مسرح بلا مشهد حقيقي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

فرج كندي
رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث

 

 

حين يتحدث الزعيمان عن كل شيء إلا عمّا يجب الحديث عنه.

 

في الرابع عشر من مايو 2026، وقف دونالد ترامب أمام كاميرات العالم في قاعة الشعب الكبرى ببكين، وصافح شي جين بينغ بيد من وصفه قبل لحظات بأنه “زعيم عظيم وصديق حقيقي”، ثم غادر الصين بعد يومين حاملاً معه ما وصفه بـ”صفقات تجارية رائعة” مع ابتسامة عريضة وتصريح لافت مزدوج الدلالة.

 لم يناقش هو وشي الرسوم الجمركية، ولم يُحرز أي اختراق في ملف تايوان.

توقّف عند هذين التصريحين؛ فالرجلان يلتقيان في أول زيارة رئاسية أمريكية إلى بكين منذ تسع سنوات، في أحرج لحظة تشهدها العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم، ويتحدثان مائة وثلاثين دقيقة متواصلة عن إيران ومضيق هرمز وفول الصويا وطائرات بوينغ، ثم يخرج ترامب ليقول بلا مواربة إنه لم يناقش الرسوم الجمركية، وإن تايوان لم تُذكر حتى في البيان الختامي للبيت الأبيض.

هذا ليس إخفاقاً دبلوماسياً عادياً، بل هو في حد ذاته حدث سياسي يستحق التأمل العميق: قمة صُمِّمت بعناية لتتجنّب ما جاءت لحله، ولقاء بين قطبين صمّم كلٌّ منهما ستارته بحرفية لإخفاء ما لا يريد مواجهته، ومفاوضات نجح فيها كلا الطرفين في الخروج بما أراد من صور وشعارات، بينما بقيت الجروح الحقيقية مفتوحة تحت الضمادات البراقة.

أولاً: الرسوم الجمركية الحرب التي لم تنتهِ والهدنة التي لا تُبنى عليها

انخفض حجم التبادل التجاري الثنائي بين البلدين إلى 414.7 مليار دولار العام الماضي، مقارنة بنحو 690.4 مليار دولار في عام 2022. هذا الرقم وحده يكفي لإدراك حجم الكارثة الاقتصادية التي أنتجتها الحرب التجارية باختفاء ما يزيد على ربع التبادل التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم في غضون ثلاث سنوات، مع ما يترتب على ذلك من اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية وتضخم وتراجع في الاستثمار.

هدنة تجارية هشّة لا تزال قائمة عقب الرسوم الجمركية الباهظة والإجراءات الانتقامية المتبادلة، مع توقعات بمناقشة إمكانية إبرام اتفاقيات إضافية أو تمديد الهدنة القائمة- هدنة هشة – ليست سلاماً تجارياً حقيقياً، ولا إطاراً شاملاً لإعادة رسم قواعد العلاقة الاقتصادية بين البلدين؛ بل تأجيل مؤلم مؤقت لمعركة لم تحسم بعد.

والأكثر إثارة للدهشة أن ترامب قال إنه وشي لم يناقشا الرسوم الجمركية، رغم أن الحرب التجارية هيمنت على علاقة البلدين طوال عام 2025.  فكيف يلتقي رئيسان يعرف كلٌّ منهما أن الملف التجاري هو الأكثر إلحاحاً في أجندة علاقتيهما، ثم يخرج أحدهما ليقول إنهما لم يتطرقا إليه؟ ثمة تفسيران لا ثالث لهما: إما أن النقاش جرى فعلاً لكن ترامب آثر التعتيم عليه لدواعٍ تكتيكية، أو أنهما قرّرا معاً أن المسألة أشد تعقيداً من أن تُحلّ في قمة مُصمَّمة للعلاقات العامة لا للمفاوضات الحقيقية.

وكلا التفسيرين مقلق بطريقته الخاصة

الصين كانت أول اقتصاد كبير يردّ على رسوم “يوم التحرير” التي فرضها ترامب في أبريل 2025، وهذا الردّ الصيني السريع والحازم يعكس تحولاً بنيوياً عميقاً في موقف بكين.

 الصين دخلت هذا الاجتماع بثقة أكبر بكثير مما كانت عليه عام 2017، حين كانت تخشى حتى ارتفاعاً طفيفاً في الرسوم الجمركية الأمريكية؛ ففي العام الأخير تمكّن شي من التصدي لكثير من الإجراءات الأمريكية وتحييدها. 

هذا الواقع الجديد يعني أن الصين لم تعد تفاوض من موقع الضعيف المضطر للقبول بشروط واشنطن؛ فهي التي تهيمن على سوق المعادن النادرة وتتحكم في سلاسل إمداد حيوية وتمتلك من أوراق الضغط التجارية ما يجعل حرباً تجارية شاملة مؤلمة للطرفين بالتساوي.

لكن الأمر الأشد خطورة ليس غياب الرسوم الجمركية عن النقاش الرئاسي؛ بل هو ما يعكسه هذا الغياب من نمط راسخ في الدبلوماسية الترامبية الميل الدائم نحو “الانتصارات السريعة” المرئية إعلامياً على حساب الحلول البنيوية العميقة. ترامب حصل خلال زيارته إلى بكين في نوفمبر 2017 على صفقات تجارية تجاوزت قيمتها 250 مليار دولار، غطّت كل شيء من مشاريع الطاقة وشراء طائرات بوينغ إلى المنتجات الزراعية،  وعلى الرغم من أن الصفقات كانت عبارة عن نيّات للاستثمار وليست عقوداً ثابتة، فإنها منحت ترامب “الانتصارات” التي أراد إظهارها داخل أمريكا. لكن في النصف الثاني من 2018، أي بعد أقل من عام، أطلق ترامب حرباً شاملة على الصين بفرض رسوم جمركية بمئات المليارات.

التاريخ يُعيد  نفس الصور الودية، نفس الصفقات الإعلامية الكبيرة، نفس الخطاب عن العلاقة الشخصية الرائعة، والسؤال الذي يطرحه المراقب المتأمل هل تنتهي قمة 2026 بنفس الدورة التي انتهت بها قمة 2017، أي بصفقات مرحلية تُسبق حرباً تجارية جديدة؟

ثانياً: تايوان الحرب التي لا يُنطق باسمها

إذا كان غياب الرسوم الجمركية عن النقاش مفاجئاً، فإن طريقة تناول ملف تايوان في القمة كانت أكثر كشفاً لطبيعة اللحظة الدبلوماسية.

حذّر الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأمريكي ترامب في المحادثات الخميس من أن الصين والولايات المتحدة ستشهدان “صدامات وحتى نزاعات” إن أُسيء التعامل مع قضية استقلال تايوان، وقال إن عدم معالجة هذه المسألة “على نحو ملائم” قد يضع “العلاقة بأكملها في خطر جسيم”. 

كلمات شي تحمل ثقلاً استثنائياً حين يستخدم رئيس الصين عبارة “صدامات وحتى نزاعات” في لقاء رسمي مع الرئيس الأمريكي، فهو لا يُدلي بتصريح دبلوماسي مجاملاً، بل يُطلق تحذيراً وجودياً صريحاً، وهذا مستوى من الحدة لم تعتده اللغة الدبلوماسية الصينية التي تميل تاريخياً إلى الغموض الاستراتيجي المتعمّد.

لكن ما الذي فعله ترامب بهذا التحذير؟ لم تُذكر تايوان في ملخص البيت الأبيض للاجتماع، الذي وصفه بأنه “جيد”. وأكد ترامب أنه لم يُحرز أي اختراق في ملف تايوان، وأنه لم يُقدّم أي التزام في اتجاه أو آخر بشأن مبيعات الأسلحة لتايوان. 

وهنا تكشف الصورة كاملة عن عمق الأزمة الدبلوماسية: مصدر إقليمي أكد لشبكة CBS أن الصين أثارت تايوان في محادثات الخميس، فأقرّت الولايات المتحدة بموقف بكين وكرّرت موقفها هي، ثم انتقل الحديث إلى الموضوع التالي. 

هذا الوصف المقتضب يختصر دبلوماسية الأزمات في عصر ترامب طرف يُحذّر، وطرف آخر يُقرّ ويُعيد صياغة موقفه القديم، ثم تنتقل إلى موضوع آخر؛ لا حلّ ولا اتفاق ولا حتى تفاهم جديد.

والأخطر في هذا السياق هو ما أشار إليه المحللون من أن توقيت القمة يمنح الصين ميزة تكتيكية مضاعفة. ذهب بعض المحللين إلى أن انشغال الولايات المتحدة بصراعها مع إيران أبعد تركيزها عن منطقة المحيط الهادئ، مما قد يخلق نقاط ضعف في ملف تايوان يسعى الجانب الصيني لاستثمارها. 

وهذه المعادلة الجيوسياسية دقيقة وحادة واشنطن في حرب بالوكالة في الشرق الأوسط، وتحتاج إلى تعاون بكين أو على الأقل عدم عرقلتها في هذا الملف، وهذه الحاجة تُضعف موقفها في مفاوضات تايوان، وبكين تعرف هذا وتُحسن توظيفه؛ فتطرح تايوان بحدة للتسجيل والتأكيد، ثم تترك النقطة معلّقة لتستثمرها لاحقاً.

تسعى بكين إلى دفع واشنطن للتحوّل من “الغموض الاستراتيجي” نحو معارضة استقلال تايوان بشكل صريح ودعم إعادة التوحيد،  وهذا المطب بالذات هو الذي تتحاشاه واشنطن منذ عقود؛ فالغموض الاستراتيجي الأمريكي تجاه تايوان ليس ضعفاً دبلوماسياً بل هو سياسة متعمّدة تُبقي الصين في حالة حسابات غير مؤكدة، ولهذا فإن أي إيضاح صريح في أي اتجاه يُغيّر المعادلة برمتها.

وما يجعل الملف أكثر تعقيداً أن ترامب حين سُئل عن مبيعات الأسلحة لتايوان، أجاب بأن شي يريد منه وقفها، وأنه سيبحث الأمر، ثم أضاف أن هناك دعماً واسعاً لتايوان من اليابان ودول المنطقة، إشارةً إلى أن المسألة لا تخصّ أمريكا وحدها. 

هذا النمط الترامبي المعهود من الإجابات المتعرجة التي لا تُلزم بشيء كان مطلوباً للحفاظ على مساحة المناورة، لكنه يُبقي تايوان في المنطقة الرمادية بلا أي ضمانة جديدة ولا أي تطمين إضافي.

ثالثاً: ما الذي تحدّث عنه الزعيمان فعلاً؟

إذا كانا لم يتعمّقا في الرسوم الجمركية ولم يُحرزا اختراقاً في تايوان، فما الذي ملأ مائة وثلاثين دقيقة من المحادثات؟

اتفق الجانبان على أن مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً وحراً، كما أبدى شي اهتماماً بشراء مزيد من النفط الأمريكي لتقليص اعتماد الصين على مضيق هرمز في المستقبل. كما ناقش الزعيمان زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية.

وهذا هو جوهر ما خرجت به القمة صفقات تجارية في الطاقة والزراعة وطائرات بوينغ، وتفاهم على إيران بوصفها أرضية مشتركة، وبيانات إيجابية عن العلاقة الثنائية وأهمية الاستقرار. أي بالمعنى الدقيق كل ما هو قابل للاتفاق عليه دون المسّ بالملفات الهيكلية الحقيقية.

ترامب يبحث عن “إنجازات سريعة” في صفقات الصويا وطائرات بوينغ لتعزيز وضعه الداخلي، بينما يجهز شي جين بينغ أوراقه للضغط في ملف تايوان. وهذا التوصيف يكشف التباين الحقيقي في توجّه كل طرف ترامب جاء بمنطق التاجر الباحث عن صفقة مرئية تُعزّز شعبيته في الداخل، بينما جاء شي بمنطق الدولة الاستراتيجية الصابرة التي تُراكم أوراقها للضغط على المدى البعيد.

وهذا التباين في الأفق الزمني هو ربما المفتاح لفهم ما جرى؛ فالرئيس الأمريكي يُفكّر بمنطق الدورة الانتخابية والتغطية الإعلامية اليومية، بينما يُفكّر الرئيس الصيني بمنطق العقود والجيوس السياسية الكبرى وحين يجلس هذان المنطقان إلى طاولة واحدة، ينتهي اللقاء غالباً بأن يحصل كل طرف على ما يريده ظاهرياً، بينما تُؤجَّل القضايا الجوهرية إلى لقاء قادم.

رابعاً: دبلوماسية الصور وأزمة المضمون

ثمة ظاهرة لافتة ينبغي تأملها بعمق في هذه القمة وما سبقها من لقاءات ترامب الدولية.

 الاستثمار المبالغ فيه في الكيمياء الشخصية على حساب الإطار المؤسسي للتفاوض.

حين يصف ترامب شي بأنه “صديق عظيم وزعيم رائع”، وحين يُشير إلى أن علاقتهما الشخصية تجعله مطمئناً لمسألة تايوان قائلاً “شي يعرف أنني لا أريد أن يحدث ذلك”، فهو يُقيم دبلوماسية مبنية على الثقة الشخصية لا على الضمانات المؤسسية والاتفاقيات الملزمة.

وهذا النمط مقلق لأسباب بنيوية فالعلاقة الشخصية بين الزعيمين، مهما بلغت من الدفء، لا يمكنها أن تحلّ محل الأطر التفاوضية الراسخة والاتفاقيات القابلة للتحقق والتطبيق؛ فالكيمياء الشخصية قابلة للتبخر في لحظة واحدة حين تنشأ أزمة ما، بينما تبقى الاتفاقيات المؤسسية قائمة وملزِمة بصرف النظر عن المزاج السياسي.

والأشد قلقاً أن صحيفة ؛؛ساوث تشاينا؛؛ رجّحت تحقيق انتصارات قصيرة المدى للمصدرين الأمريكيين، لكنها استبعدت أن تحل زيارة واحدة المشكلات العميقة بين البلدين، مثل الذكاء الاصطناعي والمنافسة التكنولوجية وأمن سلسلة التوريد وقضية تايوان.

وهذا التقييم الصادر من منبر صيني بارز يكشف أن حتى الجانب الصيني لا يتوهّم أن قمة واحدة تكفي لمعالجة الأزمة البنيوية بين البلدين.

خامساً: ما الذي لا يُقال في بيانات القمم

ثمة قانون غير مكتوب في الدبلوماسية الدولية يقول: ما لا يُذكر في البيان الختامي لقمة بهذا المستوى لا يعني أنه ليس موجوداً، بل يعني أحياناً أنه الأخطر والأكثر حضوراً.

لم يرد ذكر تايوان في ملخص البيت الأبيض للاجتماع رغم أن شي تحدث عنها صراحةً وحذّر منها علناً. هذا الغياب المُتعمَّد ليس نسياناً بل هو قرار سياسي. واشنطن لا تريد تسجيل موقف من تايوان في وثيقة رسمية لأن أي صياغة ستُفسَّر لصالح طرف على حساب آخر.

وبالمثل؛ فإن الحديث عن “صفقات تجارية رائعة” في غياب أي تفاصيل ملزِمة عن الرسوم الجمركية يعكس نمطاً راسخاً يتمثل في الاكتفاء بالإطار الإعلامي الإيجابي دون الحاجة إلى المحتوى الفعلي القابل للقياس والتحقق.

تنظر بكين بإيجابية إلى بعض الخطوات الأمريكية التي ترتبط بشكل غير مباشر بأزمة تايوان، مثل سحب الولايات المتحدة صواريخ بعيدة المدى من قواعد آسيوية وإعادة نشرها في مناطق قريبة من إيران، وتأجيل تسليم صواريخ ؛؛ توماهوك؛؛ إلى اليابان.

