*دكتور محمد براو
المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية
يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.
2 – مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
كيفية اشتغال الفساد
تشتغل ظاهرة الفساد في أحضان الحقل غير الرسمي من خلال التبادلات المتوازية داخل الهرمية الإدارية، وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم التمييز بين حركية الفساد الصغير وحركية الفساد الكبير، فالأول يعكس التبادلات الجارية يوميا بين الموظفين الصغار والمواطنين، والثاني يعكس الصفقات والتبادلات غير المرئية والتي يعقدها كبار المسؤولين والموظفين وما تدره من حلاوات واقتطاعات غير مشروعة وتعويضات غير مباشرة، وفي المستوى الثاني الأخطر يجري إفساد المؤسسات السياسية وممارسة تأثير غير مشروع على مخرجاتها كالتلاعب في الانتخابات والتلاعب بالنظام القضائي والتلاعب بالأخبار الصادرة عن المؤسسات الإعلامية…
وتتحرك ماكينة الفساد تبعا لاتجاهين:
الاتجاه الأول: من أعلى إلى أسفل حيث يشتغل الفساد كسياسة عليا موضوعة من أجل مكافأة التحالفات المؤيدة بواسطة توزيع خيرات خاصة(مسكيتا: 2003) لكن على الرغم من أن هذا النمط التفسيري يشرح لنا الحوافز الكامنة وراء تشجيع الزعماء السياسيين للفساد بوصفهم رؤساء غير متطوعين فإنها تفضي إلى خلاصة لا تخلو من السقوط في السذاجة من حيث إنها تجعل من أولئك الرؤساء ذوي قدرة خارقة، بإمكانهم السيطرة بمفردهم على دورة الفساد وكافة مدخلاتها ومخرجاتها، وهو اعتقاد خاطئ، إن المنطقة الفارغة في هذا التحليل هي السياسات التطبيقية الني من المفترض أن أولئك الزعماء قادرون على فرضها وإنفاذها لوحدهم ؟ وهذا أمر مستحيل عمليا.
وفي الاتجاه الثاني: من أسفل إلى أعلى تكون الرؤية أكثر واقعية ويتم الاعتراف بغموض وتعقيد الظاهرة، وفق هذا النموذج (كادو: 1987) يغطي المسؤولون الكبار فساد المسؤولين والموظفين المتوسطين والصغار في مقابل نصيب من الرشوة يتم جمعها وتوزيعها في المستويات الدنيا من التسلسل الهرمي، أو في الحالة التي يكون فيها شخص ما مكلفا أو ساهرا على تطبيق القانون مفترضا فيه متابعة ومعاقبة أفعال الفساد قابلا لممارسة الفساد، ولكنه في نفس الوقت يكون تابعا إلى شخص آخر أعلى ساهر على تطبيق القانون في الهرمية التنظيمية وقابل لممارسة الفساد هو كذلك… و هلم جرا.
نستخلص مما سبق الطبيعة النسقية للفساد ولمعظم مشكلاته، وإلى أي حد يشتغل وفق شبكة من التبادلات الصاعدة والنازلة ما زالت بحاجة إلى المزيد من البحث والتقصي على مستوى القوى التي تقف خلف عمليات الربط والتعالق بين أطراف تلك التبادلات وهو الدور المنوط بالباحثين ذوي التوجه التجريبي الملتصق بتطبيقات الميدان . ونستخلص كذلك أن مقاربة الفساد محكوم عليها الانتباه إلى المعيارين السلوكي(الفرد) والمؤسساتي (قواعد اللعبة)، ولكن في نهاية المطاف فإن الشخص أو الفرد هو الفاعل الحاسم سواء كان عونا أو رئيسا (كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته).
وأخيرا كلما كان الفساد آمنا من المغارم جالبا للمغانم، تكالبت النخبة والكفاءات نحو ممارسة الأنشطة الريعية بمفهومها السلبي، وحدثت عملية ترحال اقتصادي (قياسا على الترحال السياسي) من القطاع المنتج نحو القطاع غير المنتج، وعندما يصبح الفساد ثقاقة معممة مجزية الأرباح ومأمونة من المخاطر، يصبح النزهاء الشرفاء مهما تسلقوا من مراتب في سلم الكفاءة والجدارة معزولين ومهمشين، أو في أحسن الأحوال طالبي لجوء مهني إلى الخارج…..
الدور الملكي في التشجيع على وضع وتفعيل سياسات مكافحة الفساد
إن الملك باعتباره الفاعل المركزي والمحور الأساسي في إطار النظام السياسي والدستوري المغربي، عبر غير ما مرة على ضرورة التسريع بمحاربة الفساد واقتصاد الريع ، ففي رسالته الموجهة للمشاركين في الدورة الرابعة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، أكد الملك على أنه” قد أضحت مسألة مكافحة الفساد في مقدمة الانشغالات الملحة للمواطنين. ذلك أن آفة الرشوة لم تعد اليوم مجرد مشكلة داخلية لهذا البلد أو تلك المنطقة، بل أصبحت معضلة ذات أبعاد دولية، متداخلة مع عدة جرائم أخرى عابرة للحدود، ساهمت العولمة والتقدم التكنولوجي في تعقد أنماطها وأشكالها. كما أن مواجهة الآثار الوخيمة للفساد، كأخطر معيقات التنمية، وخاصة في الدول النامية، تستدعي تضافر الجهود على المستوى الدولي، لرفع التحديات التي تطرحها آفة الرشوة، بكل تجلياتها المقيتة، وخصوصا في عرقلة إنجاز الأهداف الإنمائية للألفية، وذلك توخيا لتحقيق آمال الشعوب في التنمية الشاملة،وللتجاوب مع مطامحها في القضاء على بؤر الفقر والهشاشة، من أجل تنمية بشرية متوازنة ومستدامة.”.
كما أكد الملك في نفس الرسالة على ما يلي “لقد استشعرت المملكة المغربية، منذ وقت مبكر المخاطر الجسيمة للرشوة، فسارعت إلى جعل الوقاية من هذه الآفة ومحاربتها إحدى أولويات ورش الإصلاحات الديمقراطية والمؤسسية والحقوقية والتنموية والمجتمعية، والتربوية على قيم المواطنة الملتزمة، وحماية حقوق الإنسان والنهوض بها، وترسيخ الحكامة الجيدة، وتخليق الحياة العامة. وكل ذلك ضمن المسار العام لدمقرطة الدولة والمجتمع، الذي تشهده بلادنا، في تلاحم بين العرش والشعب، وأخذ بالاختيارات الصائبة للانفتاح، واستكمال بناء مجتمع ديمقراطي حداثي، وتجاوب مع الدينامية الاجتماعية، وتفاعل مع التحولات الجهوية والدولية، بإرادة وطنية سيادية خالصة”.
الحكومة وإشكالية الاستراتيجية الواضحة
واجهت حكومة مابعد دستور 2011 إشكالية التعامل مع ما سلف من فساد، وكان التصريح الذي أدلى به رئيس الحكومة السابق لقناة الجزيرة بخصوص العفو عما سلف دليلا على غياب الرؤية والاستراتيجية الواضحتين، بحيث جاء التصريح مبتورا ولم يوضع في سياق استراتيجية بديلة قابلة للتطبيق، فكان ضرره أكثر من نفعه، هذا مع العلم أن البرنامج الحكومي الذي عرضه أمام البرلمان قد عبر عن إرادة والتزام بمكافحة الفساد، وفي هذا الخصوص جاء في هذا البرنامج ما يلي: “..كما تشكل مكافحة الفساد في تدبير الشأن العام محورا مهما من محاور برنامج الحكومة ومرتكزا أساسيا في منهج عملها، وفي هذا الصدد تعتزم الحكومة تقوية مؤسسات الرقابة والمحاسبة وتكريس استقلالها وتفعيل توصيات تقاريرها…
مشكلة فعالية نظام الرقابة والمحاسبة أهم أسباب تعثر سياسة محاربة الفساد
بصفة عامة، يتضمن النموذج المغربي للرقابة والمحاسبة العناصر الأساسية لمنظومة معيارية ومؤسساتية عصرية ومتقدمة نسبيا، لكن تبقى مسألة الفعالية مسألة مطروحة ومعترف بها من قبل جميع الفاعلين الرسميين والاجتماعيين والتي يمكن تفسيرها بالشفافية المحدودة فيما بتعلق بتحديد ماذا ومن وكيف؛ بصدد الأدوار والمسؤوليات الراجعة للفاعلين المكلفين بوضع موضع التنفيذ مبادئ وقيم المساءلة وتقديم الحساب، تتجلى في العجز الملموس على مستوى التواصل المناسب مع الرأي العام؛ والتعددية المبالغ فيها لهيئات وأجهزة الرقابة في غياب إطار مؤسساتي للتنسيق والتعاون، وكذا في غياب رؤية واستراتيجية إجمالية؛ والصعوبات والارتباكات بخصوص ممرات توصيل نتائج الرقابة والتنفيذ الفعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وللعواقب المترتبة عنها امتدادا؛ وشيوع ثقافة رقابية غارقة في النظامية والمطابقة المبنية على تقديس الوثيقة والقاعدة المكتوبة الشكلية على حساب النتيجة والأداء؛ ونظام لهندسة الأدوار والمسؤوليات متأخر قياسا للتطورات المستجدة في مجال التدبير العمومي الجديد ؛وهيئات الرقابة الداخلية والخارجية (المفتشيات العامة للوزارات والمفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية والمجلس الأعلى للحسابات والبرلمان) مازالت متعثرة في مساعي البحث عن مسار سلوك متشاور بشأنه يتجسد في مسطرة تواصل سلسة؛ والعلاقة بين هيئات الرقابة ومكافحة الفساد من جهة والقضاء من جهة أخرى غير محددة بشكل واضح وسلس وتطرح دوما تساؤلات حول المآلات المخصصة للقضايا التي تم ضبطها وإحالتها؛ وعدم معرفة الأخبار وغياب الإحالات فيما يخص الاتجاه من المحاكم الزجرية نحو المحاكم المالية؛ ومخاطر شيوع شعار مغلوط على نحو خطير: وهو الاختيار بين الإفلات من العقاب أو الكل الجنائي.
