*عبدالرحيم برديجي
عانت إسبانيا من تدخلات استعمارية متتالية من الفينيفيين الذين تبعهم القرطاجيون و جاء بعدهم اليونانيون،ليحتلهم بعد ذلك الرومان الذين وصل بهم الحال إلى جعل إسبانيا نسخة مصغرة لروما و طبقوا بها ما سمي برومنة إسبانيا (la Romanización de España )، حيث فرضت هوية روما من لغة و لبس و ثقافة و طرق تدريس و معمار …. عليها ، واندمج الإسبان في الخطة الجديدة لدرجة جعلت ثلاث إسبان يصلون لمنصب إمبراطور روما وهم ( تراخانو ، أدريانو ، تيوديسو) و إثنين يصلون لمنصب بابا الفاتيكان ( كاليكستو الثالث ، أليخاندرو السادس)، لتأتي مرحلة القوط التي انتهت بلجوء أبناء الملك المغدور ويتيزا( حفيدته سارة هي جدة المؤرخ الشهير أبو بكر بن عمر بن القوطية صاحب كتاب تاريخ افتتاح الأندلس) لحاكم سبتة خوليان الغافقي لمساعدتهم على طرد مغتصب حكم أبيهم رودريغو ، ليستعين بالمسلمين الذين عبروا وفتحوا الأندلس لهم بدل تنفيذ اتفاقهم مع حاكم سبتة . وبعد ما يقارب الثمان قرون في الأندلس خرج المسلمون لتحكم الملكة إيسابيل و الملك فيرناندو ليصيرو أول و آخر ملوك من أصل إسباني يحكمون إسبانيا إلى يومنا هذا.
لننتقل للتاريخ الحديث و نبين كيف تغير وضع اسبانيا من دولة مستعمرة ( بفتح الميم) لدولة مستعمرة ( بكسر الميم) ؟
و كيف هيأت الأجواء و الرأي العام لاستعمارها للصحراء المغربية ؟
و ماهي الخطوات التي نهجتها للتمكين لاستعمارها و تثبيته ؟
وكيف انتهى استعمارها تدريجيا ؟
وكيف حاولت أن تخرج ولا تخرج ؟ وبأن تبقي على أهمية دورها تحت غطاء أسطورة المسؤولية التاريخية المزعومة التي تطبقها على الصحراء المغربية فقط دون تطبيقها على شمال المغرب أو غينيا الإستوائية أو دول أمريكا اللاتينية؟
إن كان إكتشاف العالم الجديد هو مفتاح الاستعمار الاسباني بأمريكا اللاتينية ، فإن إتفاقية ألكاسوباس ALCAÇOVAS 1479 بين البرتغال و إسبانيا فتحت الباب لتتسرب هذه الأخيرة للصحراء، وهي المعاهدة التي جعلت البرتغال تنسحب جنوبا و تخلي مواقعها بالمغرب و تجعل أول نقطة نفوذ لها هي رأس بوجدور ، و تكتفي بجنوب هذه النقطة و تترك شمالها لاسبانيا التي طردها السلطان محمد الشيخ السعدي سنة 1524.
إلا أن الإهتمام البريطاني بالصحراء بدءا بجورج غلاس George GLASS 1768 الذي حاول إنشاء قاعدة تجارية في منطقة اخنيفيس وسماها بميناء هيلسبروغ Port Hilsbroug ، ليأتي بعده دافيدسون DAVIDSON 1836 , وبعده الكوهن COHEEN لمنطقة تزروالت ، و دونالد ماكنزي DONALD MACKENZY 1879 , الذي بنى القاعدة البحرية التي تعرف بكاسامار بطرفاية أو ماكان يعرف بكابو خوبي Cabo Juby .
هذا الإهتمام البريطاني الكبير بالمنطقة و الذي ساعدهم عليه آلِ بيروك و بما امتلكوه من:
سلطة سياسية ( الحماية و الإذن بالدخول التي وصلت حد سلطة التنسيق المباشر مع قنصل اسبانيا بموغادور دون استشارة السلطان) .
