انتخابات 8 شتنبر في المغرب…محاولة للفهم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د.سعيد الغماز

 

 

راكم المغرب تجربة في الانتخابات جديرة بالدراسة والتحليل. فمنذ الاستقلال كانت الحكومات تتشكل وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع. نتحدث هنا عن تاريخ الانتخابات في بلادنا وليس عن مدى نزاهتها وشفافيتها، فهذا موضوع كُتب فيه الكثير وقصته معروفة عند الكبير والصغير. انتخابات 8 شتنبر تميزت بأمرين اثنين جعلا منها استثناء انتخابيا غير مسبوق: الأمر الأول يتجلى في حزب يشكل القوة السياسية الأولى في البلد، حقق في 2016 عددا من المقاعد البرلمانية لم يسبق أن أحرزها أي حزب في تاريخ الانتخابات في المغرب، يسقط سقوطا مدويا ويفقد جميع الجماعات والجهات التي كان يدبرها، بل لم يعد قادرا حتى على تشكيل فريق برلماني، وهذه النتيجة هي في الحقيقة غريبة وغير مفهومة وتحتاج للرجوع إلى تاريخ حزب العدالة والتنمية مع الانتخابات لفهم ما جرى. الأمر الثاني يكمن في حزب معروف أنه من صنيعة الدولة في سبعينيات القرن الماضي ويشتغل بنمط الاحزاب الإدارية، وقوته السياسية معروفة وبقائه في الساحة السياسية كان دائما رهينا بمدى دعم الدولة له وطبيعة الأدوار التي تُسند له. هذا الحزب انتقل بشكل صاروخي من حزب متوسط إلى القوة السياسية الأولى متقدما عن باقي الأحزاب بأعداد كبيرة من الأصوات. ولو لا القاسم الانتخابي الجديد لحصل على الأغلبية لوحده وربما كان سيكون بإمكانه تشكيل الحكومة لوحده دون الحاجة للتحالف مع أحزاب أخرى.

هذا السقوط الحر لحزب العدالة والتنمية نجد جزءً من تفسيره في تاريخ الحزب مع الانتخابات والذي تميز بصراع دائم مع أطراف في الدولة تسعى دون كلل ولا ملل من أجل تحجيم قوته وتقليص تأثيره في الساحة السياسية. بدأ صراع الحزب مع هذا الجناح في الدولة بما تعرض إليه من ضغوطات لتحجيم مشاركته في انتخابات 2003. وفي 2009 تم تأسيس مجموعة G8 التي تحولت إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي استفاد من دعم رهيب من الدولة بهدف واحد هو الإطاحة بحزب العدالة والتنمية. لكن الناخب المغربي قال كلمته بقوة ضد هذا التدخل في الانتخابات وبوَّأ البيجيدي المرتبة الأولى في انتخابات 2011 و2016. في 2017 لم تجد دوائر في الدولة بدا من الإطاحة بزعيم حزب العدالة والتنمية، فسخرت رئيس حزب الأحرار ليقود ما يعرف بالبلوكاج الذي أسقط بنكيران وتم تعيين سعد الدين العثماني بدلا عنه في رئاسة الحكومة. سنة 2021 هي سنة الانتخابات وهي السنة التي ستعرف إجراءات غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات المغربية. يتقدم هذه الإجراءات اعتماد قاسم انتخابي جديد لا يوجد إلا في بلد واحد في العالم هو المغرب، وإلغاء العتبة لتكريس بلقنة المشهد السياسي. وتنتهي سلسلة هذه القرارات لضمان تحجيم قوة الحزب، بإجراء الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية في يوم واحد. ولم تكن قيادة حزب العدالة والتنمية تتحلى بالذكاء اللازم، فلم تتصدى لهذا القرار بالقوة اللازمة، ولم تكن تعي بأن الهدف من جمع ثلاثة انتخابات في بوم واحد هو استغلال بعض القرارات اللاشعبية التي اتخذتها الحكومة لمعاقبة الحزب في الجهات والجماعات، وهو ما حصل بالفعل. ويبدو أن هذه الدوائر في الدولة لم تكن تثق بشكل كامل في هذه الإجراءات خاصة بعد خرجة الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية على بعد يومين من الاستحقاق الانتخابي. وبلغ الإرباك الذي حل بهذه الدوائر مستوى اعتماد قرارات آخر لحظة حيث تم إبلاغ الأحزاب السياسية قبل يوم واحد على موعد الانتخابات، بالسماح للأحزاب السياسية بنقل الناخبين يوم الاقتراع وبقبول التصويت فقط بنسخة من بطاقة التعريف الوطنية. هذه القرارات التي تم اتخاذها في آخر لحظة وبشكل مرتبك، هي قرارات واضحة الأهداف ولا تستحق المزيد من التوضيح.

لكن نتائج الحزب في الاستحقاقات الأخيرة لا تتعلق فقط بإرادة الدولة في تحجيم قوته دون شطبه تماما من المشهد السياسي، بل هناك سبب ثاني مرتبط بأداء الحزب في تسييره للشأن العام، وبقرارات لا شعبية أضرت بفئة عريضة من الطبقة الوسطى. ويمكن إضافة بعض القرارات التي انخرطت فيها قيادة الحزب كالتطبيع واللغة الفرنسية في التعليم وتقنين القنب الهندي. وهو ما جعل شرائح واسعة من الداعمين والمتعاطفين مع الحزب يشعرون باليأس ويجدون أمامهم حزبا آخر بعيدا عن روحه ومبادئه. يجب كذلك أن نشير إلى أن الحزب دخل الانتخابات بنصف أعضائه بعد الصراعات التي شهدتها لوائح الترشيحات، وقامت الأمانة العامة بحسمها لصالح فئة دون الأخرى، وهو ما سبب في تراجع الكثير من أعضائه إلى الخلف كتعبير عن غضبهم من تلك القرارات وطريقة حسم الخلافات.
في المقابل، تعاملت الدولة مع حزب التجمع الوطني للأحرار بذكاء كبير، حيث تم الترويج لحصيلة وزرائه في الحكومة والتملص من الحصيلة الحكومية بما فيها بعض القرارات التي تمس جيوب الطبقة الوسطى. وقد ساهم الإعلام في هذا الأمر بشكل كبير حيث كان يربط حصيلة الحكومة برئيسها سعد الدين العثماني، ونجح في التأثير على مخيلة الرأي العام بحيث أصبح يربط كل قرار يرفضه الشارع برئيس الحكومة وحزبه دون باقي الأحزاب المشاركة في هذه الحكومة. لقد نجحت الخطة الإعلامية في تحميل كل قرار مرفوض شعبيا لرئيس الحكومة ولحزبه، والترويج لكل قرار مطلوب شعبيا بأنه من إنجاز وزراء التجمع الوطني للأحرار.

قلنا في بداية المقال بأن نتائج هذه الانتخابات غريبة وغير مفهومة، وذلك لكوننا إذا اعتبرنا أنها تصويت عقابي وتعبير عن حصيلة حكومية هزيلة، فكيف يتم معاقبة حزب وحيد في الحكومة والتصويت بكثافة لحزب آخر مشارك في الحكومة ويتحمل مسؤولية قراراتها وطبيعة حصيلتها. التصويت الحر والمسؤول لا يمكن بتاتا أن تصدر عنه هذه النتيجة المخالفة للمنطق وللعقل. لذلك يجب البحث عن الأسباب خارج الدائرة الانتخابية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...