أراضي اجْموع والأراضي السلالية إحدى البنيات العقارية الرجعية والمتخلفة (rétrograde) التي تُعَدُّ شوكة في حلق الاستثمار وزعزعة الأمن والاستقرار بالمغرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

في مقاربة هذا الموضوع الذي يطرح مشكل أخذ مسافة بين الذات والموضوع؛ ننطلق من السؤال المنهجي التالي: إلى متى يستمر الصراع والتناحر والنزاع والثأر وتحدي الدماء حول أراضي (اجْموع) والأراضي السلالية بالمغرب؟ هل يستطيع الباحث في مجال أراضي الجموع أن يأخذ مسافة بين الذات والموضوع وإلى أي حد يوفق في ذلك؛ خاصة إذا كان هو أحد ذوي الحقوق المستفيد منها؟
تعد بنية الأنظمة العقارية المعقدة بصفة عامة؛ شوكة في حَلْقِ: الاستثمار؛ والتنمية والأمن والاستقرار الاجتماعي؛ وكذا التقطيع والتقسيم الترابي والانتخابي بالمغرب.

يا ترى ما الفرق بين حال الأمة على عهد العصر الجاهلي في حرب داحس والغبراء التي نشبت بسبب (زوج بغال)؛ وحال الأمة الآن في القرن 21؟

ليس المقصود به ما يسمى؛ بمعبر (زوج بغال) من الوجهة الموالية للمغرب، أو معبر (العقيد لطفي) من ناحية الجزائر؛ وهو معبر حدودي برِّي بين المغرب والجزائر على التوالي، والذي يربط مدينتي وجدة المغربية بمغنية الجزائرية. بل يقصد به ما يحكى أنّ (داحس) هو فرس (لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي)، و(الغبراء) هو فرس (لحُذيفة بن بدر الفزاري)، وقيل إنّ (قرواش بن هني) وهو رجل من بني عبس تجادل مع (حمل ابن أخ حُذيفة) في داحس والغبراء، فقال (حمل) إنّ الغبراء أجود، بينما قال (قرواش) إنَّ داحس أجود، وتراهنا عليهما عشراً في عشر، ووجب الرهان بينهما.

فنشبت بسبب ذلك حرب داحس والغبراء، وهي حرب من الحروب الجاهلية التي وقعت في أواخر العصر الجاهلي، وكانت بين بني عبس وبني ذبيان، واستمرت زهاء أربعين سنة من الزمن، وتدلّ هذه الحرب على وحدة الجماعة الجاهلية، ووقوفها لنصرة نفسها، سواء أكانت ظالمةً أو مظلومة، وكلّ ذلك من أجل إظهار منعة القبيلة وقوتها.

لإزالة بعض الألغام من حقل البحث في هذا الموضوع الشائك والحساس؛ نطرح شيء من الأسئلة من أجل إزالة اللبس والغموض؛ والتي ليس بالضرورة الإجابة عنها. فكيف السبيل إلى مفاتيح أبواب الحلول من أجل بلوغ فضاءات ومساحات أرحب للتعايش والتضامن والتماسك والتمازج والتصالح والتكامل الاجتماعي لتحقيق استغلال أمثل لهذه الترسانة من الأراضي العقارية الشاسعة وتحقيق وسائل العيش المستدامة والاستثمار فوقها؟ ما معنى أولاد عشرة بعقل، -والصحيح هو: أولاد عشرة بمعقل-؟ ما الفرق بين الأراضي السلالية، وأراضي اجْمُوعْ بالمغرب؟ ما معنى مصطلح البَرَّاني أو برانية الأفراد والأشخاص والجماعات عن منطقة معينة؟ وبمعنى أدق؛ الدخلاء؛ حسب الثقافة الشفوية المغربية؟ لماذا نجد هناك أراضي جموع وأراضي سلالية محفظة وأخرى غير محفظة؛ وأخرى تخضع للتحديد الإداري وأخرى غير محددة؟ لماذا إقصاء المرأة السلالية من الاستفادة والتدخل في تدبير هذه الأراضي حتى وقت قريب؟

للإجابة على هذه الأسئلة؛ لا بد من استحضار التاريخ دائمًا؛ لمعرفة الظروف والملابسات التي أحاطت بها وواكبت وجود هذه الأراضي في الأصل؛ ومختلف المشاكل المترتبة عنها؛ وكذا سن أعراف ووضع قواعد قانونية وتنظيمية معينة حولها.