سلطة اجتماعية ( التنسيق مع العائلات التي تدين بالولاء أو بالنسب لتوفير الأمن و الأمان والحماية للتجار البريطانيَّيْن)
سلطة إقتصادية ( التبادل التجاري و توفير السلع من ريش نعام و جلود و عاج و معادن و سمك مجفف و ملح و سكر …..) خلق حالة من الإستنفار في إسبانيا (التي لم تكن تستطيع مجابهة بريطانيا عسكريا خصوصا بعد اندحارها أمامها في معركة ترافلغار البحرية Trafalgar 1806 ، وحروب التحرير في أمريكا اللاتينية التي أنهكتها ، ومعركة تطوان ، إضافة للصراع الداخلي حول السلطة و ضعف الملكة، وأزمات داخلية وصراع تيارات سياسية وعسكرية جعلت من إسبانيا دولة من ورق في تلك الفترة ولا أدل على ذلك أكثر من حصتها من التقسيم الاستعماري في كل من مؤتمرات مدريد 1880و برلين 1885 و الخزيرات 1906) خوفا من تمركز بريطانيا في الجهة المقابلة لجزر كانارياس و التي تعتبر من الصحراء المغربية عمقها الإقتصادي و الأمني ، خصوصا بعد تمركزها في جبل طارق .
بعد إزاحة المنافس البريطاني الذي اختار وجهات استعمارية أخرى ، توجهت إسبانيا عبر حملة الجنرال إيميليو بونيللي لساحل وادي الذهب رسميا سنة 1884 ، بل و تعاملت تجاريا مع أمير أدرار سيد أحمد ولد محمد ولد عيدة ( وهو الذي كان يعينه سلطان المغرب إضافة إلى أمير الترارزة ) وحاولت إسبانيا تسميته سلطان أدرار في وثائقها الرسمية لتوحي باستقلاليته عن سلطة سلطان المغرب ، ووقعت معه اتفاقية حماية ضربها بعرض الحائط التدخل الفرنسي سنة 1906 بمنطقة كيفة لتصير موريتانيا مستعمرة فرنسية .
لكن قبل حملة بونيللي وجهت إسبانيا مجموعة من الجواسيس في صفة رحالة و مغامرين للتراب المغربي ، و كانت مهمتهم التموقع في المجتمع و رسم الخرائط و القيام بدراسات اجتماعية و اقتصادية لتهيئة المعلومات و الذرائع للتدخل الاستعماري و لعل أبرزهم دومينغو باديا إ ليبليتش Domingo Badía y leblich الذي عرف في المغرب بعلي باي أو علي باي العباسي ، و خواكين غاتل إ فولش Joaquín Gatell Y Folch الذي لقب بالقايد سماعيل ( صاحب كتاب رحلة في ربوع المغرب Viajes por Marruecos الذي ترجمه المرحوم محمد العربي المساري ، ) ، و خوسي ماريا دي مورگا José María de Murga الملقب بالحاج محمد البغدادي.
حاولت اسبانيا تهيئة مناخها العام داخليا لتقبل فكرة التدخل في الصحراء خصوصا مع وجود الإطار القانوني المتمثل في البند الثامن من اتفاقية وادراس لسنة 1860 التي وقعها المغرب بعد هزيمته في معركة تطاوين ، والذي يعطي لإسبانيا الحق في البحث عن مكان القاعدة البحرية المسماة سانتا كروز دي مار بيكينا ( التي كان قد دمرها محمد الشيخ السعدي 1524 )و بناء قاعدة مكانها ، وهو ما أعطاها حرية اختيار اي مكان تريد و تقول بأنه نفس مكان القاعدة للتمركز في الصحراء.
بدأت إسبانيا في التمركز و بسط النفوذ ببناء قواعد تجارية و إشراك الساكنة المحلية في التجارة و اعمال البناء و دمجهم في الشرطة والجيش النظاميين و استقطبت الساكنة المحلية بسياسة حارب الجائع بالتخمة ، خصوصا في منطقة تنذر فيها الموارد إضافة لظروف الطقس الحار الصحراوي وانعدام البدائل الاقتصادية للمعيشة و شروط الإستقرار من ماء و فلاحة، والتي جعلت الى غاية دخول الاستعمار الاسباني مجتمع الصحراء مجتمع رحل .
إلا أن متغيرات الوضع العام و الوعي السياسي و بروز مقاومة فرضت على إسبانيا تغيير أدوات اللعبة ، فقسمت مناطق النفوذ لمنطقتين ، أولهما الصحراء الإسبانية التي تمتد جنوبا من الحدود الموريتانية( مناطق النفوذ الفرنسية) إلى واد الساگية شمالا ، والمنطقة الثانية سمتها منطقة الحماية و تشمل كلا من طرفاية و طنطان و سيدي إيفني .الذين تنازلت عنهم تباعا سنة 1958 ، و 1969.
