سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (46)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامةالإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات

نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.

2 – مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

فتح صفحة جديدة نحو ترسيخ ثقافة المساءلة في المغرب: النموذج الملكي في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة – برنامج الحسيمة- منارة المتوسط-نموذجا

بتاريخ 2 أكتوبر 2017 قرر الملك محمد السادس إحالة ملف برنامج الحسيمة-منارة المتوسط-على المجلس الأعلى للحسابات وتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشأن هذا الملف بالطريقة التي تمت وبالنتائج التي تم الإعلان عليها. وقد جاء القرار الملكي المفاجئ المتعلق بإعفاء وزير المالية الصادر بتاريخ فاتح غشت 2018 ليعيد إلى الأذهان القرارات الملكية الناتجة عن التحقيق في ملف الحسيمة وليحفز على استكشاف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وكيفيات تفعيله في السياق المغربي.

فيما يلي قراءة تحليلية متأنية لمسلسل تطبيق مبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشأن برنامج الحسيمة “منارة المتوسط” من أجل استكشاف العناصر الأساسية لهذه العملية التي تدشنلمرحلة مفصلية في تدبير الشأن العام في المغرب، وكذا استخلاص الدروس وتقديم توصيات من أجل المستقبل.

توطئة مرجعية

المحاسبة في الخطاب الملكي: تنطوي جميع الخطب الملكية تقريبا بدون استثناء، على دعوة مستمرة لتمثل قيم الحكامةالرشيدة ولتنزيل آليات المراقبة والمحاسبة والتقييم وإنفاذ القانون، كان أعلاها نبرة خطاب العرش بتاريخ 29 يوليو 2017 والذي اتسم بنبرة عالية ولهجة لا يمكن إخفاء صرامتها وجديتها، وخلاصة الخطاب التي أضحت حديث الساعة وأسالت الكثير من المداد، أنه “قد حان الوقت لتفعيل مبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة”.

نظام المحاسبة في الوثيقة الدستورية: إن الوثيقة الدستورية الصادرة سنة 2011 تحفل بالمقومات والمبادئ والقواعد المتعلقة بالمحاسبة أو المساعدة على تطبيقها وتتمثل في الاختيار الديموقراطي والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ والشفافية والحق في الحصول على المعلومات؛ ونشر ومناقشة تقارير مؤسسات الحكامة حول مختلف شؤون وقضايا المجتمع الحيوية؛ والمراقبة والتقييم من داخل الإدارة والمرافق العمومية ومن خارجها؛ وحماية المنافسة الاقتصادية الشريفة والتصدي للأوضاع والممارسات الاحتكارية؛ وربط تقلد مناصب المسؤولية بالاستحقاق وتتبع ممارستها بالمراقبة والتقييم؛ وإلزامية التصريح بالممتلكات وتتبعها من أجل محاربة الكسب غير المشروع؛ وحماية المال العام وزجر المنحرفين في استعماله أو المعتدين على حرمته؛ ومنع تضارب المصالح واستغلال النفوذ والسلطة؛ والرقابة العليا المستقلة على المال العام وطنيا وجهويا، الكاشفة للعموم لحقائق التدبير العمومي والمقيمة لنتائجه والمعاقبة لإخلالاته ومخالفاته الإدارية والمالية؛ والنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته؛ وتقييم السياسات العمومية؛ وترسيخ الأخلاقيات في تدبير الشأن العام؛ وأخيرا وليس آخرا تكريس مبدإ التفاعل الإيجابي للإدارات العمومية من خلال إلزامها بالجواب على أسئلة وشكايات وتظلمات المواطنين مع فتح الإمكانية لهم من أجل تقديم العرائض والطعون في دستورية القوانين.

المسطرة المتبعة والقرارات المتخذة

إن الخطاب الملكي المفصلي بتاريخ 29 يوليو 2017 يعتبر ثاني خطاب مزلزل، بمعنى أنه أدى إلى تحريك المياه الراكدة، بعد خطاب 12 أكتوبر1999؛ بعد تفعيل المفهوم الجديد للسلطة (1999) جاء دور المفهوم الجديد للمسؤولية(2017). فالمفهوم الثاني يستهدف بث دماء جديدة في شرايين المفهوم الأول الذي بدت عليه علامات الإعياء.

