هل يخرج الخيار الوسط تونس من النفق المسدود؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بلال التليدي

 

هناك حالة غموض شديد تكتنف مستقبل تونس السياسي، فبعد مضي أكثر من شهرين على تجميد عمل البرلمان، أقدم الرئيس التونسي قيس سعيد على تعيين نجلاء بودن رئيسة للحكومة، وكلفها بتشكيل الحكومة.

في نهاية شهر يوليو الماضي، أعفى عفى الرئيس التونسي قيس سعيد رئيس الحكومة هشام المشيشي، وعلق عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، بحجة حماية الدستور ومصالح الشعب.
بعد شهر على هذا الإعلان، شهر أغسطس غسط قرر قيس سعيد أن يمدد العمل بهذه الإجراءات الاستثنائية، دون تعيين رئيس للحكومة، وبدأت تظهر ملامح رؤيته السياسية والدستورية بالتدابير الاستثنائية التي أعلنها في نهاية شهر سبتمبر الماضي.

الجديد المختلف التي سجلت على تدابيره الاستثنائية الجديدة، هو ما يتعلق بتصوره للنظام السياسي، والتعامل الانتقائي مع الدستور بما ينسجم مع تدابيره الاستثنائية، وتعظيم صلاحياته التنفيذية والتشريعية.
والحقيقة أن المشكلة ليست قطعا في تصور للنظام الدستوري الأصلح لتونس (رئاسي أو نيابي أو مختلط)، فهذه القضية قد يمكن أن تأخذ مجراها ضمن الإمكان الدستوري، وعبر الحوار مع النخب السياسية.
المشكلة أن الرئيس قيس سعيد انتظر شهرين، جعلته عرضة لضغط دولي وإقليمي، لم يستطع أن يدبر تناقضاته، فاختار في الأخير أن يرضخ لهذه الضغوط، ويعين رئيسة حكومة (نجلاء بودن)، ويكلفها بتشكيل الحكومة.

لم ينتبه قيس سعيد إلى أن مرحلة الانتظار التي سقط ضحية لها، بسبب عدم قدرته على التعاطي مع تناقض الإرادات الدولية والإقليمية، جعلته يخسر جزءا مهما من الشارع التونسي، بل كان الوقت في غير صالحه، إذ انتقلت بعض النخب التونسية من حالة التأييد، إلى التردد، ثم التحول للمعارضة بسبب عدم وضوح رؤية الرئيس لمستقبل تونس.
والمشكلة التي لم يتعامل معها الرئيس التونسي، هي التصديق على الحكومة، والجهة التي ستمنحها الشرعية.

في الدستور الذي علق قيس سعيد العمل به، أو جعله مجرد حاشية على متن قراراته الاستثنائية، تنال الحكومة شرعيتها بقرار البرلمان، لكن في أحكام قيس سعيد الاستثنائية، فإن تعطيل عمل البرلمان، يطرح سؤال شرعية الحكومة، بل يطرح سؤال البعد التشريعي، وكيف سيتم التعاطي معه.

تبعا لقرارات سعيد وتفسيراته، فالسلطة التنفيذية والتشريعية بيد الرئيس، والدستور يتم قراءته بشكل انتقائي، ولا يعمل بالمقتضيات الدستورية التي تتنافى مع القرارات الاستثنائية، أي أن مطلب شرعية الحكومة، وحاجتها لتصديق البرلمان، لن يكون له معنى، فالذي يملك صلاحية التشريع بمقتضى التدابير الاستثنائية هو من يشكل مصدر شرعية الحكومة وشرعية قراراتها أيضا.
النخب السياسية في تونس أصبحت تنظر بعين الريبة إلى كفاءة الرئيس وقدرته على إخراج البلاد من الأزمة، وذلك بسبب «الأستاذية» التي يستعملها ضد الجميع، بمن في ذلك النخب والشخصيات السياسية، وممثلو الدول الأجنبية ووسائل الإعلام المحلية والدولية.

لقد تأكدت النخب السياسية التونسية، أن رؤية قيس سعيد للحكم والنظام السياسي، هي رؤية الحكم الفرد، الذي يعين لجنة على هواه لتعديل الدستور بحيث تكون مقتضياته متوافقة مع إجراءاته الاستثنائية، والذي يجمع كل السلطات التشريعية والتنفيذية والفضائية في شخصه، والذي يرفض وجود أي مؤسسة تقوم بدور تأويل الدستور والتحكيم بين المؤسسات والحكم على دستورية القوانين.
الشارع التونسي لا يزال منقسما على نفسه، ما بين ناقم على النخب السياسية التي أدارت المرحلة السابقة، وبين رافض لتحول تونس إلى حكم الفرد، وبين متشكك من مستقبل تونس، غير واثق في قدرة الرئيس على إخراج البلاد من أزمتها.

الظاهر في الديناميات السياسية في تونس، أن الأمر يتعلق بضعف شخصية الرئيس التونسي، وعجزه عن استثمار ظرفية سياسية مواتية، كان من الممكن أن تؤهله لبناء حزبه السياسي العريض، وتشكيل حكومة يقودها حزبه، بناء على نتائج العملية الانتخابية، وتعديل الدستور، بما يوافق قناعاته، لكن ضمن سياق ديمقراطي، حتى يضمن بذلك، تشكيل قوة نيابية، تمكنه من التشريع الذي لا يتعارض مع سلطاته التنفيذية، وسن قوانين وإرساء مؤسسات للحوكمة والشفافية، تساعده على ملاحقة الفاسدين على حد تعبيره.

لكن الأمر حتما لم يكن بهذه الصورة الظاهرة، فقيس سعيد من خلال دينامياته الأولى (بداية تأويله للدستور بما يفيد خضوع سلطة الأمن والجيش له) كان في الجوهر، يعبر عن خط سياسي، مواز لفعل دولي أو إقليمي، يحاول أن يدخل المؤسسة العسكرية في رهان تغيير المشهد السياسي، والعودة إلى مربع ما قبل رياح التغيير الديمقراطي.

ما يعزز ذلك، أن قرارات قيس سعيد الاستثنائية المناقضة للدستور، وجدت دعم المؤسسة الأمنية والعسكرية. وحتى النخب السياسية، بما في ذلك حركة النهضة، تعاملت مع هذه القرارات، بمنطق التحفظ والتردد وكثير من الانتظارية، خوفا من جر البلاد إلى حرب أهلية، لأنها فهمت أن تحرك المؤسسة العسكرية والأمنية لدعم قرارات الرئيس لا يمكن أن يكون بمعزل عن الضغط الدولي والإقليمي.

البعض يعتقد أن حالة الانتظار القاتلة التي طبعت سلوك الرئيس، وعدم وضوح الرؤية، ودخول البلاد في أزمة اقتصادية خانقة توشك على نفاد احتياطاتها المالية، هو الذي دفع بعض النخب السياسية والمدنية للتعبير عن رفضها والاصطفاف في أولى المبادرات لإسقاط حكم الرئيس قيس سعيد، لكن، في الجوهر، لا يمكن لهذه النخب أن تتجه إلى إنتاج هذه الديناميات المغامرة، إلا بعد أن تتأكد من وجود حالة شك لدى المؤسسة العسكرية والأمنية من قدرة وصفة قيس سعيد على الخروج بالبلاد من الأزمة.

الإرادات الإقليمية والدولية لا تجري على نسق واحد في الحالة التونسية، لكن ما يجمعها، الخوف من أن تفقد تونس استقرارها السياسي، وأن تصبح بؤرة للتنظيمات الإرهابية.
الإمارات ومصر وفرنسا، لا تريد أكثر من تشكيل حكم يغيب فيه الإسلاميون، حتى يضعف نفوذ تركيا في ليبيا، وتسير ما بقي من خطوات التسوية في طرابلس متجها يخدم هذه الأجندة.
الولايات المتحدة الأمريكية تبدي قلقا شديدا من عدم وجود حياة سياسية طبيعية في تونس، والأرجح أنها لم تعد تثق في قدرة قيس سعيد على تأمين العودة إلى الدستور.
القوى السياسية والمدنية التونسية منهكة، وغير قادرة على إنتاج دينامية تجد دعما وتوافقا يرضي الإرادات الإقليمية والدولية المتباينة.

حركة النهضة تعيش على إيقاع سخط داخلي، تم التعبير عنه بكم وافر من الاستقالات من التنظيم، ضدا على استفراد راشد الغنوشي بالقرار، ومسؤوليته في تدبير المرحلة. وهي تعي أن تحركها بشكل انفرادي، فضلا عن كونه لا يحظى بتوافق داخلي، فهو يعرضها للدخول في سيناريو ما قبل الثورة.
يشترك جزء مهم من الداخل والخارج في التريث، ومنح مزيد من الوقت للرئيس قيس سعيد، حتى تختبر قدرته على العودة بتونس إلى الحياة السياسية الطبيعية، لكن حملات التضييق على الصحافة والرأي الحر، تثير مخاوف جدية من سيناريو العودة إلى حكم دولة الفرد.

التقدير أن الوضع في تونس سيتغير قريبا، وأن القوى الدولية والإقليمية التي دفعت بخيار قيس سعيد، تواجه أزمة، ولا يرجح أن تكون قادرة على إنتاج صيغة «ب» لحلحلة الوضع من جديد، لكن في المقابل، لا يستبعد أن تتجه ضغوط القوى الدولية والإقليمية للتوافق على خيار وسط، يضمن عودة الحياة الدستورية والسياسية، لكن، من دون حركة النهضة.

الداخل النهضوي مهيأ تماما لسيناريو التراجع، وثمة إمكانية لتحلل النهضة إن لم تتجه إلى إصلاح داخلها. ولذلك، ستكون في حالة تعايش تام مع أي سيناريو لا يعيدها إلى مربع ما قبل الثورة.
تعيين نجلاء بودن رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة، هو جزء من هذا الخيار الوسط، لكن ليس ثمة ضمانات على إمكانية صمود هذا السيناريو ومضيه إلى مداه، ذلك أن من شروطه، توافقا سياسيا، أو على الأقل، توفر إسناد سياسي لهذه العملية، بينما العقلية التي يدير بها قيس سعيد الحكم في تونس، تسير في اتجاه معاكس لهذه المنهجية.

*كاتب وباحث مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...