*بقلم.. الدكتور حسن مرهج
لا شك بأن القمة الروسية التركية ستكون مهمة بالنسبة للوضع العسكري والسياسي في سوريا، ولا يمكن فصلها عن الحراك الدبلوماسي الذي بدأ بزيارة العاهل الأردني عبد الله الثاني إلى روسيا، وكذلك الاجتماعات الروسية الأميركية حول الوضع في سوريا، إضافة إلى زيارة وزير الدفاع السوري إلى الأردن، وما تبعها من زيارة الوفد الحكومي السوري إلى عمان، لمناقشة ملفات وأوراق اقتصادية وسياسية، كل ذلك، تؤطره مساعٍ إقليمية ودولية، لتبريد ملفات المنطقة، والبحث عن حلول توافقية مستدامة، تكون دمشق عنوانها الأبرز.
لكن ضمن ما سبق، ومن منطلق الواقعية السياسية، ثمة تحديات وهواجس تُحيط بمشهد شمال شرق سوريا، إذ لا يزال ملف إدلب، مثار بحث وجدال، وساحة لحالة من الكباش الإقليمي والدولي، الأمر الذي وضع دمشق، أمام سيناريو واضح لجهة العمل سياسياً أو عسكرياً، لإخراج ملف إدلب من بوتقة التجاذبات بين القوى الفاعلة والمؤثرة في الملف السوري، وبالتالي، فإن التصعيد في ادلب، لا يعدو عن كونه ورقة سياسية ضاغطة، يأمل الجميع استثمارها على أي طاولة مفاوضات، وفي المقابل، فإن الاستهدفات المركزة التي شنتها القوات السورية والروسية، ضد مراكز عمليات تابعة للفصائل الإرهابية في إدلب، قابلها، التعزيزات العسكرية التركية مع التصعيد العسكري الذي تشهده إدلب منذ أكثر من شهرين، وتتصاعد حدته قبيل انعقاد القمة الروسية التركية في موسكو، التي يتوقع أن ينضم إليها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، نهاية الشهر الجاري.
وفي الأسابيع الأخيرة، لجأت قوات الجيش السوري إلى قصف مدفعي استهدف جبل الزواية، والمناطق المتاخمة لنطاق سيطرتها في ريف حلب الغربي. كما استهدف الضربات الروسية بشكل مكثف، مواقع لقوات المعارضة، بالمقاتلات الحربية في جبل الزاوية أيضا، وفي عمق محافظة إدلب؛ هذا التصعيد فتح الباب أمام تساؤلات حول نية القوات السورية قضم منطقة جديدة من إدلب، كما جرت العادة منذ عام 2018، حيث تشرع قوات الجيش السوري بعمليات عسكرية بعد غارات روسية مكثفة تفضي أخيرا إلى السيطرة على مناطق واسعة من إدلب، وما يتصل بها من أرياف من محافظات حماة وحلب.
لسياسة القضم تلك وصلت بحسب مصادر مطلعة، إلى مرحلة “بالغة الخطورة” بالنسبة للفصائل الإرهابية المدعومة تركياً؛ فبحسب قيادي فيها، فإنها لن تقبل بأي حال من الأحوال بخسارة جبل الزاوية وقمة جبل الأربعين التي تتصل معه جغرافيا، وفق تعبيره، لما لها من أهمية إستراتيجية تهدد وجود الفصائل ككل في مدينة إدلب، ومناطق واسعة من شمالي غرب سوريا.
وأضافت المصادر السابقة، أن الجانب التركي أبلغهم أن أنقرة ردت على طلب موسكو بفتح الطريق الدولي بين اللاذقية وحلب المعروف بطريق “إم 4” (M4)”، بمطالبة روسيا بالعودة إلى اتفاق “سوتشي” لعام 2018، الذي يضمن عودة النازحين إلى المناطق التي خسرتها المعارضة حول الطريق الدولي بين دمشق وحلب والمعروف بطريق “إم 5”.
في جانب آخر، فإن الوقائع على الأرض تشير صراحة، إلى أن القوات السورية، تتحضر لعملية عسكرية كبيرة، خاصة إن الوضع الميداني بإدلب يكشف أن التفاهمات بين أنقرة وموسكو وصلت إلى طريق مسدود، وبالتالي لا يمكن أن يتوصل الطرفان لاتفاق جديد، وأن موسكو تحاول الضغط عن طريق القصف لتحصيل مكاسب أكبر خلال هذا الاتفاق .
ضمن ذلك، فإن المعركة القادمة في إدلب إن وقعت، لن يقدر أحد على توقع نتائجها وتبعاتها التي قد لا تتوقف ضمن الحدود السورية، وذلك بالنظر إلى أن الجانب التركي قد زجّ بقوات قتالية ضخمة جنوب إدلب؛ كل ذلك يُعيدنا إلى القمة الروسية التركية التي ستحتضنها موسكو، والتي ستؤسس لمشهد جديد في شمال شرق سوريا، وإدلب على وجه الخصوص، كما أن المخرجات المتوقعة لهذه القمة، ستكون في إطار تثبيت الوضع الميداني في إدلب، مقابل ترتيبات سياسية في سوريا، أو في بقية الملفات بين الجانبين، أو أن يستمر التصعيد العسكري الذي سيتحول إلى مواجهة شبه مباشرة، بما يعنيه ذلك من الدخول في نفق ضيق من العلاقات الروسية والتركية.
حقيقة الامر، إن التوصل لتفاهم شامل بين الأطراف الفاعلة في سوريا سيكون بطيئا، وسيحتاج إلى وقت طويل، بسبب تداخل الملفات وتعقيدها ونقص الثقة بين الأطراف المتنازعة، لكن وضمن رغبات دمشق، ثمة مفاجأت سياسية ومثلها عسكرية، يتم التحضير لها والعمل عليها، لكن في انتظار مرحلة ما بعد قمة بوتين أردوغان.
*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط





