اليسار المغربي بين أحلام الماضي وشعبوية الحاضر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د.عمرالمرابط

 

 

لم تبق إلا عدة أسابيع قليلة لإجراء الانتخابات التشريعية والبلدية يوم ثامن أيلول/شتنبر القادم في المغرب، وهي انتخابات تأتي بعد عقد من الزمن على بداية الربيع العربي، وبعد عشر سنوات من وصول حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية إلى رئاسة الحكومة، وتسييره لعدة ائتلافات حكومية يمكن اعتبارها هجينة في بالنظر للاختلافات الإيديولوجية والسياسية التي تفرق بين مكونات أحزاب التآلف أو بالأحرى التوافق الحكومي، فقد جمعت هذه الحكومات بين الإسلامي والشيوعي، والليبرالي والمحافظ، وبين اليميني واليساري، في حكومات فسيفسائية تعبر عن معظم مشارب التوجهات السياسية الموجودة في البلد.

في أفق هذه الانتخابات سنتوقف اليوم للحديث عن قطب أعطى الكثير في مسار المغرب الحديث ألا وهو اليسار المغربي ، فبالرغم من تمكُّن منتسبي هذا التيار من النفوذ إلى دواليب الدولة بل والتحكم في العديد من مفاصلها منذ وصولهم إلى الحكم في ظل ما سمي بحكومة التناوب التي ترأسها عبدالرحمن اليوسفي في أواخر عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ومنذ رد الاعتبار إليهم مع إنشاء هيأة الإنصاف والمصالحة التي أسسها الملك محمد السادس للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في حقبة ما بعد الاستقلال، إلا أن هذا اليسار بقي متقوقعا على نفسه ومحصورا في جزء من الطبقة السياسية والطلبة والمثقفين، وتضاءلت شعبيته وهوت إلى قاع بحر عالم التنافس الانتخابي.

اعتقد الكثير من اليساريين أن الفرصة سانحة مع الانفراج السياسي الذي عرفه المغرب في ظل العهد الجديد للوصول إلى مراكز النفوذ ولتعويض الوقت الفائت، لكنهم فوجئوا أن قوتهم وشعبيتهم التي لطالما تغنوا بها في السبعينات وأوائل الثمانينات لم يبق منها إلا الأطلال، ولم تصمد أمام الزحف الإيديولوجي للجماعات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، فاستشاط بعضهم غضبا ، خاصة منهم أولئك الذين لم ينالوا حقهم من السلطة، ولم يتمتعوا بقسمتهم من الكعكة، ولم يحظوا بالحظوة عند أعلى هرم السلطة.
فبذلوا كل غال ونفيس للحصول على الرضا ومن ثمة للوصول إلى المراد، وهذا ما تحقق لهم عندما فُرضوا إبان الولاية التشريعية الأخيرة لرئاسة مجلس النواب المغربي في حين أن عدد منتخبيهم لم يتعد نصف عُشُر عدد أعضاء المجلس النواب المغربي أي حوالي 5% ، بل واستطاعوا الحصول على مقاعد وزراية مهمة، خلاصة القول : “رضوا بأن يكونوا مع الغنائم”.

لم يبق لهم إلا هذا السبيل لأن وقت النضال فات أوانه، ولأن زمن الكفاح مر موسمه، فتخلوا عن المبادئ وتنازلوا عن المواقف ورضوا بالفتات من المواقع، دون أن يتخلوا عن الشعارات الرنانة والخطب المنانة التي تذكر الشعب المغربي بالماضي النضالي العريق الذي بفضله تحققت الحرية، وتقدمت الديمقراطية، وتحسنت حقوق الإنسان، وتحررت المرأة.
في بلد محافظ كالمغرب لم يتعد عدد المصوتين على مجموع أحزاب اليسار مجتمعة أكثر من 14% سنة 2016، و لم يناهز نصيبهم مجتمعين أكثر من 15% سنة 2011، أما أكبر الأحزاب اليسارية وهو “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” فقَدْ فقدَ هويته وبصيرته، وأصبح زعيمه إدريس لشكر محل سخرية أصدقائه قبل خصومه، وهو الرجل الذي عندما قطع الشك باليقين بعدم استوزاره في الحكومة الأولى للعثماني وهو الوزير السابق والسياسي المحنك ، ترجّى وطلب تعيين ابنته.

خرج علينا هذا الزعيم الشعبوي منذ أيام قلائل على القناة الإخبارية المغربية مصرحا بأنه يصعب على حزبه إعادة نفس التجربة مع حزب العدالة والتنمية لأنه عانى الشيء الكثير ويأمل في تناوب جديد، وكأنه حنين إلى ماض قريب فترة حكومة التناوب، وكأن الرجل قد نسي أنه فُرض فرضا على رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وتناسى أن فترة ما سمي بالبلوكاج أي الانسداد السياسي التي تسببت في إقالة رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران كانت بسبب رفضه إدخال هذا الحزب للحكومة، ولما أقسم على ذلك في خطاب جماهيري أُقيل وأُبعِد لئلا نقول عُزل وطُرد

لسنا هنا بصدد الدفاع عن حزب العدالة والتنمية “الحاكم”، فقد كان له الاستعداد للتخلي عن مواقع سابقة، والقابلية للتنازل في مقابل الحفاظ على ما أمكن من المكتسبات ، لاسيما وأن مسلسل التنازلات والتراجعات ليس وليد اليوم ، إذ بدأ منذ أفول نجم الربيع العربي، وتَغَوُّل الثورة المضادة، وعلى منوال حدث في بعض البلدان العربية تم استغلال بعض الأطراف المحسوبة على القوى التقدمية والحداثية وللأسف للقيام بالدور القذر.

في الحقيقة يوجد في صفوف اليسار المغربي رجال مناضلون، همّتهم عالية، وطموحهم خدمة الوطن والتقدم به إلى الأمام، وهم يوجدون في كل الأحزاب اليسارية، والمغرب في حاجة إليهم وإلى تواجدهم داخل المشهد الحزبي والسياسي، المغرب بحاجة إلى رجالات في حزب الاتحاد الاشتراكي من أمثال زعيمه السابق عبد الرحيم بوعبيد بمواقفه الوطنية والرجولية ، أو محمد عابد الجابري بنظريته حول ضرورة الكتلة التاريخية وبأفكاره المتنورة ونقده للعقل العربي الذي أصبح اليوم أكثر من أمس بحاجة إلى إعادة الابتكار، أو الحبيب الفرقاني لجلاء دخان الأزمنة المحترقة ( في إشارة إلى ديوانه الشعري)، لكن المغرب في غنىً عمن يبيعون الوهم، ويسوقون السراب، ويروجون لمنطق عفا عنه الزمن ، فما هكذا تورد الإبل، وما هكذا سينتفع الوطن ولا سيسترجع اليسار عافيته، هؤلاء مثلهم مثل ” المُنْبَتّ لا أرضا قطع ولا ظهْرا أبقى”.

*محاضر وكاتب وخبير في الشؤون السياسية المتعلقة بمجال الخبرة.

مؤسس شبكة جمعيات مغرب التنمية ( أوروبا، كندا وأمريكا)، و رئيسها سابقا. ٢٠٠٦-٢٠١٨.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...