من خلال قراءة بلاغات الديوان الملكي؛ وبلاغات المجلس الأعلى للحسابات؛ والقرارات الملكية العقابية وكذا الأفكار والرسائل التي انطوت عليها نصوص ورموز الإجراءات الملكية، يمكن تلمس التوجه العام وتتبع خيوط الممارسة المغربية الجديدة في مجال تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وفقا للتسلسل التالي:

إجراءات التحقيق والتقييم والنتائج المتوصل إليها

تنفيذا لأمر ملكي صدر إليهما أجرت المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية والمفتشية العامة للمالية التابعة لوزارة المالية تحريات مشتركة بهدف كشف ملابسات تنفيذ المشاريع المكونة لبرنامج الحسيمة “منارة المتوسط”، وبعد توصل جلالة الملك بنتائج وخلاصات تلك التحريات قرر جلالته إحالة الملف إلى المجلس الأعلى للحسابات في إطار اختصاص هذا الأخير في مجال تقييم البرامج والمشاريع العمومية فضلا عن اختصاصاته المعتادة في مجال مراقبة المالية العمومية. وطبقا للتعليمات الملكية ينبغي أن يقوم المجلس بالبحث في هذا الموضوع وتحديد المسؤوليات، وذلك في أجل أقصاه 10 أيام. على أن يهم البحث “المسؤولين المعنيين ببرنامج “منارة المتوسط” خلال التنفيذ، بمن فيهم أولئك الذين لم يعودوا يزاولون مهامهم في الوقت الراهن”.

وحسب البلاغ الأول الصادر عن الديوان الملكي فإن تقارير عمليات التقصي التي أجرتها المفتشيتان المذكورتان قد خلصت إلى “وجود تأخر، بل وعدم تنفيذ العديد من مكونات هذا البرنامج التنموي”، وفي الوقت نفسه استبعدت “وجود أي عمليات اختلاس أو غش “.

وبعد شروع المجلس في عمله بناء على التعليمات الملكية السامية، وجه المجلس إلى الملك طلبا يلتمس فيه تمديد أجل إنجاز التقرير المطلوب منه، وقد برر المجلس ملتمسه بكون المهمة المنتظر منه إنجازها تتطلب مزيدا من الوقت من أجل القيام بها في أحسن الظروف، وقد وافق الملك على منح تمديد لمدة عشرة أيام إضافية.

وبخصوص النتائج المتوصل إليها فقد أكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات وجود مجموعة من الاختلالات تتمثل في عدم احترام الالتزامات والتأخر الثابت في إطلاق المشاريع، بما فيها محاولة بعض الفاعلين المعنيين التهرب من مسؤولياتهم من خلال لجوئهم إلى تحويل جزء من مساهماتهم المالية إلى وكالة تنمية أقاليم الشمال؛ وحدد التقرير مسؤولية جميع الأطراف وخلص إلى مجموعة من التوصيات تستهدف إعادة وضع البرنامج على سكة التنفيذ السريع والفعال.

حيثيات وفحوى القرارات الملكية المتخذة

الحيثيات المستند إليها

▪ مختلف التقارير المرفوعة للملك من طرف المفتشيةالعامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية والمجلس الأعلى للحسابات؛
تحديد المسؤوليات بشكل واضح ودقيق أخذا بعين الاعتبار درجة التقصير في أدائها؛
الصلاحيات الدستورية للملك كساهر أمين على حقوق المواطنين وحام لمصالحهم؛
مقتضيات المادة الأولى من الدستور، الفقرة الثانية المتعلقة بربط المسؤولية بالمحاسبة؛

