يسود نوع من التضارب داخل الحكومة المغربية في شأن احتمال تأجيل الانتخابات البرلمانية والبلدية المقرر إجراؤها أيلول/ سبتمبر، في حال استمر تدهور الحالة الوبائية” وذلك للحيلولة دون أن تسبب الحملات الانتخابية التي تشهد لقاءات بشرية مكثفة في المزيد من الإصابات بفيروس كورونا المستجد.
وإذا كان سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، اعتبر أن تأجيل الانتخابات “قرار سيادي”، ولا حق للحكومة في إقراره، كما قال الأسبوع الماضي لوكالة الأنباء المغربية؛ فإن عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية أكد أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ستجري في موعدها المحدد، وجاء الإعلان عن ذلك في التصريح الصحافي الذي تلا الإعلان عن نتائج الانتخابات المهنية، أول أمس السبت، حيث أشار إلى أن الظرفية الصعبة التي تمر منها البلاد تزامنًا مع الجائحة، لم تمنع من تنظيم انتخابات الغرف المهنية في ظروف وصفها بالمثالية، وهو ما يعني ـ وفق المسؤول الحكومي نفسه ـ أن المغرب بوسعه مواجهة كل التحديات، في أفق بناء المؤسسات الديمقراطية عبر تنظيم الانتخابات المهنية والتحضير لإجراء الانتخابات في مواعيدها القانونية والدستورية.
رفض التشكيك
وقوبل تشكيك سعد الدين العثماني في الأجندة الانتخابية برفض تام من قبل عدد من قادة الأحزاب السياسية، حيث أفادت صحيفة “الأخبار” أن عددًا من الأمناء العامّين غاضبون من تصريحات رئيس الحكومة بشأن تأجيل الاستحقاقات الانتخابية التي تعد مجالاً محفوظاً للعاهل المغربي ولا تدخل ضمن اختصاصاته الدستورية.
ونقلت الصحيفة نفسها عن مصادر مطلعة قولها إن العثماني أوضح لبعض الأمناء العامين أن تصريحاته حملت ما لم تحتمل، وأنه كان يقصد الاحتمالات النظرية ولا يعبر عن وجود سيناريو التأجيل للانتخابات. وأضافت أن أكثر من 5 أمناء عامين اتصلوا بوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت للتأكد من تلميحات رئيس الحكومة التي بناها على خلاصات توصيات اللجنة العلمية.
ومع الارتفاع المستمر لعدد المصابين بالفيروس خلال الأيام الأخيرة، طالب ناشطون ومدونون بتأجيل الانتخابات، بسبب التخوف من تدهور الحالة الوبائية في البلاد، في ظل صعوبة فرض الالتزام بالإجراءات الاحترازية خلال الحملات الانتخابية والتجمعات الجماهيرية التي تنظمها الأحزاب السياسية لتقديم برامجها للمواطنين.
وطالب عدد من المهتمين والمتابعين للشأن السياسي في المغرب من الحكومة تأجيل الانتخابات ريثما يتحسن الوضع الوبائي في البلاد، باعتبار أنه حالياً لا يُسمح بإقامة التجمعات، خاصة أن حدث الاقتراع ليس مجرد حدث عادي. وفي هذا الصدد، انتشرت عشرات التدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي لنشطاء مغاربة يناشدون من خلالها حكومة العثماني بتطبيق الإجراءات الاحترازية حتى على الانتخابات حفاظاً على الصحة والسلامة العامة.
وأكد المطالبون بالتأجيل أن الحفاظ على سلامة المغاربة أهم حالياً من أي شيء آخر، وبالتالي لا مانع في تأجيل الانتخابات للأشهر الموالية في انتظار تحسن الحالة الوبائية. ووجدت الحكومة نفسها في وضع لا تحسد عليه، حيث إن اتخاذ قرار التأجيل ليس سهلاً بمكان في ظل التعقيدات الدستورية وكذا الكلفة المادية الكبيرة التي سيتسبب فيها قرار التأجيل في حال جرى إقراره، يسجل مصدر إعلامي.