التوصيات:
تأسيسا على ما سبق من ملاحظات ودروس مستفادة، نوصي صانع القرار السياسي المغربي وباقي الأطراف صاحبة الشأن بالعمل في اتجاهين: الأول يخص التوجه السياسي العام، والثاني يخص السياسات العملية.
توصية سياسية عامة:
من أجل كسب النقاط في معركة التغلب على الفساد ينبغي توفير شرط مسبق بديهي وهو رص الصفوف، وجعل المعركة معركة وطنية بامتياز. تنخرط فيها الدولة والمجتمع السياسي والمدني والمواطنون والشركاء الدوليون، وذلك من خلال نزع الطابع السياسوي عن موضوع مكافحة الفساد وإخراجه من سوق المزايدات السياسية. ومن خلال العمل على تشكيل تكتل عريض وتوافق سياسي واجتماعي واسع يؤطره ميثاق وطني لمكافحة الفساد (أعدنا طرح هذا الاقتراح خلال محاضرتنا حول موقع الحكامة الجيدة في النموذج التنموي الجديد؛ جامعة سطات، 16 يونيو 2021)؛ باعتباره سندا مرجعيا مسبقا وضروريا لنجاح واستمرارية ورسوخ أية سياسات جادة لمكافحة الفساد.
توصيات فيما يخص السياسات العملية:
التسريع بتطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد من خلال تفعيل الدور التنسيقي للجنة الوطنية لمكافحة الفساد، ومن خلال تمكين أصحاب الشأن بما فيهم المجتمع المدني من تتبعها وتقييمها واستخلاص الدروس والعبر من أجل التقدم الجماعي والتشاركي في درب مكافحة الفساد. بالموازاة مع ذلك يتعين متابعة عملية المراجعة والتنقيح للإطار القانوني والمؤسساتي وتدعيم موارد وقدرات مؤسسات الحكامة ومكافحة الفساد؛
تفعيل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها وتقوية إطارها القانوني والمؤسساتي الحالي، ورفدها بالموارد المالية والبشرية والقدرات لتتمكن على الخصوص، من تتبع وتقييم الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد؛ وتجسير العلاقة بينها وبين كل من أجهزة الرقابة الداخلية والخارجية (لا سيما المجلس الأعلى للحسابات) من جهة والقضاء من جهة أخرى؛ وكذا الإسراع بتفعيل مجلس المنافسة؛ فضلا عن مضاعفة الجهود في مجال إنفاذ القانون وترتيب الجزاء تبعا للتوجيهات الملكية الأخيرة؛
إطلاق حملة تحسيسية جماعية وتفاعلية للوقاية من الفساد والتوعية بأضراره، ولمواكبة دخول قانون الحق في الحصول على المعلومات حيز التنفيذ والتعريف به للجمهور مع تحسينه وجعله أكثر استجابة لمتطلبات انخراط المغرب بمبادرة الشراكة من أجل الحكومة المنفتحة. وذلك جنبا إلى جنب مع تحسين أجور الموظفين العموميين؛ وتبني مواثيق الأخلاقيات بالقطاعين العام والخاص؛ وتعميم التكنولوجيات الذكية في تواصل المرتفقين والمواطنين مع الإدارة، ولاسيما فيما يخص معاملات هذه الأخيرة مع المقاولين وأصحاب الأعمال بشأن المشتريات العمومية ومشاريع الاستثمار.
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





