سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (41)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.

1- المفهوم الجديد للسلطة (تتمة)

تقارير مؤسسات الحكامة الجيدة والحاجة لمعالجة شبهة الانتقائية:

لنبدأ بالتنويه والتنبيه إلى ثلاثة محرمات ينبغي لهذه الأجهزة أن تتفادى الوقوع فيها وفقا لما استقرت عليه المعايير الدولية والممارسات الفضلى:

المحرم الأول: “كلاب هجوم”: أي ألا تتحول من دور “كلاب الحراسة” إلى دور “كلاب الهجوم”، بمعنى أدوات وظيفية في تكتيكات الهجوم الشرس على الخصوم…وبدلا من ذلك أن تهيأ لها الظروف والإمكانيات لتلعب دورها الدستوري الاستشاري بما فيه “الاعتراض الناعم” المتوافق على مصداقيته، بعض الفقهاء الدستوريين ذهبوا بعيدا وتحدثوا عن سلط مضادة…. ولكن لا أوافقهم الرأي. فهذا مبالغ فيه على الأقل في سياق “توازن السلط والمراقبة المتبادلة” على الطريقة المغربية…

المحرم الثاني: “نمور من ورق”: وهذا التحذير موجه لأجهزة محددة ذات صلاحيات تقريرية كمجلس المنافسة وهيئة النزاهة (مكافحة الفساد) والمجلس الأعلى للحسابات، أي ألا تعطي الانطباع بكونها تكتفي بالتفرج أو بالتسجيل…. أو أنها تشتغل بمنطق الانتظار والتسويف…

المحرم الثالث: “معامل لطبع الأوراق”: هذه تعمل وتنتج وتقدم تقارير وجداول وأرقام ورسومات بيانية بأرفع تقنيات الاستعراض المكتوب والمسموع والمرئي. أي في كلمة تعطي الانطباع بأنها تشتغل “سكر زيادة”. غير أنها في الواقع العملي لا أثر لها ولا مفعول، سوى مفعول استهلاك الموارد المادية والمالية والبشرية والزمنية. وقد ندد بها ضمنيا الخطاب الملكي سنة 2014.

بخصوص “الانتقائية” يمكن أن نضيف إلى الانتقائية استطرادا ، التقادم، والتضخم، والنخبوية الطاغية التي تحد من تواصل هذه الأجهزة مع الجمهور إلخ، طبعا لست هنا بصدد توجيه هذه التوصيفات لتقارير هذه الأجهزة هكذا جزافا، هذه مجرد فرضيات لكن مشروعة، ولكن المقصود أن توصيف “الانتقائية” يحمل مدلولين متناقضين، سلبي وإيجابي، وبقدر اشتغال هذه المؤسسات وفق المعايير المتعارف عليها من حيث الحكامة الداخلية والالتزام المثمر والناجع إزاء الأطراف صاحبة الشأن والمواطنين، وبقدر تبنيها قولا وفعلا لمعايير الشفافية والمسؤولية والمهنية بقدرما تكون هذه المؤسسات تعطي الانطباع أنها تتجه نحو البعد السلبي أو نحو البعد الإيجابي للانتقائية.

ينبغي في هذا الصدد أن نكون موضوعيين وأن نتبنى مقاربة متوازنة ومنصفة أي أن نلتفت للإكراهات التي تشتغل في ظلها هذه الأجهزة وأن ننتبه إلى التمايزات في آليات العمل وحدود الاختصاص وفيما بين الإمكانيات الحقيقية (تركيبتها ومختلف أنواع مواردها كميا وخصوصا نوعيا) والإنجازات الحقيقية والمحتملة. ثم لا نتغافل عن حداثة التجربة …
ثانيا هذه الأجهزة تشتغل في سياق معادلات سياسية (حذر الحكومة أو غموض موقفها) ومحددات دستورية وأعراف إدارية وأنماط سلوك ثقافي، فضلا عن التحدي الأكبر ألا وهو تماسك الجبهة المضادة للإصلاح (بخصوص هذه الملاحظة الأخيرة فرئيس مجلس المنافسة الأسبق، هو نفسه أومأ إلى ذلك على ضوء تفاعلات ظاهرة “المقاطعة” لبعض الاسلع والمنتوجات الاستهلاكية، كما سبق لرئيس مجلس الحسابات أن تحدث صراحة عن صعوبة الحصول على المعلومات، فهذه كلها عناصر تساعد في مقاربة هذه المشكلة مقاربة متوازنة ومنصفة…

أما في المعايير الدولية فهذه الأجهزة تتميز بخاصية الاستقلال الذي هو رأسمالها الرمزي الحصين لكن هذا الاستقلال تقابله -سواء بسواء- الشفافية والخضوع للمحاسبة فهذا المبدأ الأخير من النظام العام لا يستثني أحدا بما فيها هذه الأجهزة، ومسؤوليها وفق صريح الخطاب الملكي، والتقارير السنوية يفترض فيها أن تتضمن جزأين جزأ حول خلاصات وتوصيات التقارير والدراسات المنصبة على السياسات العمومية يشكل أساسا لمساءلة هذه الأخيرة ولكن هناك جزء ثان نادرا ما يتم الاهتمام به من طرف الباحثين والإعلاميين وهو الجزء المتعلق بكيفية تدبير شؤون هذه الأجهزة الداخلية ومدى تحقيقها للأهداف التي سطرتها بالمقارنة مع الموارد التي استهلكتها، هذا الجزء هو الذي يقدم حساب هذه الأجهزة ويجعلها تحت مجهر المحاسبة من طرف من فوضها وهو الملك ومن ورائه الرأي العام، ولذلك يجب أن تلتزم هذه الأجهزة بمعايير الشفافية التي تقتضي الإفراج على توجهاتها الاستراتيجية وخطتها التنفيذية وأهدافها المتوقعة مع مقارنتها بأهدافها المحققة، ومن المفترض أن توضح أثر ما قامت به من أعمال وما أنجزته من تقارير، ويحتفظ البرلمان- رغم أنها مستقلة عنه- بحق النظر في هذه الأعمال بمناسبة مناقشة ميزانياتها السنوية والمصادقة عليها.