منطوق القرارات الملكية

إعفاء عدد من الوزراء في حكومة سعد الدين العثماني الأولى بصفاتهم السابقة في حكومة عبد الإله بن كيرانالمنقضية ولايتها وهم: محمد حصاد؛ وأمين بن عبد الله؛ والحسين الوردي؛ والعربي بن الشيخ. وكذا إعفاء علي الفاسي الفهري المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
بالنسبة للوزراء الآخرين في حكومة بنكيران المعنيين بتلك الاختلالات، وغير المتحملين لمسؤولية في حكومة العثماني، قرر الملك تبليغهم “عدم الرضا على إخلالهم بالثقة التي وضعها فيهم وعلى عدم نهوضهم بالمسؤوليات الملقاة عل عاتقهم، وبأنه لن تسند لهم أية مهمة رسمية في المستقبل”، ويتعلق الأمر بالوزراء السابقين: رشيد بلمختارولحسن حداد ومحمد أمين الصبيحي وحكيمة الحيطي. وبخصوص المسؤولين 14 الآخرين من غير الوزراء، أمر الملك بالتحقيق بشأنهم ورفع الأمر إلى جلالته قصد اتخاذ الإجراءات اللازمة.
بخصوص المسؤولين التابعين لوزارة الداخلية على مستوى الإدارة الترابية بمختلف درجاتهم. وبناء على أمر ملكي بالتحري في هذا الشأن، فقد رفع وزير الداخلية للملك نتائج التحريات التي قامت بها الوزارة بناء على الأبحاث والتقارير الميدانية المتعلقة بالتتبع المستمر لعمل رجال السلطة، هذه التحريات أفضت إلى تسجيل إخلالات في ممارسة المسؤولية لعدد من رجال السلطة من مختلف الدرجات، ويتعلق الأمر ب: وال واحد، و6 عمال، و6 كتاب عامين، و28 باشا: رؤساء مراكز ورؤساء دوائر حضرية، و122 قائدا، و17 خليفة قائد. إثر ذلك، رفع وزير الداخلية للنظر الملكي اقتراحات بالتدابير العقابية ضد المسؤولينالمعنيين ثم أعطى الملك تعليماته من أجل اتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها وهي على الشكل التالي:
بالنسبة للوالي والعمال الست: إعفاؤهم من المسؤولية وعرضهم على المجلس التأديبي؛
بالنسبة للمسؤولين من رجال السلطة المرتبين في درجات أخرى: إعفاء 86 رجل سلطة في انتظار عرضهم على المجلس التأديبي من أجل اتخاذ العقوبات المناسبة؛ وتوجيه توبيخ ل 87 رجل سلطة.
دور المجلس الأعلى للحسابات

أنجز المجلس الأعلى للحسابات تقريره بناء على تعليمات ملكية مباشرة، في نطاق اختصاصات المجلس المتعلقة بتقييم البرامج والمشاريع العمومية وكذا في نطاق اختصاصاته المعتادة في مجال مراقبة المالية العمومية، ومن المهم الإشارة أن تقرير المجلس أنجز على أساس تقرير التحقيق المنجز بصفة مشتركة بين المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، والذي تمت إحالته إلى المجلس بتاريخ 3 أكتوبر 2017 من طرف الحكومة طبقا لمقتضيات المادة 109 من مدونة المحاكم المالية حسبما جاء في بلاغ صادر عن المجلس الأعلى للحسابات. وحسب نفس البلاغ فقد رفع الرئيس الأول للمجلس التقرير إلى الملك وعرض خطوطه العريضة بين يديه بتاريخ 24 أكتوبر2017.

ومما جاء في مذكرة تلخيصية حول التقرير نشرها المجلس بموقعه الإلكتروني أن البرنامج عرف اختلالات تمثلت في تأخر الإنجاز وفي عدم إنجاز بعض الأجزاء من مشاريع البرنامج. وقد تم تسجيل هذه الملاحظات بناء على مسطرة تشاركية استمع خلالها المجلس للمسؤولين عن الجهات المعنية.

ثم حدد المجلس بدقة المسؤوليات وكذا أسباب وملابسات التأخر في التنفيذ، أو عدم التنفيذ لبعض الأجزاء. وخلص إلى مجموعة من التوصيات تتعلق بالحكامة وتدبير الموارد وغيرها من المسائل التي يتطلبها السير الحسن والتنفيذ الفعال للبرنامج.

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية

خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد

[email protected]

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...