سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (44)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.

2 – مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
تكريس الشفافية والمساءلة في تدبير الشأن العام عن طريق تطوير فعالية المجلس الأعلى للحسابات ومكافحة الفساد
لا يمكن فهم اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات بعمق، تمهيدا لتحليلها وتقييمها، بدون الانتباه من زاوية شمولية بنيوية، إلى وعائها وخصائصها العامة، والتي تتلخص في مهمته الرسالية البالغة الأهمية، وفي ازدواجية طابعه التنظيمي وتنوع اختصاصاته وتداخلها واتساعها:

المهمة الرسالية: لا تنفصل المبادئ والقواعد والمفاهيم التنظيمية والتسييرية والوظيفية والقانونية والمسطرية لاختصاصات المجلس الأعلى للحسابات عن الانشغال الرسالي الأساسي لهذا المجلس، ألا وهو الرقابة العليا المستقلة والفعالة على المال العام، من أجل ترسيخ الشفافية والمحاسبة وحكم القانون في دواليب الدولة والمرافق العمومية، خدمة للحكامة الرشيدة والنزاهة في تدبير الشأن العام والمال العام، باعتباره جهازا أعلى للرقابة والمحاسبة وفق الاصطلاح المتعارف عليه عالميا، وبحسبانه عمادا من أعمدة النظام الوطني للنزاهة وأساسا من أسس البنية التحتية الأخلاقية للدولة؛

ومن هنا فإن الغرض من خلق المجلس الأعلى للحسابات هو المساعدة، من موقع موضوعي ومحايد، في المحافظة على استقرار النظام العام المالي للقطاعات الإدارية والمالية العامة، وعلى سلامة ما يرتبط به من قواعد قانونية وضوابط تنظيمية وإدارية، وهو ما يشكل جزء لا يتجزأ من استقرار وطمأنينة الفرد والمجتمع لقاء وفاقا للمساهمات الضريبية والمالية المؤداة للدولة ومشتقاتها. وسلاحه في ذلك غطاؤه الشكلي الموزع بين الطابع القضائي والطابع غير القضائي، واندماج وتوسع وظائفه واختصاصاته.

ازدواجية الطابع وتنوع الاختصاصات وتداخلها واتساعها : بداية ينبغي القول إن المجلس الأعلى للحسابات يكتسي طابعين مندمجين، قضائي وغير قضائي، مع أرجحية للطابع القضائي الذي يتجلى على مستوى تنظيمه الثنائي التركيبة المكون من قضاء جالس وقضاء واقف، ومن هيئات جماعية تداولية جلها قضائي، وعلى مستوى تشكيلته المؤلفة من أعضاء فنيين مختصين في المراقبة والمحاسبة، يتوفرون على الصفة القضائية، لكنهم منتظمون في إطار هيئة خاصة هي هيئة قضاة المحاكم المالية، المنفصلة عن هيئة رجال القضاء، وعلى مستوى الاختصاصات والمساطر فإن جزءا هاما منها يكتسي صبغة قضائية. أما خصوصية التنظيم القضائي فتتمثل في وجود مجلس قضائي مالي خاص ومتخصص ليس مدنيا وليس جنائيا، ولا يتبع لهرمية النظام القضائي المتعارف عليه ،ولا سلطة لوزير العدل على نيابته العامة، ويعبر اللبوس التنظيمي القضائي عن خيار مقتبس عن النموذج الفرنسي اللاتيني لأسباب تاريخية، الهدف منه أن يتسلح المجلس الأعلى للحسابات بضمانة أكيدة لتأمين استقلاله عن كل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وبالتالي صون حياديته في أداء عمله، ويتجلى الطابع القضائي عملياتيا في اختصاص ومسطرة المراقبة القضائية للحسابات التي يدلي بها المحاسبون العموميون سنويا للمجلس كواجب من واجباتهم الوظيفية الملزمة، وفي اختصاص ومسطرة التأديب المالي إزاء المسؤولين والموظفين العموميين، وهذا الاختصاص مندمج ضمن الاختصاصات القضائية للمجلس، في حين أن لفرنسا محكمة تأديبية مالية خاصة منفصلة عن المجلس الأعلى للحسابات الفرنسي ، وإن كانت تربطها به روابط بشرية ووظيفية. ومع أن كتلة الاختصاصات القضائية للمجلس تندرج حسب معظم الفقه في باب القضاء الإداري المتخصص ولذلك تنظر الغرفة الإدارية بمحكمة النقض-في انتظار تأسيس مجلس الدولة-في قراراته على مستوى النقض فقط، فإنه بالمعنى الوظيفي الضيق قضاء من نوع خاص، لا يمكن مماثلته بأي قضاء آخر.

