*د. الحبيب ناصري
تقديم
لأول مرة يملك المغرب وثيقة إطار تعاقدية وتوافقية تهم قطاع منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. القانون الإطار 51.17 صادقت عليه كل المكونات الممثلة للأمة المغربية. وثيقة ساهم في صياغتها وبلورتها وتنقيحها العديد ممن لهم علاقة بتدبير القطاع ومن يمثله ومن يبحث فيه. هذه الوثيقة، هي اليوم مرجعية تشريعية ملزمة ومجبرة لكل من يدبر القطاع محليا وجهويا ووطنيا. لم يعد من السهل الاشتغال ولو جزئيا خارج المواد المكونة لهذه الوثيقة لما لها صبغة قانوينة ملزمة.
لا داعي إلى التأكيد على كون ربح رهان تجديد منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، هو رهان مصيري ومستقبلي لاسيما في ظل هذه الجائحة التي استخلص منها العالم بأكمله العديد من الدروس والعبر. ربما لأول مرة في تاريخ الإصلاح التربوي المغربي، سيجد المسؤول الوزاري عن القطاع، ومهما كانت مرجعياته السياسية ووعوده الانتخابية، نفسه أمام وثيقة تعاقدية عليه البحث في تنفيذ مكوناتها والتفكير في الصعوبات التي وجدها بعض المسؤولين الآخرين، بغية الاجتهاد في الحلول وداخل الوثيقة نفسها وليس من خارجها.
حول مكونات الوثيقة
ديباجة وعشرة أبواب وتسع وخمسون مادة، هي خريطة طريق هذه المنظومة التربوية المغربية ككل والتي تلامس كل القضايا الخاصة بالتربية والتكوين والبحث العلمي. على الإعلام المغربي، وبكل مكوناته العامة والخاصة، وبكل عناصره الورقية والإلكترونية والسمعية البصرية ، الخ، أن يعمق الاهتمام بهذه الوثيقة ويقدم شروحات دائمة وبشكل مستمر ومواكب لكل مكونات هذا القانون الإطار، لأنه قانون يهم المجتمع المغربي وبكل مكوناته وفئاته ومستقبل هذا المغرب العزيز والمراكم للعديد من التحديات التاريخية والحضارية والثقافية وعبر العصور.
إرساء مدرسة جديدة مفتوحة أمام الجميع وتحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة للجميع وتجديد المنظومة وتطوير التكوين والبحث العلمي وإقامة الجسور بين كل هذه المكونات، وتخويل تمييز إيجابي لفائدة الأطفال في المناطق القروية وشبه الحضرية، الخ، أهم الاهداف العامة المتوخاة من خلال هذا القانون الإطار ككل.
هذه القانون الإطار، يحتاج في حقيقة الأمر ، لأيام دراسية وللتأليف فيه وحوله، في أفق فهم وتفصيل كل جوانبه التي قدمت بلغة مفاهيمية ومكثفة وداله وراغبة في تحقيق مدرسة مغربية جديدة ومساهمة في تكوين وتطوير الرأسمال البشري المغربي.
عناصر الإبداع في هذا القانون
من الممكن مقاربة هذه الوثيقة من زوايا تحليلية متعددة. هي في الحقيقة مادة خصبة للتحليل وتفكيك طبيعة متنها المفاهيمي الخ. وهو ما نحن بصدده من خلال تأليف مؤلف خاص بهذا القانون الإطار. لكن في هذه المقالة المكثفة، سنحاول تنوير القارئ الكريم وكل من له صلة بسؤال التربية والتكوين والبحث العلمي- ونحن على أبواب دخول مدرسي وجامعي جديد- من خلال تبيان أهمية الإبداع وكيفية حضوره في هذه الوثيقة. قد يتساءل القارئ الكريم ولماذا بالضبط عنصر الإبداع؟.
ببساطة، لأن عنصر الإبداع هو العنصر المكن أن نقيس به نوايا وقصدية أي وثيقة تربوية هادفة إلى تطوير التربية وما يرتبط بها. الإبداع وعبر كل العصور، هو المحرك لقدرات الإنسان وتطوير طاقاته في أفق الانخراط في بناء مجتمعه. من الصعب وفي كل أنحاء العالم، تحقيق أي قفزة بناء في هذا العالم بمعزل عن الإبداع. كل المجتمعات التي تقدمت (كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة، الخ)، انطلقت من سؤال الإبداع وفي التربية أولا.
