مسؤول يرتدي رمز الولاية ويتحدث باسمها، في وقت تواجه فيه المساجد مخاوف أمنية حقيقية. وتشير إلى أن مسجد بلدتها اضطر إلى اتخاذ إجراءات أمنية، من بينها تركيب بوابات وحراسة، بينما دعا بيكويث أيضا إلى منع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت، رغم عدم وجود تقارير عن مساجد في إنديانا تبثه علنا.
وتعتبر الكاتبة أن السياسيين لم يكتفوا بعكس مشاعر موجودة في المجتمع، بل أسهموا خلال العقد الأخير في تضخيمها وتطبيعها.
المسلمون جزء من تاريخ أمريكا
وتضع الكاتبة خالد هذا الجدل في سياق تاريخي أوسع، مؤكدة أن الإسلام ليس دينا “وافدا” إلى الولايات المتحدة، بل جزء من تاريخها منذ ما قبل تأسيس الجمهورية.
وتشير إلى أن آلاف المسلمين الأفارقة جُلبوا إلى المستعمرات الأمريكية مستعبدين، وأن المؤرخين يقدرون أن المسلمين شكلوا ما بين 10 و15%، وربما ما يصل إلى 30%، من الأفارقة المستعبدين الذين نُقلوا إلى أمريكا الشمالية.
وتستشهد بقصة يارو ماموت، المسلم الذي جُلب عبدا إلى أنابوليس عام 1752 ثم نال حريته واشترى منزلا في جورج تاون، قبل أن يرسمه الفنان تشارلز ويلسون بيل. كما تذكّر بأن توماس جيفرسون استحضر المسلمين صراحة عند الحديث عن الحرية الدينية، مؤكدا أن الحماية تشمل أتباع كل الديانات السماوية.
وتقول خالد إنها أمضت 3 سنوات في إعداد سلسلة وثائقية لهيئة “بي بي إس” (PBS) الأمريكية عن تاريخ المسلمين الأمريكيين، رغبة منها في أن يعرف أبناؤها تاريخا أمريكيا وإسلاميا أكثر اكتمالا.
وتخلص إلى أن إرث هجمات 11 سبتمبر/أيلول لم يعد مجرد خوف من الإرهاب، بل تحول، في نظرها، إلى مناخ سياسي وثقافي أكثر عداء للمسلمين.
وتقول إن الولايات المتحدة تبدو اليوم عالقة في نسخة “أسوأ” من مرحلة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، تحكمها الكراهية أكثر مما يحكمها الخوف، بما يطرح تساؤلات عميقة حول معنى المواطنة والحرية الدينية والقيم التي تأسست عليها البلاد.
المصدر: الجزيرة