وعلاقة بموضوع الانتخابات، ما زال النقاش محتدماً حول مدى انعكاس نتائج انتخابات الغرف المهنية على حظوظ حزب “العدالة والتنمية”، قائد الائتلاف الحكومي الحالي، في الانتخابات التشريعية والبلدية المقبلة، إذ حل في المرتبة الثامنة، بحصوله على 49 مقعداً فقط من أصل 2230 مقعداً في مختلف الغرف المهنية. في المقابل، حل غريمه حزب “التجمع الوطني للأحرار” في المقدمة بـ638 مقعداً، متبوعاً بحزب “الأصالة والمعاصرة”.
ولاحظت صحيفة “هسبريس” الإلكترونية أن صورة الحزب وشعبيته قد تأثرتا كثيراً على بعد أقل من شهر على تنظيم الانتخابات التشريعية والبلدية، حيث لم يحصل سوى على 2.2 في المئة من مجموعة المقاعد في انتخابات الغرف المهنية، بينما يبرر أعضاء الحزب هذه الهزيمة القاسية بكون الحزب الذي يتخذ من “المصباح” شعاراً له، لا يتوفر على رصيد كاف للفوز في مثل هذه الانتخابات.
وقال مصطفى الإبراهيمي، رئيس الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية بمجلس النواب، في تصريح للمصدر المذكور، إن “نتائج الانتخابات المهنية لن تؤثر بالمرة على الحزب ومعنوياته، بحيث مازال الرّهان هو تصدر نتائج الانتخابات التشريعية والبلدية المقررة يوم 8 أيلول/ سبتمبر المقبل”.
وأوضح أنّ هناك فارقاً كبيراً بين الانتخابات التشريعية والانتخابات المهنية، بحيث إن كل مؤسّسة هي مستقلة عن نظيرتها الأخرى، مبرزاً أنه “خلال عام 2015، لم يتبوأ الحزب المرتبة الأولى في الانتخابات المهنية لكنه تصدر الانتخابات التشريعية وحصل على المرتبة الأولى وتمكن من تسيير 80 في المئة من ميزانيات المجالس المحلية المنتخبة”.
ويواجه الحزب نفسه بحصيلة عقد من العمل الحكومي وعدم قدرته على إنتاج سياسات عمومية قادرة على تجنيب المغرب مشاكل اقتصادية واجتماعية عديدة، وهو ما يراه أعضاء الحزب مجانباً للصواب بدفاعهم المتواصل عن إيجابية الحصيلة الحكومية.
ورغم نتائج الانتخابات المهنية وسابقتها النقابية، فإن محدودية الكتلة الناخبة والحضور التقليدي لبعض الأحزاب داخل قطاعات معينة أجلا كثيراً من الاستنتاجات التي تفيد بانتصار طرف على طرف، فيما استقرت قراءات أخرى على الاستعداد الجيد لـ”التجمع الوطني للأحرار” والتصويت العقابي ضد “المصباح”.
واعتبر محمد أمكراز، القيادي في حزب العدالة والتنمية وزير التشغيل والإدماج المهني، أن “الحصيلة مشرفة وجاءت بأشياء غير مسبوقة”، مشيراً إلى أن “الحزب قدم معطياته بهذا الشأن ولم يقدم أي طرف من الخصوم ما يفيد سوء الحصيلة”.
وقال في تصريح للصحيفة المذكورة إن “الخصوم لا يصدرون سوى كلام سياسي عام عن الحصيلة، أما الأرقام والواقع فشيء آخر”، مسجلاً أن ربط نتائج الانتخابات المهنية بالتشريعية والحديث عن التصويت العقابي “أمر خاطئ”.
وأوضح أن حزبه في الانتخابات الماضية “احتل المرتبة الخامسة في الانتخابات المهنية، ثم اكتسح التشريعية والبلدية”، رافضاً قياس الأمرين، خصوصاً أن “المصباح” لا يدبّر قطاعات الفلاحة والصيد البحري والصناعة والتجارة.
واستحضر أمكراز، ضمن التصريح ذاته، كون الانتخابات المهنية ليست مؤشراً، والبداية من الاختلافات على مستوى الكتلة الناخبة، ثم عدم تغطية حزبه لكافة الدوائر، واصفاً حضوره في هذه الانتخابات بالضعيف.
تصويت عقابي
أما خالد البكاري، المحلل السياسي والفاعل الحقوقي، فاعتبر أن البناء على الانتخابات المهنية أمر صعب، لكن التراجع الذي سجل في أصوات حزب “العدالة والتنمية” له دلالات عديدة، مسجلاً أن “المصباح” لم يحتفظ بأصوات السنوات الماضية، بل فقد العديد منها.
وأوضح أن هناك توجها نحو تصويت عقابي ضد الحزب المذكور، خصوصاً أن هذه النتائج السيئة برزت كذلك في الانتخابات الجزئية خلال السنوات الماضية، ثم في انتخابات النقابات التي منيت فيها نقابة “الاتحاد الوطني للشغل” (التابع للحزب) بهزائم.
وأشار إلى أن أهم نقطة يمكن استنتاجها من الانتخابات المهنية هي الإنزال القوي للمال والقوة وإفساد العملية الانتخابية، مسجلاً أنه من المرتقب أن تشهد الانتخابات التشريعية الأمور نفسها، بدخول الأعيان والأموال بقوة.
في حين يرى المحلل السياسي مصطفى السحيمي، أنه لا علاقة مباشرة بين الانتخابات المهنية والتشريعية، “فالأحزاب التي انتصرت الآن مثل التجمع الوطني للأحرار لها حضور تاريخي في القطاع التجاري والخدماتي، خصوصاً الفلاحة والتجارة والصناعة”.
وأضاف أن “سوسيولوجيا هذه الأحزاب أفرزت نتائج عادية”، مشيراً إلى أن معطى غياب الشباب والعاطلين والقطاع غير المنظم أساسي لعدم ربط هذه النتائج بما سيجري في انتخابات أيلول/ سبتمبر.
وأردف بأن “الأحرار لهم كتلة ناخبة ثابتة في هذه القطاعات، والعكس مثلاً بالنسبة لأحزاب اليسار، التي لم تحصد نتائج كبيرة، والسبب يبقى عدم توفرها على ناخبين كثر من فئة التجار، بل يكون حضورها قوياً على مستوى قطاع الوظيفة العمومية”، وفق ما نقلت عنه صحيفة “هسبريس”.
أما موقع “الأيام 24” فقدم قراءته الخاصة لسيناريوهات الانتخابات المقبلة، مشيراً إلى أنه رغم قيادة “العدالة والتنمية” للحكومة خلال ولايتين متتاليتين، فإن الحزب يخوض انتخابات الثامن من أيلول/ سبتمبر بنفس حماسته المعهوده، واضعاً نصب عينيه الظفر بولاية ثالثة، رغم كلفتها السياسية، برأي البعض.
لكن المؤشرات الأولية المتوفرة ـ يلاحظ المصدر المذكورـ تُرجح أن يفقد الحزب “الدعم اللامشروط” الذي كان يحصل عليه في السابق من شريكه الدعوي حركة “التوحيد والإصلاح”، خاصة بعد تعميم قيادة هذه الأخيرة توجيهاً داخلياً على جميع أعضائها، تدعوهم من خلاله إلى عدم التردد في مراسلتها بشأن أي اعتراض على مرشحي الحزب في الدوائر الانتخابية، وذلك من أجل إبلاغ قيادة الحزب بالملاحظات المسجلة بشأنهم، تمهيداً لسحب دعم الحركة لهم في الحملة الانتخابية.
ومن المسائل التي قد تؤثر سلباً على أداء “المصباح” في الحملات الانتخابية، تنصيص “توجيه” التوحيد والإصلاح على منع ترشيح أي مسؤول تنفيذي بالحركة في مختلف الجهات والأقاليم والمحليات، فضلاً عن منع مشاركتهم في الحملات الانتخابية.