أما الطابع غير القضائي للمجلس فيتمثل في كتلة الاختصاصات الرقابية الإدارية التي تنطوي على اختصاصات ومساطر متداخلة تنظيميا ووظيفيا ومسطريا مع الاختصاصات الرقابية القضائية، وهي صنف جوهري ووازن من مهام المجلس الأعلى للحسابات وتتلخص في المراقبة الإدارية للتسيير، أي افتحاص أو تدقيق التدبير العمومي وتقويم أدائه، من أجل ترشيده وتحسين مردوديته، وتخضع لمقتضيات فنية مهنية تنهل من حرفة التدقيق أوالمراجعة ذات المنشأ الانجلوسكسوني. وللمجلس كتلتان أخريان من الاختصاصات غير القضائية جل ما فيهما مستحدث بموجب الدستور الجديد، وقد بزغت إلى السطح في السنوات الأخيرة، بفضل الطلبات المجتمعية لمزيد من النزاهة والديموقراطية، كتلتان ثالثة ورابعة من الاختصاصات،واحدة ذات طابع رقابي تخليقي مستجد وتنطوي على أهمية حيوية وتتمثل في مراقبة حسابات الأحزاب السياسية وتتبع التصريحات بالممتلكات في إطار تنزيه الحياة العامة ومكافحة آفة الفساد، والكتلة الرابعة ذات طابع فكري واستشاري تتمثل في بذل المعاونة المدعمة والمتنوعة للبرلمان من خلال توفير الاستشارة الفنية والإسناد الفكري والمعلوماتي في كل ما يتعلق بالرقابة وتقييم السياسات العمومية من شؤون، وتستهدف هذه الكتلة الأخيرة تثبيت وتدعيم مفهوم المراقبة الديموقراطية للحكامة في إطار توازن السلط وتعاونها ، وقد تعزز هذا المفهوم في سياق الدستور الجديد.

دور الحكومة فيما يخص تفعيل توصيات المجلس الأعلى للحسابات

هناك حاجة متزايدة لملاحظات وتوصيات المجلس الأعلى للحسابات في سياق ما يعرفه المغرب من حركية على مستوى فتح العديد من الأوراش التنموية ولا سيما ذات الطابع الاجتماعي، وبالتالي ثمة حاجة مقابلة لتدعيم مآل التوصيات بمزيد من المهنية والاستدامة، من خلال متابعة تلك التوصيات على مستوى الإدارات العمومية والقطاعات الحكومية.
إن الرأي العام المغربي أصبح يستشعر أهمية هذه التقارير من حيث الاطلاع على بعض حقائق التسيير الاقتصادي والإداري والمالي للشأن العام، والاطلاع على بعض جوانب متابعة التوصيات والاختلالات السابقة انطلاقا من ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات، بالإضافة إلى الإصلاح البنيوي للشأن العام، ولا يمكن للإصلاح أن يأخذ مداه دون إنخراط فعلي للخاضعين للرقابة في عملية الإصلاح.

إن عمل المجلس الأعلى للحسابات ليس فقط تحريك المتابعات الشخصية والتسبب في الزج بالمسؤولين في السجون، ولكن ما يهم أكثر هو تنزيل التوصيات الهادفة للإصلاح والتقويم على أرض الواقع والوصول إلى نتائج هذه التقارير بإصلاحات يلمسها المواطن على مستوى تحسين مردودية المرفق العام وعلى مستوى تعامل الإدارة بشفافية وفعالية مع المواطن.
إن المغرب يحتاج اليوم لإدارة مواطنة، وتقارير رقابية صديقة وتشاركية لا تلجأ إلى الاتهام والعقاب بل تلجأ إلى الإصلاح، الذي ينعكس في شكل خدمات تلبي حاجة المواطن، وهذا ما ينتظره المواطن أكثر وهو ما يتناسب مع الرؤية الملكية في الإصلاح.

