*دكتور محمد براو
المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية
يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
أولا: المنظور الملكي للحكامة الإدارية
نستعرض في هذا المبحث كلا من المفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في سياق الحكامة الإدارية وفقا للمنظور الملكي.
2- مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
التقييم والنقد الذاتي
دور التتبع والتقويم في إنجاح الدينامية الإصلاحية، يقول الملك: “إن مغربا جديدا ينبثق من هذه الدينامية الإصلاحية المقدامة، التي أطلقناها ونرعاها، بالمتابعة والتقويم والاستكمال”. ويكرس خطاباته السنوية بمناسبة عيد الجلوس على العرش، للوقوف الموضوعي، على ما تم قطعه من أشواط، وما يتعين إزاحته من معيقات، ورفعه من تحديات; لاستكمال مقومات النموذج التنموي الديمقراطي، لمغرب مزدهر عماده تنمية متناسقة، مرتكزة على نمو اقتصادي متسارع، يعزز التضامن الاجتماعي؛ وقوامه تنمية مستدامة، تراعي مستلزمات الحفاظ على البيئة ومنهجه الحكامة الجيدة. كما أن على المنتخبين استحضار أن تلازم المسؤولية بالمحاسبة قد صار قاعدة لها سموها الدستوري، وجزاؤها القانوني، وضوابطها الأخلاقية الملزمة. والبرلمان أصبح يتولى مهمة تقويم السياسات العمومية، بموجب الدستور الجديد، وهو ما يفتح آفاقا واعدة أمام إمكانية إدخال التعديلات الملائمة والضرورية على البرامج في الوقت المناسب، وذلك من أجل ضمان حسن سيرها وإنجاحها.
خطاب التقييم والنقد الذاتي : (أو خطاب أين الثروة؟ في شهر غشت 2014) والذي قال فيه الملك: “إننا لا نريد أن نجعل منها مناسبة لاستعراض حصيلة المنجزات، لأنها مهما بلغت، ستظل دون ما نرتضيه لك شعبي الوفي. وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية، حول ما طبع مسيرتنا من إيجابيات. وإنما نريدها وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية، حول ما طبع مسيرتنا من إيجابيات وسلبيات، للتوجه نحو المستقبل، بكل ثقة وعزم وتفاؤل. أنا لا تهمني الحصيلة والأرقام فقط، وإنما يهمني قبل كل شيء، التأثير المباشر والنوعي، لما تم تحقيقه من منجزات، في تحسين ظروف عيش جميع المواطنين. إجراء هذه الوقفة مع الذات، تعد ضرورية بالنسبة لخديمك الأول، الذي يتحمل أمانة أكثر من 35 مليون مغربي”.
وقد حدد الملك فلسفة مفهوم التقييم من خلال طرح الأسئلة التالية: هل اختياراتنا صائبة؟ وما هي الأمور التي يجب الإسراع بها، وتلك التي يجب تصحيحها؟ وما هي الأوراش والإصلاحات التي ينبغي إطلاقها؟ ثم راح يتساءل: “هل ما نراه من منجزات، ومن مظاهر التقدم، قد أثر بالشكل المطلوب والمباشر على ظروف عيش المغاربة؟ وهل المواطن المغربي، كيفما كان مستواه المادي والاجتماعي، وأينما كان، في القرية أو في المدينة، يشعر بتحسن ملموس في حياته اليومية، بفضل هذه الأوراش والإصلاحات؟.
والتقييم باعتباره من ضمن مقتضيات الحكامة الجيدة الرشيدة له غاية محددة ألا وهي البحث عن الفعالية والنجاعة: يقول الملك:”إننا بطرح هذه التساؤلات، إنما نبحث دائما عن الفعالية والنجاعة، وعن أفضل السبل، ليستفيد جميع المغاربة من مختلف المنجزات، على حد سواء”. لكن الملك يوجه تنبيها بيداغوجيا بالغ الاهمية ومفاده أن “التساؤل وإجراء هذه الوقفة مع الذات، لا يعني الشك أو التردد، أو عدم وضوح الرؤية. بل على العكس من ذلك، فطريقنا واضح، واختياراتنا مضبوطة. فنحن نعرف أنفسنا، ونعرف ماذا نريد، وإلى أين نسير”.
ومعلوم أن الملك سبق أن أوعز بالوقوف، سنة 2005، وقفة مع الذات، من خلال تقرير الخمسينية، لتقييم المنجزات، وتحديد الاختلالات، ومعرفة مستوى التطلعات، منذ بداية عهد الاستقلال، بهدف وضع سياسات عمومية أكثر نجاعة. واليوم، في الواقع، يجمع الخبراء والمهتمون، الوطنيون والدوليون، على أن المغرب عرف تقدما كبيرا في مختلف المجالات. فلا أحد يمكنه أن ينكر التطور الديمقراطي، الذي يجسده دستور 2011، ومنظومة الحقوق والحريات التي يتوفر عليه المغرب، والإقدام على ورش الجهوية المتقدمة. غير أن الأثر الملموس لهذه الإصلاحات وغيرها، يبقى رهينا بحسن تنزيلها، وبالنخب المؤهلة لتفعيلها. كما لا يمكن لأي أحد أن يتجاهل البنيات التحتية الكبرى، التي تم إنجازها، وعلى المستوى الاقتصادي، فقد عرفت نسبة النمو ارتفاعا ملحوظا، بفضل اعتماد مخططات قطاعية طموحة، كمخطط المغرب الأخضر، ومخطط الإقلاع الصناعي، كما لا يمكن تجاهل جوانب التقدم الذي نتجت عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
لكن، يبقى السؤال المطروح: ماذا فعلنا بما حققناه من تقدم؟ هل ساهم فقط في زيادة مستوى الاستهلاك، أم أننا وظفنا ذلك في تحقيق الرخاء المشترك لكل المغاربة؟ هل استفاد جميع المغاربة من الثروة؟ أم أنها همت بعض الفئات فقط؟ الجواب على هذه الأسئلة لا يتطلب، حسب الملك، تحليلا عميقا: “إذا كان المغرب قد عرف تطورا ملموسا، فإن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين. ذلك أنني ألاحظ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة”.
ومن هنا كانت الدعوة الملكية لإعادة النظر في النموذج التنموي السابق وإطلاق دينامية النقاش الوطني العمومي حول هذا الموضوع والذي تمخض عنه التقرير العام الذي تم الإعلان عنه قبل أسابيع قليلة ويجري حاليا العمل على تعميم مقترحاته وإخضاعها للقراءة والمراجعة من طرف مختلف ألوان الطيف المغربي قدما نحو تنزيلها والالتزام الجماعي بالعمل وفق إطارها الاستراتيجي والزمني تحت المراقبة اللصيقة من الملك من خلال آلية التتبع العليا تحت قيادته وتوجيهه.
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