الإبداع شرط من شروط الرقي بالحياة والإنسان ككل. المدرس الذي لا يبدع، هو موظف ميكانيكي سيرهق نفسه ومتعلمه. المدير الذي لا يبدع في أساليب تدبيره لمؤسسته في أفق أنسنتها، هو مدير معرقل لحياة مؤسسته. المتعلم الذي لا يبدع في فهمه لدروسه وحياته محكوم عليه بالسير في طريق قد يحقق ما تسعى إليه أسرته، كأن يصبح طبيبا أو مهندسا (الثنائية المقدسة لدى الأسرة المغربية)، لكن من الصعب عليه أن يتذوق الحياة وجمالها، لأنه لم يتعلم ولم يرسخ لديه كيف يبدع في كل محتوياته البيداغوجية والحياتية. فلا تربية لمن لا إبداع له. بل إن التربية في معنى من معانيها، إن لم أقل جوهر كينونتها، فهو مرتبط بالإبداع.
ونحن نقرأ القانون الإطار المتحدث عنه هنا، من الممكن القول، إننا فعلا أمام وثيقة انتبهت إلى الإبداع وأدركت قيمته بل وركزت عليه بشكل دقيق ومن خلال مجموعة من الأبواب والمواد. هنا سنقدم أهم أشكال تواجد هذا الإبداع في هذا القانون الإطار، وهدفنا هنا طبعا أن ننبه بدورنا لاسيما المدرس الذي عليه أن ينظر إلى الإبداع أنه شرط من شروط البحث عن مدرسة جديدة. بل ولعمري إن الإبداع هنا هو البوابة الكبرى الممكن الرهان عليها لتحقيق العديد مما جاء في هذه الوثيقة الوطنية المهمة والنوعية والتي من الممكن القول إنها انتشلت على الأقل مدرستنا المغربية من قبضة التدبير العشوائي وأرهنت الجميع بخريطة طريق لا يسمح باللعب خارجها بل الكل ملزم بها مهما كان منصبه ومهما كانت تعاقداته الإدارية، الخ. بل حتى المتابعة والمحاسبة تتم بناء على هذه الوثيقة التعاقدية ومدى تمكننا من تنزيلها على تربة تربوية مغربية لتكون خصبة ونافعة للجميع.
منذ التعريفات الأولية، الواردة في هذه الوثيقة، نجد أنفسنا أمام عدة مفاهيمية مهمة وموضحة
لقصدنا في هذه المقالة. نقرأ مثلا في الصفحة رقم 3 أن هذا القانون الإطار مطالب بالعمل على :
– تجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير.
– إصلاح التعليم العالي وتشجيع البحث العلمي والتقني والابتكار.
– اعتماد نموذج بيداغوجي موجه نحو الذكاء، يطور الحس النقدي وينمي الانفتاح والابتكار ويربي على المواطنة والقيم الكونية.
كلما تقدمنا نحو أبواب ومواد هذه الوثيقة، إلا ونجد العديد من التفصيلات النوعية والمهمة والممكن الرهان عليها، هنا، في كوننا أصبحنا ملزمين بالتفكير في كيفية الإبداع في دروسنا وأنشطتنا وتدبيرنا لكل مرافق الحياة المدرسية.
ضمن مبادئ منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي وأهدافها ووظائفها (المادة 3)، نجد ما يلي :
– التشجيع والتحفيز على قيم النبوغ والابتكار في مختلف مستويات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ومكوناتها، من خلال تنمية القدرات الذاتية للمتعلمين، وصقل الحس النقدي لديهم، وتفعيل الذكاء، وإتاحة الفرص أمامهم للإبداع والابتكار، وتمكينهم من الانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل.
– احترام حرية الإبداع والفكر، والعمل على نشر المعرفة والعلوم، ومواكبة التحولات والمستجدات التي تعرفها مختلف ميادين العلوم والتكنولوجيا والمعرفة.
وضمن المادة الرابعة، نجد مرة أخرى ما يلي :
– تحقيق الانسجام مع الخيارات المجتمعية الكبرى، وضمان الانفتاح الضروري، والمواكبة اللازمة لمستجدات العصر في مجال الإبداع والابتكار.
ضمن المادة 23 نجد أيضا:
– تعبئة الموارد المالية اللازمة وتعزيز الشراكات وتكثيف التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، لتمويل برامج ومشاريع محو الأمية وتشجيع الإقبال على التعلم والتثقيف…
كلما تقدمنا نحو وسط أو اقتربنا من نهاية قراءة هذا القانون الإطار، إلا ويستحضر بشكل دقيق العديد من العناصر المباشرة أو غير المباشرة وذات الصلة بسؤال الإبداع. ففي المادة رقم 28، نجد ما يلي :
– إلزامية إدماج الأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية في صلب المناهج التعليمية والبيداغوجية والتكوينية.
فهل وصل صدى هذا السطر/الإلزامية إلى كل ممارس للعملية التعليمية التعلمية أم لا؟.