سنة 1960 حدث على الساحة الدولية متغير فرض على إسبانيا تغيير التكتيك للاستمرار في المنطقة وهو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 الذي يعطي للشعوب الحق في تقرير المصير ، وهو ما جعل المغرب يطالب بحقه التاريخي في الصحراء كخطوة أولى لاستقلال صحراءه من إسبانيا، فكان دفاع اسبانيا يرتكز على أنه وجدها أرضا خلاءا Tierras NULIUS ، لكن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2229 لسنة 1966 أكد أن الصحراء لم تكن أرضا خلاءا ، و بأن هناك نظام قبلي محكم يسير الشؤون الاجتماعية و الإقتصادية ، مما جعل إسبانيا تغير الاستراتيجية لتركب على القرار الأممي و تؤسس الجماعة الصحراوية سنة 1967 ، برئاسة صيلة ولد عبيدة و بعده خطري ول سعيد ول الجماني ، و تقول بأنها تدخلت في الصحراء بناءا على طلب النظام القبلي الذي قالت عنه الامم المتحدة بأنه يسير الأمور الاجتماعية والاقتصادية ( تماما كما حاولت ان تفعل مع سيد احمد العيدة أمير أدرار في موريتانيا).
وقد نجحت إلى حد ما في الفترة التي استعملت فيها الجماعة الصحراوية لإضفاء الشرعية على المشروع الاسباني ،وفي سنة 1974 كثفت من برامجها كي تتمسك بالبقاء عبر قانون الجنسية ، و تأسيس الحزب الوطني الصحراوي PUNS بزعامة خليهنا ولد الرشيد ( الطريفي الأمر هو ان اسبانيا أسست الحزب فيما كانت تعتبرها أرضا إسبانية في الوقت الذي كان الدستور الإسباني يمنع تأسيس الأحزاب) ، وقدمت كبرنامج لأقناع الساكنة بإختيار البقاء تحت السيادة الاسبانية مشروع الحكم الذاتي ، الذي تم رفضه في مؤتمر عين بنتيلي ، لكن مبايعة رئيس الجماعة الصحراوية و رئيس البونس للملك الحسن الثاني حطمت البيت الزجاجي الذي بنت عليه إسبانيا كل مشروعها وهو بأنها في المنطقة بناءا على طلب القبائل التي تمثل الساكنة.
ما سمي في أدبيات الإسبان بالخروج المهين من الصحراء و بالهروب ترك غصة في حلقهم إلى اليوم ، ويظهرونه مع كل أزمة، و هو ما جعلها تخرج ورقة المسؤولية التاريخية لإسبانيا عن الصحراويين ( الذين تسميهم في كل وثائق الفترة الإستعمارية بالساكنة La Población وبعد خروجها غيرت المصطلح ليصير ( الشعب )El Pueblo للضغط على المغرب فقط ، بل و أصبح الصحراويون في نظرهم هم من ينتمون للجبهة الإنفصالية المعروفة بالبوليساريو POLISARIO والتي لا تعني إختصارا غير الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ، والتي تأسست أصلا لطرد الإسبان من الصحراء وتسميتها تدل على ذلك .
استمرت جهات إسبانية في رش الملح على الجرح تارة للضغط على المغرب و تارة للإبتزاز حين يقترب وقت تجديد إتفاقيات الصيد البحري أو الإتفاقيات الفلاحية ، أو في الإنتخابات من طرف أحزاب الشعارات التي تعود لزمن الحرب الباردة وبالخصوص الشيوعيين من حزب اليسار الموحد لحزب بوديموس لأحزاب اليمين المتطرف الذين يروا في استقرار المغرب و نهاية مشكل الصحراء بداية لمشاكلهم مع جار قد يطالب بمناطقه الشمالية المستعمرة . بل صارت إسبانيا تظن نفسها وصيا على قضية الصحراء بدل مجلس الأمن ، و تنتقد كل من يريد تغيير الوضع القائم , كما حصل مع الولايات المتحدة مؤخرا.
هل كان على المغرب أن يحرك بعض الأوراق الكثيرة التي يمتلكها والتي قد تضر بمصالح إسبانيا و مصالح غرف تجارتها و صيدها و خدماتها و فلاحتها المستفيدين اقتصاديا من المغرب ، بل و بأمنها لكي تفهم بأن العلاقات إما أن تكون جيدة أو عكس ذلك و باستحالة وجود مكان بين العداء والصداقة ، و بأن على الباغي تدور الدوائر ؟
*باحث في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية





