*أحمد براو
موضوع الإسلام في أوروبا أو الإسلام الأوروبي كما يحلو للبعض تسميته، هو مبحث ليس بالجديد بل قُتل ونُكّل به استقصاءا وتحقيقا وبحثا من نواحي عدة، تصدى لها مختصون وفاعلون مستشرقون و مفكرون عرب ومسلمون وغيرهم، كما وقد أحيط بهالة إعلامية وفقاعات إخبارية عبر محطات تلفزيونية غاية في الإثارة والتفاهة في أغلب الأحيان وكذلك عبر منصات علمية، ولقاءات أكاديمية بغرض التوصل لكُنْهِ الموضوع المفصلي البالغ التعقيد حسب تاريخ وجغرافية واجتماع وسياسة وعلاقات دولية عامة وخاصة.
كما لوحظ في الآونة الأخيرة التركيز على البحث السوسيولوجي والأمني-الإستخباراتي والسياسي والحقوقي وحتى في مواضيع الهجرة والإدماج السوسيوثقافي، والحوار بين أهل الأديان.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح الإسلام والمسلمون عنصرًا مهمًا في الخطاب العام, حيث اختلطوا بقضايا أخرى مثل الهجرة وحرية تنقل العمال داخل الاتحاد الأوروبي، في سياق أكثر تعقيدًا بسبب أزمة اللاجئين.
اندماج هذه المواضيع الثلاثة في سؤال واحد كبير هو أحد العناصر التي تفسر نمو الحركات القومية الشعبوية، والتفوق والإستعلاء للرجل الأبيض الغربي ذو الجذور المسيح-يهودية.
من الواضح أن الهجمات التي نُفِّذت باسم الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تتبنى العنف والعمل المسلح والتفجيرات والتخويف في العقد الأخير كانت وراء هذه التطورات، لكن وسائل الإعلام والجمهور لديهم قصور الذاكرة ويبدو أنهم نسوا أن الهجمات الإرهابية في السبعينيات والثمانينيات وحتى بداية التسعينات لم تكن مرتبطة بالإسلام والمسلمين بل كان المجاهدون الأفغان مثلا يحضوْن بالإحترام والدعم والإعجاب لدحرهم الإتحاد السوفيتي المحتل، فيما كانت في أوروبا خصوصا بريطانيا وإيرلندا الشمالية وإيطاليا سنوات الرصاص، وكذلك أمريكا الشمالية كتفجير مانهاتان الشهير، فكانت هذه الهجمات أكثر عددًا نسبيًا من الموجة الأخيرة.
وأضحى الإسلام والمسلمون مادة البروباغاندا اليمينية المتطرفة، وصناعة التهديد للمتاجرة السياسية فالمهاجرون يعتبرون تهديد للوظائف ومستوى معيشة الأورربي، والمسلمون تهديد للحضارة الغربية وقيمها، والسود تهديد لهيمنة الرجل الأبيض، والفيروس تهديد للإقتصاد والعولمة قبل البشر وصحتهم، والإرهاب تهديد للدولة الوطنية والإستقرار، والفقراء تهديد للنمو الإقتصادي… إلخ، هكذا يعيش الإنسان المعاصر في تفزيع وتخويف مستمر ليبقى الحال كما هو عليه، حين يتم إلقاء اللوم على الأقليات، والفقراء، والعمال المهاجرين، والإسلام والمسلمين.
– مقومات الإسلام الإيطالي
حسب عالم الإجتماع الإيطالي الدكتور ستيفانو ألييفي يعتبر الإسلام في إيطاليا أو الإسلام الإيطالي ذا خصوصية لأن أول المسلمين المهاجرين القادمين لإيطاليا في سبعينات القرن الماضي كان جلهم طلبة استقروا بالجامعات الكبرى في شمال ووسط إيطاليا وبدأت هنالك النواة الأولى لتكوين جالية مسلمة متعلمة ومتكونة على أعلى مستوى، فيما لازالت في ذلك الوقت تعتبر إيطاليا دولة مصدِّرة وليست مستقبلية للأفواج المهاجرة، وحتى الشركات الكبرى بدأت في تسريح العمال أواسط السبعينات وبداية الثمانينات وبعد ذلك توالت موجات الهجرة لإيطاليا من شمال إفريقيا وخصوصا المغاربين والأفارقة والألبان وعرفت نهاية الثمانينات أول تسوية أوضاع المهاجرين فيما يعرف بقانون مارتيللي، كما عرفت بداية التسعينات تأسيس اتحاد الهيئات والمنظمات الإسلامية “أوكوي” التي حملت على عاتقها تكوين وتسيير عدد كبير من المراكز والجمعيات الإسلامية والمساجد والمدارس. فيما اختصت إيطاليا بتواجد المسلمين في مناطق متفرقة وليس بتجمعات على غرار بلجيكا وفرنسا عندما تكونت عندهم هناك تجمعات “غيتّو” في هوامش المدن banlieue.
أما في إيطاليا فعرف الإندماج الإجتماعي والثقافي للمهاجرين المسلمين سهولة وسلاسة بحكم اختلاطهم مع الإيطاليين في العمل والتجارة والسكن والخدمات، كما أنهم يمتازون بتعدد ثقافي بيني، فتجد في المركز أو المسجد و المجتمع الجماعي الواحد عدد من الإثنيات والمذهبيات والمصدر الجغرافي واللغوي فجعل من هذا الخليط المهم ميزة تساعد في التفاعل َوالإنخراط، وعامل إيجابي لكسب إدماج مجتمعي متعدد للجالية المسلمة بطريقة تساعد على الوساطة البين-ثقافية لتحقيق بلد متعدد الإثنيات والديانات والثقافات.
كل هذه الخصوصيات للمسلمين والإسلام في إيطاليا جعلتهم يتميزون بحسن العلاقة مع السلطات ويستفيدون كذلك من الحريات والحقوق المكفولة في الدستور الإيطالي التي تُحقق لهم نوعا من الممارسات الدينية على الرغم من افتقادهم للحقوق القانونية كحق بناء دور العبادة والمدارس الدينية واللغوية والمقابر والمجازر الإسلامية وغيرها من الحقوق المكفولة لغيرهم من الأقليات بالرغم من أن الإسلام يعتبر ثاني ديانة من حيث العدد.
– مسلمو إيطاليا في مربط الفرس
لاشك أن العامل البشري هو الذي يحدد المعايير للحكم على أوضاع الأقلية المسلمة، والمسلمون في إيطاليا وفي الغرب بصفة عامة في دوامة بحكم عدم استيعابهم للحقيقة التي ينبني عليها تعاملهم مع الدين وتعاملهم مع غيرهم في البلد المضيف ومجتمع الإقامة وفي فهمهم السطحي للتعاليم الإسلامية ومدى تجاوبهم مع النصوص، وافتقادهم للتوجيه بحكم أن أغلب الدعاة والأئمة والمرشدين ورؤساء الجمعيات والمراكز يفتقدون لتأهيل وتكوين علمي يجمع بين أصول الدين وثوابته والواقع الذي يعيشون ويتفاعلون معه. بل فقط استطاعوا أن ينالوا ما نالوه من المراتب والمناصب فقط بتراكم التجربة وقلة البدائل وكثرة الإرتجالية، كما استفحل الأمر عند تفشي المشاحنات واختلاف الآراء والخصومات التي جعلت من العمل الإسلامي بإيطاليا يتأرجح بين المشاكل الداخلية في المركز الواحد والمسجد الواحد َوبين ممثلي هذه المراكز والجمعيات فيما بينهم بادعاء أحقية التمثيل في المؤسسات الرسمية والحكومة والهيئات والحوار مع الأديان الأخرى وهو ما أخَّر مسألة الإعتراف بالدين الإسلامي زد على ذلك نمو ظاهرة الإسلاموفوبيا أو رهاب الإسلام وصعود اليمين المتطرف من الشعبويين ودعاة القومية الذين يوهمون الشعب الإيطالي بمقولة الغزو الثقافي الإسلامي “المتطرف، الظلامي المتحجر” ، الذي يريد طمس ومحو الهوية الغربية وإحلالها بقوانين الشريعة الإسلامية، وهو ما عرقل كل المجهودات المبذولة وعمم المسلمين في كتلة واحدة على الرغم من أن هناك تنوع فعلي بائن وواضح، حسب “ألييفي” ممكن أن نقسمه إلى ثلاثة أقسام:
أولا، التقليديون الذين يمارسون دينهم وثقافتهم كما لو أنهم لازالوا يعيشون في بلدانهم الأصلية و أغلب غالبيتهم يؤمنون أنهم سيعودون يوما ما مهما طال بهم الأمد، وأن هذه المرحلة هي فقط للعمل والدخل المادي لكي يستثمروه في مشاريعهم التي يحلُمون تحقيقها لأنفسهم وأبنائهم ومن يعولون، لكنهم في الأخير اصطدموا بواقع حتمية البقاء والإقامة الدائمة لاسيما بعد تجمع عائلاتهم وحصول أبنائهم على تعليم وتربية ثقافية واجتماعية مختلفة عما كان عليه الآباء، ما جعل هذا الفصام الجيْلي ظاهرة تستحق البحث والتحري السوسيولوجي.