ولن يتأتى ذلك إلا من خلال التنسيق والتفاعل ما بين الحكومة والإدارات العمومية والمجلس الأعلى للحسابات، وأيضا على مستوى البرلمان الذي بإمكانه أن يتابع تلك التوصيات ويسائل المسؤولين والوزراء على مصير تلك التوصيات بالإضافة إلى التركيز على أن تعطي التقارير نتائجها على مستوى تحسين أداء الإدارة العمومية وإعادة النظر في بنياتها وعلاقتها مع المواطن، وهذا لن يتأتى إلا بالشفافية والمحاسبة على النتائج وليس فقط محاسبة الأشخاص من أجل اتهامهم وهذا هو التطور الذي تذهب فيه الرقابة على المستوى الدولي، خصوصا والمغرب سيدخل مرحلة تنزيل القانون التنظيمي الجديد للمالية الذي بنبني على قاعدة ميزانية البرامج بديلا لميزانية الأبواب المالية.

مكافحة الفساد الوجه الآخر لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
الفساد ما هو؟

هل يجوز القول إننا سنقضي على الفساد أو أننا سنستأصل شأفة الفاسدين؟ بداهة، ومن باب الأمانة العلمية و التواضع الأخلاقي لا يجوز، الصحيح هو أن نقول إننا سنكافح من أجل مكافحة الفساد، لكن بشجاعة، وبطريقة تعاونية وتوافقية وتدريجية وحكيمة ومهنية، في أفق وضعه تحت السيطرة بحيث يتحول مع مرور الوقت وإفراغ الجهد من قاعدة إلى استثناء على القاعدة، يؤكدها ولا ينفيها. وعليه، لعلنا لا نبالغ عندما نزعم أن تعميقنا لفهم ظاهرة الفساد ومقاربة أسبابها وأبعادها وتلاوينها وتعقيداتها وآثارها مقاربة علمية وواقعية وسليمة هو المدخل الضروري والشرط الأساس لمكافحة أنجع للفساد بل لعله يساوي قطع نصف الطريق نحو حلحلة العقدة. من أجل ذلك نروم من هذه الورقة التأملية المضغوطة الإضاءة التأصيلية على مفهوم الفساد وضبط عناصره المفسرة والمحددة لتيسير عملية البحث عن المداخل والوسائل العملية القمينة بمكافحته ( بعد أن أصبح ظاهرة مزمنة في المغرب مع الأسف) وذلك في أفق تطويقه والسيطرة عليه، لا أقل ولا أكثر، وذلك وفقا للرؤية الملكية لمعالجة مشكلة الفساد.

البيئة المحفزة على الفساد

لقد استعاض الدارسون والممارسون على حد سواء عن تحديد ماهية الفساد بتحديد وقياس مدركاته أو تصوراته القبلية(الباء مسكونة)، أي بعبارة أخرى البيئة التي من المرجح أن يكون الفساد مستوطنا فيها ،بناء على طريقة البرهان بالمخالفة، ومفادها أنه كلما تواجدت الشروط والاستحقاقات المضادة للفساد ، كانت مدركاته قليلة أو قابلة للسيطرة عليها، وكلما انتفت تلك الشروط والاستحقاقات أو كانت فارغة المحتوى تنامت مدركات الفساد وترجحت الظنون بشيوعه وانتشاره، وتتمثل تلك الشروط في : الديموقراطية وحكم القانون والشفافية والمساءلة وسلامة النظام الاقتصادي وعدالته وعمومية الخدمات الاجتماعية وإنصافها، وإعلاء ثقافة تقديم الحساب على كافة المستويات وفي مختلف الميادين، أي -بجملة مختصرة – في توافر شروط حكامة ديموقراطية تنموية رشيدة في ظل وضع سياسي ووضع اجتماعي آمنين ومستقرين. والمغرب لديه مستوى مقبول من هذه الشروط بفضل الرعاية الملكية المباشرة والموصولة.

وتدل الملاحظة التجريبية أن البيئة المحفزة على الفساد تخلق آثارا وخيمة يمكن معاينتها بيسر فهي تعوق مشاريع التنمية، وتساهم في إطالة أمد الارتهان لفخ التخلف وحلقاته الجهنمية من خلال خدمات رديئة، ومخرجات اقتصادية غير فعالة وغير ناجعة وغير منتجة، كما تغذي الدائرة المغلقة للدين العام والفقر الواسع النطاق، بحيث تصبح الديون في وصفها الحدي “ديونا إجرامية” معروف سلفا أنها لن تذهب إلى مسالكها المشروعة بل سيتم الاستيلاء عليها ونقل أعبائها إلى أجيال مقبلة بريئة. والنتيجة هي توتر اجتماعي متصاعد، وترتيب متدني في سلم التنمية البشرية، وشيوع خطابات العدمية والديماغوجية.

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...