كم أنت عظيم يا مغرب العز بين الأمم..! في ازدواجيّة المعايير: التطبيع عيبٌ مغربي فقط..!؟
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
عجيب..! تطبّع مصر مع إسرائيل منذ سنة 1979، فسكتت الدنيا وأمّ الدنيا. ويوقّع الأردن معاهدة السلام سنة 1994، فسكتت الدنيا. وتدخل الإمارات والبحرين والسودان في مسار التطبيع سنة 2020، فلم تقم القيامة.
وتعترف تركيا بإسرائيل منذ 1949، فما نَبَسَ أحد ببنت شفة. وتقيم كازاخستان علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل منذ 1992، فما تحرّك ساكن.
والأمر لا يقف عند العلاقات الدبلوماسيّة المعلنة. فقد عرفت إسرائيل منذ عقود، في إطار نهج ما يسمى بسياسة الحفر ؛ قنوات اتصال وتعاون وعلاقات غير رسميّة واتصالات سياسيّة وأمنية واقتصادية مع دول عربية وإسلامية أخرى، من بينها عُمان وقطر والسعودية وتونس والجزائر وموريتانيا…وغيرها.
بعضها ظهر إلى العلن، وبعضها ظل بعيداً عن الأضواء، )اكتم السر نظرا للإحراج..) وبعضها تطور لاحقاً إلى علاقات رسميّة.
ثم جاء المغرب سنة 2020، فانفجرت السماء شتائم وتخويناً وضجيجاً، وركوب كل صور الدناءة من أجل الإساءة إلى المغرب وكأنّه كان أول من اكتشف إسرائيل وآخر من تذكّر فلسطين..!
هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: إذا كان التطبيع هو المشكلة في حد ذاته، فلماذا لا يكون الموقف واحداً من الجميع؟ لماذا يصبح «قراراً سيادياً» عندما يصدر عن عاصمة أخرى، ثم يتحول عندما يصدر عن الرباط إلى قضية أخلاقية مفتوحة؟ لماذا يصبح التطبيع سياسة واقعيّة عندما يفعله غير المغرب، ثم يصبح عيباً مغربياً خالصاً عندما يفعله المغرب؟
المغرب لم يطبّع في فراغ. كان القرار جزءاً من سياق سياسي أوسع، ارتبط باعتراف أمريكي بمغربية الصحراء وباستئناف العلاقات مع إسرائيل وإستمرار الجزائري في مناصبة العداء لمصالح المغرب ومساندة البوليساريو من طرف عدة أطراف أخرى مثل إيران وحزب الله وغيرهم.
ومن حق من يرفض هذا المسار أن ينتقده. لكن السؤال يبقى قائماً: هل الاعتراض على التطبيع نفسه، أم أن المشكلة في المغرب حين اتخذ القرار؟
إن كان التطبيع جريمة، فليكن معيار الإدانة واحداً. وإن كان سياسة تحكمها حسابات الدول ومصالحها، فلا تجعلوا المغرب وحده استثناءً من هذه القاعدة. أما أن يكون ما يفعله الآخرون «واقعية سياسية»، وما يفعله المغرب «خيانة»، فهذه ليست مبدئية متماسكة.
وليس دفاعاً عن فلسطين، كما يحاول البعض أن يوحي؛ بل إن في بعض المواقف هي امتدادات لخصومات سياسيّة وفكريّة آيديولوجية قديمة مع المغرب، لدى من ظلت فيهم عقليّات ناصريّة تناصب العداء للأنظمة الملكية وشيوعيّة ما تزال حيّة حتى بعد انهيار المعسكر الشيوعي الاشتراكي الذي أنجبها.
والمفارقة أن بين هؤلاء من أبناء هذا الوطن من يرفع اليوم راية التقدميّة والماركسية اللينينية والتروتسكية، بينما تحمل الذاكرة الجامعيّة وقائع أخرى لا تمحوها الشعارات.
كنا، ونحن طلبة في الجامعة، نشتغل في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ونعيش الصراع الطلابي بكل ما كان يحمله من توتر وعنف سياسي وفكري. وكان بعض من يناوئوننا يتعمدون كشف أماكن اجتماعاتنا وبعض مخططاتنا لطلبة آخرين ولجهات مختلفة.
لم تكن فلسطين عندنا منشوراً عابراً ولا شعاراً موسمياً. كنا نغمس أصبع السّبّابة في دماء من سقطوا جرحى جراء العنف، ونكتب به على الجدران كلماتنا وعبارات تحمل شعارات عن الحرية وحق الاختلاف ومساندة القضية الفلسطينية وإدانة ما كان يجري في المنطقة من مجازر واعتداءات.
تلك ذاكرة عشتها، لا حكاية سمعتها. ولو أنطق الله تعالى ذلك الإصبع الذي غُمس في الدماء يومها، لشهد على من كان يكتب للحرية، ومن كان يطاردها، ومن كان يرفع فلسطين شعاراً، ومن كان يجعل من الشعارات ستاراً لصراعات ايديولوجية أخرى.
لذلك لا يحتاج المغرب اليوم إلى دروس في الوطنيّة أو العروبة أو الإسلام ولا إلى شهادات في فلسطين. نحن أيضاً كانت لنا مواقفنا، وكانت لنا تضحياتنا، وكانت لنا ذاكرة سياسيّة لم تبدأ مع منصات التواصل الاجتماعي ولن تنتهي عند جهاد وراء شاشاتها.
كم أنت عظيم يا مغرب العز بين الأمم؛ عظيم لأنك حين فعلت ما فعلته دول قبلك لم تبقَ المعايير واحدة. عظيم لأنك تحمّلت من الضجيج ما لم يتحمله غيرك. وعظيم لأنك صرت، من حيث لا يريد البعض، مرآةً تكشف ازدواجية المواقف.
لا نطلب صمتاً، ولا نبحث عن استثناء. نطلب ميزاناً واحداً: إما أن تنتقدوا الجميع بالمعيار نفسه، أو اعترفوا بأن المشكلة ليست في التطبيع وحده. أمّا أن يكون عيباً عندما يفعله المغرب، وسياسة واقعيّة عندما يفعله غيره، فالسؤال لم يعد عن التطبيع فقط.
السؤال صار: لماذا المغرب بالضبط؟
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





