“التخصصات الأدبية على هامش منظومتنا التعليمية”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

إيطاليا تلغراف: ياسين جلوني

 

 

منذ طفولتنا، ومنذ السنوات الأولى من الدراسة في التعليم الابتدائي، كانت تروج مقارنات للتخصصات الدراسية لما بعد التعليم الاعدادي، فلطالما كان الأساتذة يعطون اهتماما بالغا للمواد العلمية، ويرسخون في الخلفية الذهنية للتلاميذ أن التخصصات العلمية للأذكياء، وأنها هي المؤهلة لسوق الشغل، في حين تظل التخصصات الأدبية خيارا للتلاميذ الذين لا يتقنون حل المعادلات الرياضية، والذين يروج أنهم أقل ذكاء من نظرائهم العلميين.

هذه المقارنات القاتلة والمميتة، وهذه الأفكار الهدامة لوحدها كفيلة لإبراز مدى انحطاط نظام تعليمنا بأكمله. وللأسف الشديد فمناسبة إعلان نتائج الباكالوريا تعد مناسبة سنوية لذبح التخصصات الأدبية من الوريد إلى الوريد، وإفراغ قيمتها الكبيرة.
مناسبة هذا الكلام هو الحديث المتواتر عن أعلى معدلات الباكالوريا في المغرب، حيث يتم وضع هذا الترتيب دون احترام للتخصص، فيتم إيراد المعدلات العشر الأولى، والتي تكون في الغالب من تخصصات علمية، في حين يستثنى من هذا الترتيب التخصصات الأدبية التي لها خصوصيات معينة في التنقيط عكس التخصصات العلمية.

إن أصل هذه التهميش والاحتقار التي تعاني منه التخصصات الأدبية في بلادنا مرده للنظام التعليمي المغربي الذي يعتبر المدرسة مصنعا لتخريج اليد العاملة والتكنقراط، وليس صرحا علميا لبناء الإنسان روحيا وفكريا وأخلاقيا، وهذا الأمر يتم على عدة مستويات.

المستوى الأول مرتبط بالوعي بالغاية من تدريس المواد الأدبية (اللغات وآدابها، الاجتماعيات وموادها، التربية الاسلامية وفصولها، الفلسفة ومباحثها…) حيث يلاحظ أن هذه المواد تدرس للتلاميذ دون إدراك للغاية منها، فغالبية التلاميذ يعتبرون هذه المواد فقط عقوبة للتلاميذ، لأنها لا تسمن ولا تغني من جوع، وباستثناء اللغات الأجنبية، فبقية المواد الأدبية لا تمكن من مهارات تقنية تؤهل التلميذ لسوق الشغل، حيث تعتبر هذه المواد عبارة عن كلام في كلام ولا أثر عملي لها، كما يقول المثل الشعبي “الهضرة ما تشري خضرة”.

الوعي بأهمية هذه المواد والغايات الكبرى وأثرها العملي، نادرا ما نجده عند أساتذة هذه التخصصات ناهيك عن أن يتم ترسيخ هذا الوعي في صفوف التلاميذ، بالإضافة إلى أن العديد من أساتذة التخصصات الأدبية يروجون خطابا تحقيريا وتبخيسيا للمواد الأدبية، دون أن ننسى أن الوعي بأهمية المواد الأدبية منعدم تماما عند الآباء وأولياء أمور التلاميذ.

المستوى الثاني مرتبط بمستوى مضامين الدروس المقدمة ومدى ربطها بالحياة الواقعية للإنسان، فنظرا لكون هذه المواد والتخصصات تساهم في بناء الوعي عند التلميذ، وتقوي لديه ملكة التحليل والتفكير والنقد والسؤال، فإنه تم منذ عقود وبشكل ممنهج إفراغ هذه المواد من مضامينها وروحها ورسالتها، وغدت فقط مواد للحفظ والاستظهار، ومنفصلة تماما عن الواقع.

المستوى الثالث له علاقة بتوفير البنيات الحاضنة لخريجي هذه التخصصات، فالدولة لم توفر مناصب شغل وبنيات حاضنة لإدماج خريجي هذه التخصصات في سوق الشغل، وتمكينهم من فرص للمساهمة في بناء المجتمع وتحقيق نهضة الأمة.
نظرا لتشعب الإشكاليات المرتبطة بالمنظومة التعليمية المغربية، فقد اكتفينا في هذه الأسطر بالحديث فقط عن مظاهر التهميش والاحتقار الممنهج للتخصصات الأدبية، في حين تظل العديد من الأسئلة دون إجابة من قبيل: ما أهمية التخصصات الأدبية وما أبعادها الكبرى؟ لماذا هذا التهميش الممنهج تجاه التخصصات الأدبية؟ وهل بالفعل التفوق في التخصصات العلمية هو السبيل الوحيد للنجاح في الحياة؟… وغيرها من الأسئلة التي يضيق هذا المقال لتناولها، ونأمل مناقشة هذه الأسئلة وغيرها في مقالات لاحقة.

وختاما نذكر القارئ الكريم أن كاتب هذه السطور هو طالب بيطري مقبل على التخرج من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، وبالتالي فالمقال ليس من باب المحاباة أو الانتصار للذات، وإنما انتصار للحقيقة المغيبة وللواقع المتأزم الذي قل من يلتفت له.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...