النوع الثاني، هو ذلك النوع الذي تطبّع مباشرة بطباع الغرب وأصبح منسلخا عن أصله، ولم يُبقِ له علاقة بأي شيء يثبت به على دينه وثقافته، وأخذ كل ما عايشه وتأثر به في مجتمع الإقامة جملة واحدة، وترك تعاليم وأوامر ونواهي الإسلام وأغلب هؤلاء لهم زواج مختلط وقطعوا أي علاقة أو اتصال مع أبناء بلدهم الذين يعاشرونهم ولا يقبلون أن يُنعتوا بأصولهم، وحتى مع بلدهم الأم إلا في بعض الأحيان للسفر والإستجمام والزيارات الخاطفة.
ثم النوع الثالث، وهو ما يعرف بجيل الصحوة الإسلامية وتحكيم الدين في جميع مناحي الحياة وهو الذي تأثر كثيرا بالإسلام الحركي، أو ما يطلق عليه الإسلام السياسي، ويحاول أن يجعل من التدين أساس لكل معاملة ومعاشرة ويعمل بجد في ميدان الدعوة والنصيحة والتنظير والتأطير لأفراد الجالية المسلمة كما يعمل على خلق علاقات عامة مع المؤسسات والهيئات والمسؤولين الإداريين الإيطاليين لإثبات الذات والحصول على ما تيسر من حقوق للمسلمين للتخفيف من حدة العداء والتمييز، وكذلك لإثبات أن الإسلام يتماهى ولا يتعارض مع الحضارة والحداثة الغربية في مجالات الحرية والديمقراطية واحترام التعددية وغير ذلك من القيم التي هي من صميم الدين الإسلامي..
مبادرات تستحق التشجيع
حتى الآن، تمت الموافقة على 12 اتفاقية بموجب القانون، وفقًا للمادة 8 من الدستور، مع الطوائف الدينية الموجودة في الأراضي الإيطالية، والتي بدأت في 1984 حتى آخر اتفاقية في عام 2015. مع المعهد البوذي الإيطالي. ومع وجود حوالي مليوني مسلم في شبه الجزيرة (مع وصول الأوائل بالفعل في السبعينيات) ، يظل الإسلام الديانة الثانية لإيطاليا، لكن حتى الآن لم يحصل على الإتفاقية كما هو مطلوب بموجب الميثاق الدستوري. بعد سلسلة كاملة من الإخفاقات في الحوار بين المؤسسات الإيطالية والجمعيات الإسلامية الموجودة في البلاد، والتي كانت تهدف بشكل مباشر إلى الحصول على الاتفاقية اللازمة بين الدولة والثمثيلية الدينية للإسلام والمسلمين ولذلك كان هدف العاملين في الحقل الإسلامي هو حصول ذلك التحول التاريخي والاستراتيجي الحقيقي للإندماج في عالم الحقوق والحريات، عبر اقتراح مواد فاعلة، كتوقيع أكثر من اتفاقية بدل الواحدة، وهذا التغيير الحقيقي هو الوحيد القادر على تحقيق هدف الإعتراف بالإسلام والاتفاق مع الدولة، “Intesa”.
وقد انطلقت عدة مبادرات تكللت جلها بانعدام الشجاعة الكافية سواء من الحكومات المتعاقبة أو الجمعيات الممثلة للمسلمين بسبب عوامل سياسية أكثر منها تقنية أو بيروقراطية، ولذلك تدخل بعض الأساتذة الأكاديميين في عدد من الجامعات لبث روح المبادرة، ولعل أبرزها هو فضاء بريماد الذي أخذ على عاتقه التكوين والتأهيل لثلة من الأئمة والمرشدات اختيروا على أعلى مستوى لوضع لبنة أولى بإحداث أول لائحة معترف بها للأئمة والمسؤولين الدينيين المسلمين من طرف وزارة الداخلية، هؤلاء الأئمة الذين تحصلوا على تأطير وتكوين جامعي عالي فيما يخص القوانين والنظم المؤسِّسة للعمل الديني خصوصا في المؤسسات الرسمية كالمدارس والمستشفيات والسجون.. وكذلك لتاطير المؤمنين بالدين الإسلامي في إيطاليا بما لا يتعارض مع القوانين والدكتور الإيطالي، وقد يتطلب هذا الهدف مساهمة الجميع، جالية مسلمة وممثليها، وهذه الدولة بدءًا من أعلى المستويات المؤسسية، ويمكنهم التحدث بلغة تتجاوز حدودها وتؤثر على أوروبا ككل، وتمس أبعاد إدماج المسلمين بصفة نهائية، وبث روح الحوار بين الأديان ودوره في عصر التعدديات والعولمة.
*فاعل جمعوي باحث في علوم التربية والثقافة والمجتمع بجامعة كالابريا