لنكتف فقط بما استخرجناه من عناصر لها ارتباط وثيق بالإبداع في هذا القانون الإطار الذي هو اليوم وثيقة تعاقدية مجتمعية ملزمة للجميع وغير قابلة لأي تعديل أو تغيير إلا بعد فترة زمنية محددة وبعدها ستتم العودة إلى الهياكل القانوينة لطرح ما يمكن طرحه من تعديل أو تغيير أو حذف نهائي واستحضار قانون إطار جديد. على الأقل وإلى حدود سنة 2030، لن نعطي الفرصة للأمزجة الخاصة لكي تفعل بمنظومتنا التربوية ما يحلو لها.
يبدو ومن خلال هذا أن الإبداع اليوم شرط من شروط تجديد الدرس والمدرسة ومدرسها ومديرها ومتعلمها ومن لهم صلة بكل هذا. لم يعد من الممكن التعامل مع الإبداع من زاوية ثانوية. تحفيز المتعلم على الإبداع في تعلماته وداخل الحصة الدراسية، بعد ديداكتيكي لابد منه.
الإبداع وبكل حمولاته المتعددة عليه اليوم أن يكون حاضرا في صلب العملية التعليمية التعلمية. أن أبدع كمدرس في تجديد درسي هو شرط من شروط المهنة. أن أوظف الصورة مثلا في مرحلة من مراحل درسي هو اليوم ليس بذخا تربويا بل هو لازمة تربوية وديداكتيكية. أن أمسرح بعض التعلمات هو اليوم جزء ضروري من جذاذتي التي خططتها في المنزل وعلي تدبيرها في القسم. أن أبدع في كل أنشطتي داخل القسم هو اليوم جزء أساسي من بناء تعلماتي. أن أوظف السينما أو أصور مشهدا مبنيا على تعلم من التعلمات هو اليوم نشاط وورشة لابد منهما.
متى نستوعب أن الأنشطة الإبداعية ليست فقط أنشطة موازية خارج الدرس وبمناسبة وطنية أو دينية، الخ ؟. متى نستوعب أن التجديد البيداغوجي والتفكير في صيغ تفتح “شهية” المتعلم، هو اليوم جزء أساسي من تكوين المدرس الأساس داخل مراكز التكوين وهو اليوم ضرورة أيضا من ضرورات التكوين المستمر الذي ركز عليه هذا القانون الإطار وبشكل واضح؟.
المدرس المبدع لايشيخ ولا يتعب ولا يرهق نفسه، بل الإبداع سر من أسرار جعله دوما شابا وحيويا حتى ولو بقيت أيام معدودة ويحال على التقاعد. الشيء نفسه بالنسبة لمدير مؤسسته ولكل من له صلة بسؤال التربية والتكوين والبحث العلمي.
تجديد الدرس ومالحاضرة والأنشطتك التربوية والبحثية والتكوينية، الخ، مدخل حتمي علينا الوعي به والتفكير في كيفية القبض على عناصره واشتغالها. لعمري، خارج هذا الشرط، نكون قد ضيعنا فرصة تاريخية منحها لنا جميعا هذا القانون الإطار الذي هو وثيقة مجتمعية شاركت فيه كل القوى التي لها صلة بثلاثية التربية والتكوين والبحث العلمي.
منافع عديدة نحصدها بجعل الإبداع وسيلة ديداكتيكية داخل القسم. يكفي أننا هنا سننتشل المتعلم من “ثقافة” العنف والتطرف وسنجعله مقبلا على الحياة ومحبا لها ومتمسكا بقيمه الوطنية والدينية المعتدلة والمتسامحة والمتعايشة مع الجميع مما سيحقق له قيمة كونية مهمة ومفيدة له ولوطنه، بل سنعلمه ثقافة النقد والتفكيروالتربية على الجمال.
ثقافة النقد والتفكير والتربية على الجمال، من الصعب على مدرستنا الوصول إليها بمدرس غير مجدد وغير مجتهد ومحب هو أولا للإبداع ومتعطش وحازم أمتعته لحضور مسرحية أو مهرجان سينمائي أو مشارك في معرض دولي تشكيلي أو مساهم في جمعية ثقافية أو مجربا لإخراج فيلم وثائقي أو روائي، صحبة متعلميه وفي ساحة المدرسة أو في مرفق من مرافقها (على سبيل التمثيل لا الحصر)، وله صلة أولا بالتعلمات المسطرة، وعبرها، يمكن للمتعلم السفر في مخيال الإبداع ولوحده أو بشكل جماعي مع رفاقه داخل القسم.
ويبقى الإبداع المدخل الحقيقي لتنزيل العديد مما جاء في القانون الإطار باعتباره وثيقة تعاقدية مغربية مجتمعية.
*المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين
الدار البيضاء





