*الدكتور شنفار عبدالله
في حديث الرسول ﷺ: “يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”.
لم يذكر الرسول ﷺ (الإسلام) في هذا الحديث؛ لأنه في الأصل يولد عبارة عن صفحة بيضاء؛ أي فطرة الإسلام، والمحيط والمجتمع هما من يعملان ويساهمان في تأطيره ثقافيًا واجتماعيًا وأيديولوجيًا وفكريًا؛ سواء بشكل إيجابي أو سلبي؛ بحكم أنه من طبع الإنسان نزعة البحت عن التميز وحب الذات.
شيء طبيعي جدًا؛ عند تدريس مادة التاريخ في المؤسسات والمدارس الحربية والأكاديميات والمعاهد العسكرية والشبه عسكرية؛ أن نذكر المتدربين ببعض الوقائع والأحداث بالنظر لأهميتها؛ من أجل أخذ العبرة؛ من ابتلاءات وتحارب أصابتنا؛ أو لشعوب وأمم أخرى.
ونستحضر أمثلة:
* في فرنسا يطرح السؤال حول الأخطاء التي ارتكبها الامبراطور (نابليون بونبارت) بغزوه (روسيا) وأدت إلى هزيمته؛ من أجل استنتاج العبرة منها لتفاديها مستقبلًا من طرف الأجيال..!؟
* وفي إيطاليا سؤال التاريخ يتمحور حول الخطأ الجسيم الذي ارتكبه (نيرون) بإحراقه مدينة روما؛ أعظم حضارة في التاريخ الذي جلب عليه حقد وكراهية العامة من الشعب..!؟
* وفي ألمانيا يطرح السؤال في مادة التاريخ حول الأخطاء الفادحة التي ارتكبها (هتلر) بغزوه موسكو وصور الإبادة التي قام بها..!؟
* في اليابان يبدأ الدرس في مادة التاريخ عندهم بسؤال: بما هي الأخطاء الكبرى التي ارتكبت؛ ولماذا مجازفة الإمبراطور الياباني (هيرو هيتو) إبان الحرب العالمية الثانية التي كلفته إلقاء القنبلة الذرية الأمريكية على مدينتي؛ (هيروشيما) و(نكازاكي)..!؟ وجعلتهم يتعرضون إلى هجوم بالأسلحة النووية؛ دون أن يأخذ العالم كله بهم رحمة أو رأفة..!؟
* ويدرسون أيضًا استعمال الدهاء الاستراتيجي العسكري في عملية انسحاب الجيوش من أرض المعركة، من طرف القائد العظيم خالد بن الوليد، رحمه الله، في معركة (مؤتة).
* (…) وغيرها من الاحداث ووقائع الابتلاءات والتجارب في حياة الشعوب والأمم؛ من أجل الاعتبار.
لكن الشيء الغير طبيعي؛ هو تدريس التنشئة بالمساجد والمدارس والمعاهد والكليات والمؤسسات التعليمية والتربوية؛ وتلقينها شتى الدروس في العداء؛ وتربية وإنتاج أجيال مشحونة بالحقد والكراهية.
وذلك عبر صور الحجب والتمرير والحذف وأشكال صور التصرف في المعطيات التاريخية بالزيادة فيها والنقصان. أو النفخ فيها من أجل رفع المعنويات والتغني بالأمجاد. أو صور التبخيس والتنقيص للحط من عظمة الأشخاص والأحداث والوقائع التاريخية؛ حيث الخبر التاريخي يحتمل وجهي الصدق والكذب.
في الأنظمة العسكرية؛ من استيقظ هو الأول باكرًا؛ يقوم بانقلاب ويحكم البلاد والعباد ويوقف العمل بالدستور والمؤسسات ويحل الحكومة والبرلمان..
النظام العسكري المستبد، هو فاقد للشرعية والمشروعية، ولا يعرف شيء اسمه حسن النوايا!
من صفاته أنه لا يترك أية فرصة لمن لديهم طموح في التغيير؛ ولا حتى فرصةً لالتقاط أنفاسهم!
فهو مغتصب لكل درة نفيسة، ويظنّ أنّ صاحبها سيدركه لا محاله، فهو لا يسرقها فقط؛ بل يحاول تصفية وقتل صاحب الحقّ.
في تصنيف المخلوقات من حيث التفكير؛ احتل تفكير العسكر الرتبة الثالثة بعد الحيوانات..
القولة الشهيرة: “علمت الناس العلم ولم أعلمهم الأخلاق” لعالم الرياضيات والفيزياء ألبرت أنشتاين؛ ما هو سبب نزولها؟
أثناء عمله على تطوير برنامج الأسلحة النووية والطاقة النووية؛ الذي أدّى بالعالم أينشتاين إلى اكتشاف الصلة بين الطاقة والكتلة، والذي عَبّر عنه في معادلته الشهيرة التي تتجلى في: (الطاقة= الكتلة×في مربع سرعة الضوء.) إلى تفسير انطلاق الطاقة جرّاء فصل أنوية الذرات.
ومن خلال مشروع مانهاتن؛ أُطلق اسم المشروع على مجموعة من الجامعات الأمريكيّة التي أوكلت إليها مهمّة القيام بالدراسات والأبحاث المتعلّقة بصنع القنبلة النوويّة، ومن ضمنها جامعة كولومبيا في مانهاتن، وجامعة شيكاغو، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي؛ وكان ذلك في سنة 1942، بسبب البحث عن التفوق العسكري جراء الحرب العالمية الأولى والثانية.
هذا؛ وخلال تلك السنوات أُجريت العديد من الدراسات والأبحاث الذريّة في العديد من المواقع في أنحاء الولايات المتّحدة الأمريكية. وقد أُجريَت التجارب الأوليّة في (لوس ألاموس)، حيث كلّف هذا المشروع الولايات المتحدة الأميركية، ما يقارب 2 مليار دولار، وشغّل حوالي 120 ألفاً من الأيدي العاملة.
وكان الهدف منه هو صنع قنبلة تقضي على النظام العنصري (النازي) ومسحه من على خريطة الكرة الأرضية.
هذا؛ ولما اندحرت ألمانيا وانهزمت؛ لم يعد انشطاين مقتنعًا بإتمام البرنامج بسبب انعدام وجود السبب الذي كان ورائه؛ وانعدام الجدوى منه. فحاول إقناع المؤسسة العسكرية بذلك؛ لكن بدون جدوى؛ فانسحب من البرنامج.
هذا، وقد مان لانسحابه آثار سلبية؛ وهو أن صنعت قنبلتين هيدروجينية تقليدية دفعت ككتلة واحدة على الأخرى؛ فضربت بها مدينتي (ناكازاكي) و(هيروشيما) باليابان؛ والجميع يعرف نتائج ما خلفه القصف والكارثة الإنسانية!
حينها قال أنشتاين بوجود ثلاث أنواع من المخلوقات من حيث التفكير:
– تفكير الإنسان في الدرجة الأولى؛
– والتفكير الحيواني في الدرجة الثانية؛
– والتفكير العسكري في الرتبة الثالثة؛
وأردف يتجرع اليأس ويمضغ اللوعة ويجتر الإحباط؛ قائلا: “علمت الناس العلم ولم أعلمهم الأخلاق.”
*مفكر وكاتب مغربي





