قصص «أمطار ظامئة»: إحالات للظمأ الأوسع

إيطاليا تلغراف

 

 

 

*جاسم عاصي

 

نص القصة القصيرة يُحيل بفعل نشاطه الموضوعي والفني إلى أن يتماس مع الواقع. غير أن هذا التماس تتباين خاصياته وفق تشكل المنتِج الفكري، الذي يُحدد طبيعة النظر إلى الظواهر. وهذا السياق بطبيعة الحال يشمل كل من كتب القصة أو الأقصوصة، إذ تبقى وجهة النظر محكومة بالرؤى واستعمال مكوّنات النص.

لعل القاص العراقي فاهم وارد العفريت من بين الذين تحكمهم وجهة النظر بقوة، لكنه تمكن من السير بالنص وفق مستلزمات مقنعة، مخففاً من إحاطة النص القصصي بقيود تُبعده عن كوّنه فناً وصياغة للظاهرة يتوجب مراعاة شروطها. وهذا بطبيعة الحال يحكم السيطرة على المشاعر أثناء الكتابة. نجد أن نصه يسعى للوصول إلى بلورة مركزة وقادرة على تقديم قناعة ممكنة لعلاقة النص بالواقع ضمن الشروط الفنية الخالصة. ستكون قراءتنا للنصوص منتظمة على استلال الأهم من الثيمات التي وسمت نصوصه الملتزمة في معالجة الظواهر.

العتبات

من عتبة النصوص القصصية، ندرك أي تناقض يُخفي مجاز العنوان، فالمطر بما يمنحه للطبيعة من إرواء نجده يعاني من الظمأ. بمعنى أعطى القاص لنصوصه عبر المجاز هذا خاصية ظمأ الظواهر والحالات مهما كان ضربها إلى الظمأ، ومن ثم إلى الجفاف، لكن المهم كيف عالج هذا عبر مجموعة قصص كانت على تماس مع ظواهر الواقع، وهذا ما يُعلن عنه القائل (إلى الذين يحوّلون الدموع إلى قلائد من الابتسامات، أُهدي هذه المشاعر التي نزفتها الأحاسيس بين لجج الفرح والمعاناة كشمعة أُخرى في ذلك الدرب الطويل). وواضح الانحياز في هذه العبارة، أما عتبات القصص فقد تباينت في طبيعة إشارتها وكشفها لمعاني المتون القصصية ومعظمها اعتمد الإنشاء والتركيب اللغوي بعيداً عن وظيفة العتبة التي تؤشر، ولا تُعلن عن المضامين وعلى الشكل التالي:

ـ ابتهالات في محراب الصمت /أحلام في وضح النهار /دموع ليست خرساء/قناص ماهر/ دموع بلون الدم) وغيرها، حيث لم تعتمد الإشارة والتلميح، بقدر ما وضعت المتلقي أمام ما سوف يتوفر في النص.
ـ (المعتوه/النبأ/ رائحة الأرض /همس الصدى/أمطار ظامئة) وفيها صياغات ذكية، اقتصرت على الإشارة التي تدفع للكشف عن المعاني.
إن الضعف في الصياغة للعنوان متأتية من جعله مختصراً للمحتوى.. وهذا صعب ليس في التوصيل، وإنما في بلاغته وتأثيره غير المباشر.

المعالجات

عالجت القصص هموم البسطاء والمسحوقين، من الذين وقع عليه مآل الخطأ الاجتماعي والسياسي في جعل الانحراف باتجاه قتل الصيرورة التي يتوجب أن تكون عليها حياة الناس، فالفقر ازداد، والغنى توزع على من لا يستحقه، ما أحدث شرخاً في الواقع الاجتماعي وبروز ظواهر لم يألفها البلد. عموما حصل تماس مباشر بين النصوص عموماً وطبيعة الواقع الاجتماعي. غير أن الأهم هنا هو الكيفية التي عولجت خلالها الظواهر. إذ نلاحظ توتر اللغة القصصية، وكثرة الإنشاء، وبروز انحياز السارد وتوتره. إن أُسلوب الخطابة يُنهي البناء الفني، لأنه لا يرسم طريق الفن الذي هو جوهر القصة القصيرة، فمعالجة الواقع لا توجب الابتعاد عن بنائه فنياً وإبداعياً، بل العكس يقربه من المقالة وما تقوله بشأن المرئيات. فالقصص أقرب إلى كتابات الخمسينيات منها إلى الحداثة، وتحقيق جماليات النص السردي. فجملة مثل (قرر الطفل أن يتخلى عن تلك الحياة ويقدمها قرباناً لهذه العاطفة) هذه الجملة خارج قدرة الطفل الرافض لحالة معينة. هذا من باب وعيه مقابل الصياغات اللغوية، كذلك الإنشاء الذي انطوت عليه الجمل بالتوتر الخطابي ذاته، والإنشاء الفائض عن حاجة السرد. غير أن مثل هذا الخلل البنيوي لا يُبعدنا عن العناية في بناء النص، كما هو في قصة «النبأ» التي اعتمدت على التقطيع والتسلسل في معالجة موضوعها.

قدم القاص عبر هذه القصة وثيقة لها تاريخ ولها وقائع.. ةكان اللعب الفني قد أغنى النص كثيراً، حيث أحدثت الضربات نوعاً من الإيقاع المنطقي المبني على مخيلة معتدلة الأطراف.
أما قصص (المعتوه،النبأ، بصمات لرماد يتكلم، ترنيمة اللغز الأخير) وغيرها، فقد اعتنى كثيراً ببنائها الفني، حيث نجد انعدام التفاصيل وتوتر اللغة. كذلك النظر إلى الظواهر بلغة محايدة مع انسيابية المسرود وتناغمه مع طبيعة الشخصية، وهذا يشمل اللغة القصصية، واختيار زوايا الواقع وتسليط الضوء باتجاهها.

القصة اجتهاد دائم، وهذا ما دعانا لأن نكون مع القاص أكثر صراحة، لاسيّما ما وجدناه في عدد كبير من النصوص المكتملة التكوين القصصي، بينما نرى في البعض الآخر حاجتها للمراجعة والتشذيب، لأننا نتعامل مع القصة كفن ليس غير. أما ما يلحق بهذا التكوين النصي، فهي الكيفية التي تتطلب تأنياً وصبراً في التحقيق. لا شك في أن القاص دؤوب في منجزه القصصي، وهذا ما أشارت إليه بعض القصص. فهي جميعاً دون تواريخ إنجاز، الشيء الوحيد الذي يمنحنا فرصة المقارنة.

*كاتب عراقي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...