 وهذه التفاصيل العسكرية اللوجستية التي لم تُذكر في أي خطاب رسمي هي ربما أكثر دلالةً من كل الصور الودية والبيانات الحارة؛ فالاستراتيجية تُقرأ في الخرائط والتحركات العسكرية لا في لهجة الكلام أمام الكاميرات.

سادساً: العالم الذي يراقب من بعيد.

لقمة بكين 2026 أبعاد تتجاوز طرفيها المباشرين، وهي أبعاد تهم العالم بأسره، ولا سيما المنطقة العربية التي تقع في ملتقى التنافس بين القوتين.

فملف إيران الذي احتل مساحة كبيرة من نقاشات القمة لا يُمكن فصله عن مآلاته على منطقة الشرق الأوسط كلها. اتفق الزعيمان على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وأبدى شي اهتماماً بشراء النفط الأمريكي لتقليص الاعتماد الصيني على هذا المضيق.  وهذا يعني أن الصين ترى في إغلاق مضيق هرمز تهديداً مباشراً لأمنها الطاقوي، مما يجعل لها مصلحة حقيقية في التهدئة بصرف النظر عن موقفها المُعلن من الصراع.

كذلك فإن التنافس التكنولوجي بين البلدين على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات له تداعيات مباشرة على العالم كله؛ فالقيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتطورة إلى الصين تُؤثر في قدرة دول كثيرة على الوصول إلى هذه التقنيات من مصادر متنوعة، كما أن هيمنة الصين على سوق المعادن النادرة تمنحها ورقة ضغط تتجاوز علاقتها الثنائية مع أمريكا لتطال كل دولة تعتمد على هذه المعادن في صناعاتها.

 حين يصبح التجنّب سياسة

خرج ترامب من بكين بصور احتفالية وبيانات دافئة وصفقات زراعية وطاقوية لا يُستهان بها، وخرج شي بتأكيد قدراته التفاوضية المتصاعدة وبتسجيل تحذيراته التاريخية بشأن تايوان على لسان أمريكي لن يستطيع التنكّر لها لاحقاً، وخرجت تايوان بـ “تجديد الدعم الواضح” أمريكياً لكن بلا ضمانات إضافية.

 وخرجت الرسوم الجمركية من القمة كما دخلتها مُعلّقة في الهواء بلا حل ولا اتفاق ملزم.

وهذا يقودنا إلى الحكم الجوهري الذي لا مفرّ منه أن قمة بكين 2026 كانت في جوهرها تمريناً متقناً في فن تجنّب الأسئلة الصعبة. ليس لأن الطرفين عاجزان عن الإجابة؛ بل لأن الإجابة الحقيقية تستلزم من كل منهما تكلفة سياسية داخلية لا يريد تحمّلها الآن.

ترامب لا يستطيع الضغط الجديّ على الرسوم الجمركية؛ لأن ذلك يعني إمّا قبول شروط صينية تبدو كانتصار لبكين، وإمّا المضيّ في حرب تجارية تضرب الاقتصاد الأمريكي في وقت حرج، وهو لا يستطيع تقديم التزامات جديدة بشأن تايوان في أي اتجاه لأن كل اتجاه له ثمنه الباهظ.

وشي من جهته لا يريد تسوية مُلزِمة الآن لأن الوقت يعمل لصالحه الصين تتعزّز تقنياً واقتصادياً وعسكرياً، والصبر الاستراتيجي فضيلة ثقافية وسياسية متجذرة في عقل الحكم الصيني.

وبين التأجيل الأمريكي والصبر الصيني، يبقى العالم ينتظر قمة أخرى ستُعيد نفس المشهد بملامح مختلفة: ابتسامات عريضة، وصور تاريخية، وبيانات دافئة، ومشكلات كبرى تنتقل من أجندة إلى أخرى دون أن تجد جواباً.

وهذا في حد ذاته درس مؤلم في حدود الدبلوماسية الشخصية حين تُحاول أن تحلّ ما هو بنيوي بأدوات إعلامية، وتُعالج ما هو استراتيجي بمنطق الصفقة السريعة.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...