تقارير مؤسسات الحكامة الجيدة والبحث عن نموذج تنموي جديد

إذا ضربنا مثلا بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي فقد سبق له أن أنجز دراسة تقييمية هامة حول النموذج التنموي تحت عنوان “قياس الثروة الاجمالية”: 1999-2013 على ضوء الخطاب الملكي المفصلي بمناسبة عيد العرش لسنة 2014، خلص إلى تسجيل تحسن في الثروة الإجمالية للمغرب، بفضل السياسات القطاعية المعتمدة والأوراش الكبرى المتعلقة بالبنيات التحتية (ميناء طنجة المتوسط، شبكة الطرق السيارة والشبكة الملاحية…) وكذا بفضل سياسة دعم القدرة الشرائية للمواطنين. غير أنّه رغم هذا التقدم المحصل عليه، يستدرك المجلس أنه لا تزال هناك العديد من التحديات التي يتعين رفعها، ولا سيما ما يتعلق بالبطالة في صفوف الشباب، والفوارق الاجتماعية والجهوية، والثقة. واقترح رافعات سّبع لزيادة الثروة الإجمالية للمغرب، مع بلورة عدد من التوصيات الهادفة لأجرأتها؛ مشفوعة بلوحة قيادة استراتيجية تتكون من خمسين مؤشرا تبعًا للمحاور السبعة التالية: التنمية البشرية، التماسك الاجتماعي، نجاعة المؤسّسات والحكامة المسؤولة، التنوع الثقافي والدينامية الثقافية، الدينامية الاقتصادية، البيئة، الإشعاع الدولي للمغرب. وخلص إلى الدعوة إلى “هيكلة محتوى السياسات العمومية حول عوامل تحدد الرّفاه والثروة والإنْصاف والتماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة، وكذا التمكين من وضع تحديد مشترك للأولويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية الكبرى لبلادنا”. ثم توج تقريره باقتراح إطلاق نقاش واسع قصد تدقيق معالم لوحة القيادة الاستراتيجية، وتحديد أهداف طموح «الصعود المجتمعي» للمملكة”. أليس من حقنا أن نحول السؤال إلى مسؤولي المجلس المذكور وإلى المخاطبين به، حول مآل هذا المشروع؟ فبلادنا، خصوصا في الظروف الحالية، ما أحوجها لوضعه فوق سكة التنفيذ السريع والفعال من أجل اختبار وجاهته ومدى توفره على عناصر الرسوخ والاستدامة. ونفس السؤال يمكن توجيهه للأجهزة الأخرى، فمجلس المنافسة مطالب بالإجابة على سؤال ماذا حقق خلال الأربع سنوات الأخيرة ولماذا هو جامد؟ وكيف يبرر نفقات مسؤوليه وموظفيه؟ … ونفس الوضع ينطبق تماما على وضع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها… والمجلس الأعلى للحسابات بدوره مطالب بالجواب الشفاف والدقيق على سؤال ما الذي حققته تقاريره ومساءلاته من قيمة مضافة للرد على الأصوات المشككة في فعالية دوره أو في توازن تدخلاته ، وما هو حجم الأموال التي تم اقتصادها من ملاحظاته التدبيرية أو تم تحصيلها من أحكامه القضائية…. بل يجب أن يعطي القدوة والمثال باعتباره يعطي للآخرين دروسا في الحكامة من خلال تقديمه للحساب على حسن الأداء وعلى رشد حكامته الداخلية….

كل هذه الأمور تخضع لمعايير قياس أداء الأجهزة الدستورية المستقلة، متعارف عليها دوليا، وتكون موضوع دراسة تقييمية وتنشر على العموم في إطار احترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أي أن تتجاوز تلك التقارير مجرد كونها تقارير سردية للأعمال إلى تقارير تقييمية للأداء ومدى تحقيق الأهداف التي تكون محددة سلفا ويطلع عليها العموم، مع تفسير الفوارق من سنة لأخرى. والتقييم يكون مستقلا ومهنيا.

لكن، مع ذلك ينبغي الإقرار أن التوجيهات الملكية بدأت تأخذ طريقها للتجسيد العملي فيما يخص الحكامة الإدارية وتصحيح العلاقة بين الإدارة والمواطنين في سياق المفهوم الجديد للسلطة، من خلال الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة 2018-2021، ومن خلال المصادقة على ميثاق حكامة المرافق العمومية في سنة 2020 (مجلس النواب) و2021 (مجلس المستشارين) وقد تضمنت الخطة الوطنية :

أربع تحولات هيكلية
وأربع دعامات أساسية
و24 مشروعا أساسيا
و4 آليات تنفيذية

وقد استندت هذه الخطة العملانية إلى التوجيهات المضمنة في الخطاب الملكي لسنة 2016 حول الإصلاح الإداري، وكذا الرسالة التي وجهها إلى الملتقى الوطني للوظيفة العمومية العليا المنعقد بالصخيرات بتاريخ 27 فبراير 2018 … لكن لننتظر ونر ما سيلمسه المواطن والمستثمر في الميدان من الخطة ومن الميثاق قبل أن نحكم على قيمتهما وفائدتهما…

(يتبع)
ابتداء من الحلقة المقبلة نشرع في دارسة ومناقشة مبدأ أسال مدادا كثيرا وهو مبدأ المساءلة والمعروف في المعجم المغربي تحت مسمى “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، حسبما جاء في المنظور الملكي وذلك على المستويين المعياري والعملاني.

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...