حينما نستحضر التاريخ المليء طبعًا بالأمجاد؛ وليس التاريخ الذي تعرض للحذف والحجب والزيادة والنقصان؛ من أجل رفع المعنويات والحماية أحيانًا، أو تحريك الآلام تارة أخرى؛ وليس التاريخ المليء بالكثير من التزييف للحقائق ومن الكراهية والأحقاد؛ التاريخ الذي تعرضت حقائقه ومعطياته ومعلوماته للبطر وللحذف والحجب والتحريف والمغالطات والزيادة والنقصان؛ تحت الضغط والقوة وسلطة المال؛ لا نستدعيه لدراسته كأحداث وقعت في الماضي فحسب هكذا ونمر عليه ممر الكرام؛ بل نستحضره من أجل فهم قضايا ومشاكل مطروحة وإيجاد حلول للمشاكل وقضايا ترهن الحاضر؛ أو لأن هناك استشعار لخطر ما في المستقبل؛ أو لنأخذ منه العبرة؛ وتجاوز الابتلاء لحل لغز قائم في الحاضر.

ننطلق في مقاربة هذا الموضوع؛ من قوله تعلى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.) صدق الله رب العالمين.
تعتبر القبيلة بمثابة الخلية الاجتماعية والإطار الاجتماعي الأول للحياة اليومية للإنسان السلالي، فهي ليست مجرد وحدة اقتصادية واجتماعية متميزة، ولكن كذلك تعتبر وحدة قانونية معترف بها على المستوى الأيديولوجي مع ضمان حقوق وواجبات الجميع نحو الوحدات الكلية داخل نفس المجتمع، أي حقوق وواجبات كل عضو تجاه الآخرين حسب السن والنوع والقدرة والبلوغ والمساهمة… وغيرها.
القبيلة هي جماعة من الناس ينتمون إلى نسب واحد أو جد أعلى أو اسم حلف قبلي أو سلالة بمثابة الجد الأعلى لهم، وتتكون القبيلة الواحدة من عدة عشائر وفخذات وعروش وبطون.

هذا، وقد اشترط علماء الاجتماع لقيام القبيلة عدة معايير؛ منها:

* الاستقرار في بقعة جغرافية محددة؛ شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا. وبمساحة معلومة ومعروفة. ويتوفرون فيها على أراضي سلالية أو جماعية؛ خاصة بهم لوحدهم يستغلونها ويتصرفون فيها بنظام وانتظام ولا ينازعهم فيها أحد.
* وجود عاطفة ولحمة تجمع أفراد القبيلة على مبادئ محددة وأعراف وعادات وتقاليد محددة تميزهم عن غيرهم.
* أفراد القبيلة عادةً يتحدثون لهجة واحدة مميزة وخاصة بهم.
* يؤمنون بثقافة متجانسة ضد المحيط الخارجي؛ كبنية مغلقة على ذاتها؛ كفن الركبة، وفن الهرمة، وفن ركوب الخيل والتبوريدة، أو وجود زاوية معينة ودار القبيلة ووحدة المصير التاريخي والأمجاد والانتكاسات والمشترك فيما بينهم… وغيرها.
أما مفهوم أراضي الجموع؛ فيحيل إلى تصرف أو تملك عدة قبائل وفخذات أو فرق وعائلات مختلفة لعقار معين. فهو خليط من القبائل شرفاء وعوام ومرابطين وأمازيغ وعرب وغيرهم من الاجناس المختلف.

تتميز البنية العائلية والقبلية السائدة في المغرب بنوع من التنضيد الاجتماعي المتنافر؛ إلا أنها مع ذلك تعرف نوعًا من التعايش، ولو أنه تعايش تنازعي خاصة بمناسبة الانتخابات أو استغلال أراضي الجموع أو بمناسبة إنجاز مشروع اجتماعي واقتصادي معين؛ حيث تدكي الشخصيات من القبائل والعائلات والأعيان والوجهاء ذات النفوذ؛ قوة الصراع.

كما إن التنظيم الإداري هو الآخر يلعب دورًا كبيراً في إذكاء هذه النعرات القبلية والعائلية من خلال التأثير في البنية العقارية عبر التقسيم الإداري وإعادة توزيع الموارد؛ وكذا مستوى الخدمات المقدمة في علاقة الإدارة بمستعمليها الذي يبقى له الدور الحاسم في تلبية مختلف الطلبات الاجتماعية.
في ظل هذا التنضيد الاجتماعي الذي يغلب عليه طابع التنافر والصراع والتباعد؛ يصعب أحيانًا التوفيق بين الطلبات والقضايا الاجتماعية المختلفة؛ نتيجة الخصوصيات الاجتماعية التي تتميز بها كل اجْماعة داخل الجماعة الترابية.

وفي ظل هذا الوضع من التحالف العائلي والقبلي، وشبكة العلاقات والارتباطات العائلية والاسرية؛ يبقى مجال الحزبية فضاء تسيطر عليه النعرة القبلية، بحيث إن الحزب والنقابة فهم حديث يتنافى والتحالف العائلي والقبلي في ثوبه التقليدي.

إن الديمقراطية كإحدى المطالب العامة، تحيل بشكل بسيط إلى بنية اختلاف، ومصالح متناقضة لعدة طبقات وشرائح اجتماعية، في إطار التنضيد الاجتماعي المنسجم أو المتنافر أو المتعايش ويضم طبقات العمال، الفلاحين، التجار، المهنيين، الموظفين، المستثمرين، المثقفين؛ كفئات اجتماعية عديدة ومتنوعة وذات مصالح متناقضة، تستطيع تنظيم نفسها بشكل ديمقراطي ومستقل.
كلنا يردد الأغنية الشهيرة من فن العيطة؛ كان موسم ورجع حركه؛ والتي تؤرخ لمعركة وملحمة شرسة بين جنود الحماية الفرنسية وقبائل الرحامنة على مستوى وادي أم الربيع بصخور الرحامنة.
هذا؛ ويذكر أنه من حسنات المرحوم الباشا العيادي آنذاك؛ أنه فرض على كل أفراد قبائل الرحامنة تحفيظ أراضيهم حماية من سلبها من طرف المعمرين الأجانب؛ لدرجة وصل حد اعتقال كل من لم يمتثل لقراره؛ حتى أصبح يقال عشرة بداخل معقل واحد لكثرة المعتقلين بداخله. وربما هذا هو السبب في عدم وجود أراضي الجموع أو السلالية هناك بمنطقة الرحامنة.

هذا ويعود أصل هذه الأراضي الجماعية والسلالية؛ تنفيذًا لقرار تحَكُّمي من طرف سلطات الحماية الفرنسية آنذاك؛ بأن تتولى كل قبيلة حماية أراضيها الخلاء؛ على حد تعبير (شارل دوفوكو) بنفسها من خلال ما اعتبر تحقيق الأمن الذاتي في بلاد السيبة، والهدف من ذلك كان هو تضييق الخناق على أعضاء المقاومة وجيش التحرير؛ بحيث أن كل تسرب من أرض القبيلة المعنية والمستهدفة بهجمات المقاومة والفدائيين؛ يدفع بسلطات الحماية إلى ردع أفراد تلك القبيلة وتحميلها المسؤولية في إطار ما كان يسمى بإعادة التربية والقرارات التأديبية لأفراد القبيلة التي اعتبرت سلوكها هذا تقليلًا للاحترام والوقار الواجب لسلطة المقيم العام الفرنسي اليوطي.

هذه الصرامة دفعت بالعديد من القبائل التي كان يفرض عليها حماية تلك المجالات من الأراضي الشاسعة التي أدت إلى استنزاف سلطات الاحتلال، في شكل حرب عصابات تضرب وتفر وتكر في نفس الوقت وتناوش وتهجم؛ كتكتيك نهجته المقاومة لطرد المحتل؛ دفعت في غالب الأحيان العديد من القبائل إلى التبرؤ والتملص من مسؤولية الاعتراف بتملك تلك الأراضي أو التصرف فيها واستغلالها.
لقد قامت الدولة في المغرب على أسس قبلية؛ وهذا هو الهاجس الأمني الذي حرك سلطات الحماية آنذاك؛ وهذا يعني إيقاف الصيرورة التاريخية عند مقاولة القبيلة، أي تقوية وسيلة وجود أصبحت متجاوزة في العصر الحالي.

صحيح إن المجتمع المغربي يتميز بتنضيد اجتماعي متنافر، بحيث مهما بلغ الاهتمام بالسياسات العامة والعمومية، ومهما بلغ الاهتمام بإصلاح وتغيير الجوانب التنظيمية والقانونية والمؤسساتية والهيكلية، لا يمكن القفز على الجانب السوسيولوجي، بحيث إن أي مخطط أو برنامج تنموي أو إصلاح أو تغيير؛ لا يأخذ بعين الاعتبار العلاقة الوطيدة بين البيئة والمعطيات التي تتواجد فيها، يبقى مجرد شعار أجوف مفرغ من محتواه أو رؤية ضيقة؛ نطرًا للعلاقة الجدلية بين المعطيات السوسيولوجية والسياسية والاقتصادية والحضارية التي تتواجد فيها.

فالسياسات العامة والعمومية الوطنية والمحلية والجهوية والإقليمية؛ هي التي تستطيع أن تتطابق مع بيئتها. لذلك فإن البرامج والنماذج الجاهزة من الدولة التي تتبناها الجماعات الترابية؛ تشكل مفارقة كبرى مع بنياتها وخصوصياتها.
فالمقاربة السوسيولوجية تفضي إلى نتيجة تبرز العديد من أوجه التناقض والمفارقة بين عناصر دخيلة وأخرى وطنية أو جهوية أو إقليمية أو محلية.

بعد الاستقلال والاستقرار والتطور الاقتصادي والاجتماعي والتزايد السكاني؛ أصبحت الأراضي؛ مثلًا داخل الواحات بالجنوب الشرقي؛ غير كافية لإيواء واستيعاب التطور الحاصل في التجمعات السكنية وأصبح التوسع على حساب تلك الأراضي التي كانت خلاء أو محسوبة على قبيلة سلالية بعينها. والتي حتى وقت قريب كان الناس لا يعيرونها أية أهمية مطلقًا، ولا يعترفون بتحوزها حتى؛ وذلك كله من أجل التملص من تحمل مسؤولية حراستها؛ إلى أن يظهر مستثمر قام بتنقية التراب من الحجارة والحصى، وعمل على تسويتها وقام بحفر آبار بها وركب مخاطر الاستثمار عليها، آنذاك تطفو الصراعات وادعاء هذا الطرف أو ذاك أحقيته في الأرض.

مصالح وزارة الداخلية حينما يستعصي عليها إيجاد حل أو تسوية للنزاع؛ حيث لا أحد يتوفر على وثائق تبوثية للأرض موضوع النزاع؛ يتم اتخاذ قرار صارم يسهر القائد أو الباشا؛ حسب المجال الترابي؛ على تنفيذه ويقضي بإبقاء الحالة على ما هي عليه أو إرجاعها إلى ما كانت عليه في السابق. أو ما يسمى تعبيرًا باللغة الفرنسية le maintien du statuquoدائمًا يتجلى في تدبير النزاعات والصراعات المحتدمة حول أراضي الرعي بين القبائل الرحل وشبه الرحل أو المستقرة بداخل الواحات وجنبات الوديان أو بالجبال والهضاب والسهول والسفوح؛ أو ما يسمى تعبيرًا باللغة الفرنسية la gestion du cheptel وبالتالي نستخلص أن هذه الأراضي الخلاء الفارغة التي ليس لها من يملكها أو أراضي السيبة؛ إما أراضي جموع تعود حيازتها لعدة قبائل متواجدة على رقعة جغرافية واحدة. أو أراضي سلالية تابعة لأفراد قبيلة واحدة لها مميزاتها العرقية وجدهم الأعلى. وتخضع أحيانًا لعقد ملكية ومحفظة في اسم قبيلة معينة. أو لتحديد إداري من قبل سلطات الوصاية.

مع الأسف لازالت هناك عقليات سائدة تغدي استمرارية التناحر والصراعات حول هذه الترسانة من الأراضي؛ خاصة بمناسبة الانتخابات أو أية مناسبة في إطار الانتهازية وتقوية وسيلة وجود تقليدية متخلفة ومتزمتة أصبحت متجاوزة في القرن 21؛ الشيء الذي رهن مسارات الاستثمار وفرص الشغل وغيرها من المشاريع التنموية في البلد.
إن تشجيع الاستثمارات رهين بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، ووجود قوانين وأنظمة قضائية لتأمين أموال المستثمرين، وأيضًا إصلاح وإعادة النظر في القوانين المنظمة للبنية العقارية في المغرب.

صحيح أن الإجراءات والمساطر الإدارية مرتبطة أحيانًا بمشكل البنية العقارية المتنوعة والمتعددة بالمغرب، وخضوعها للعديد من المتدخلين، لكن أيضا تبقى ضرورة تواجد جهاز قضائي فعال يضمن حقوق وحريات الأفراد، من خلال نظام قانوني ونظام قضائي منسجم من أجل تحقيق الأمن القضائي والقانوني. وآنذاك تجد الدولة مشروعيتها، في توجيه وتوزيع الاستثمارات عبر التراب الوطني، بحيث إن معظم الاستثمارات لا تتجاوز المنطقة الصناعية الساحلية، التي تضم أزيد من 75% من الاستثمارات، مما أدى إلى تهميش باقي المناطق التي تعاني من ضعف البنيات التحتية والبطالة والهجرة نحو المدن الكبرى الصناعية؛ على الرغم من محاولات الإدارة العمل على تشجيع الاستثمارات بالمناطق النائية، من خلال التسهيلات الضريبية.

وبالتالي؛ لو اتخذت الدولة قرارًا شجاعًا وجريئاً يقضي بمصادرة هذه الترسانة من الأراضي، واعتبارها ملكًا للدولة؛ مع إعادة توزيعها وفق تلبية الطلبات الاستثمارية والزراعية والصناعية والإنتاجية والفلاحية والسكن وغيرها… لكان أفضل بكثير من استمرار التناحر والنزاع ألا متناهي حولها؛ وعرقلة المشاريع الاستثمارية المزمع إنجازها عليها، ومختلف صور التخلف المحيطة بها.
غير بعيد؛ ففي الستينات من القرن الماضي قال أحد الفقهاء أن البركة ذهبت لما أصبحنا نتشبه بالنصارى في التحية ورد السلام بوضع اليد اليمنى على جبهة الرأس من الجهة اليمنى!

وقال آخر أنها ذهبت لما أصبحنا ندعو إلى تعليم المرأة! حيث أمر وبهزة كتف مستهزئًا واشتط غضبًا، وبإشارة بعكازه الذي يتخذه متكأ؛ مشيرًا إلى الإمام الحداثي بالنزول من فوق المنبر لأن تعلم المرأة: “حــــــــــــــــــرام!” فبالأحرى يعطي للمرأة حقها في استغلال الاراضي السلالية! ففي مجتمعات تتميز بالصرامة الذكورية؛ والألوية patriarcale؛ لا يمكن الحديث عن شيء اسمه المناصفة أو مقاربة النوع وإحداث هيئـــة مناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز!

فالكثير لم ترق له هذه الفقرة من الفصل 19 من الدستور المغربي التي تنص على أنه: “تسعى الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء.”
وأيضًا هذه الفقرة من الفصل 30 من الدستور: “وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية.”
والكثيرون حاربوا الفقرة السادسة في المادة 17 من القانون التنظيمي 113-14 المتعلق بالجماعات الترابية؛ (المناقشات التي واكبت المصادقة على القانون التنظيمي)؛ والتي تنص على أنه؛ “يتعين العمل على أن تتضمن لائحة ترشيحات نواب الرئيس عددًا من المترشحات لا يقل عن ثلث نواب الرئيس.”
فالمناصفة فهم حديث؛ يتنافى والصرامة الذكورية والمجتمعات الأبوية التقليدية..!

ومن أجل عقد المقارنة؛ فالمشاريع الاستثمارية المنجزة على أراضي الدولة التي لا تطرح أية مشاكل؛ تعرف طريقها إلى الإنجاز بشكل سريع؛ وعرفت تطورًا كبيرًا لدرجة فتح طلبات عروض على المستوى الدولي من أجل تشجيع الاستثمار بالمغرب. في حين أن الأمر هو غير ذلك لما يتعلق بالأراضي السلالية أو الجموع.

نحن نحتاج إلى ديمقراطية اجتماعية تكون وسيلة أداء في يد المواطن من خلال النظم الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية والإنتاجية للقيام بالإصلاحات اللازمة والضرورية، من أجل الاستجابة لمتطلبات التنمية المجالية؛ لأنه في ظل محدودية القدرات الفكرية؛ والإبداعية ومختلف صور العجز المتعدد الأبعاد؛ يتعذر السفر بعيدًا إلى فضاءات مفتوحة لصنع المعجزات!

* مفكر وكاتب مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...