قراءة في كتاب الاسلاموفوبيا في أوروبا: الخطاب والممارسة. “مؤلف جماعي”.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بقلم خالد احليلي

 

 

لم يكن مصطلح الاسلاموفوبيا مصطلحا متداولا ابان الصراع الأمريكي السوفياتي، أو الصراع الرأسمالي الاشتراكي، فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 سرعان ما ذهب البعض إلى تنصيب الإسلام عدوا مستقبليا للولايات المتحدة الأمريكية “نظرية صامويل هنتغتون انموذجا”، ووصفه بالخطر الأخضر، صحيح أن علاقة الدول الغربية بالعالم الإسلامي تاريخيا كانت تعرف تأرجحا بين السلم والحرب، وهذا سبب من الأسباب المساهمة في رسم صورة الإنسان العربي في المخيلة الغربية، كما تعرض لذلك الكاتب المحجوب بن سعيد في مؤلفه الاعلاموفوبيا، لكن السؤال كيف ظهر المصطلح وتطور الى ان أصبح مسيطرا على المشهد الغربي، هذا ما يحاول هذا المؤلف الجماعي الاحاطة به.

صدر العمل عن المركز العربي الديموقراطي للدراسات الإستراتجية والسياسية والاقتصادية ببرلين المانيا سنة 2019.
يتكون الكتاب من ثلاثة فصول:

– الفصل الأول: خصص للإسلاموفوبيا البحث في المفهوم والدلالة.
– الفصل الثاني: الإدراك السياسي لظاهرة الاسلاموفوبيا.
– الفصل الثالث: قضايا رهاب الإسلام في الغرب دراسة نماذج.

يتناول الفصل الأول من المؤلف، البحث في مفهوم الاسلاموفوبيا، هذا المصطلح القديم المتجدد بدأ يضج به المسلمون من كتابات الغرب وتصنيفاتهم، وتشريعاتهم لدرجة التضييق عليهم في إقامة شعائرهم الدينية، وهي السمة الواضحة في أمريكا وأوروبا حاليا، وتجسد هذا في الكثير من الإسقاطات والوقائع الميدانية سواء في صورة اعتداءات جسدية أو فكرية، أو جرائم عنف ضد المسلمين.

قدم الفصل الأول من البحث تعريفا دقيقا لمفهوم الاسلاموفوبيا فخلص الكاتب في بحثه الى ان اللفظ اليوناني phobos يحيل على الخوف اللاشعوري واللامبرر، واستنادا لهذا يمكن القول بأن الإسلاموفوبيا خوف لاشعوري ولامبرر ورفض عشوائي للإسلام، غير أن هذا التعريف لا يعكس قطعا طبيعة التشعب المحيط بالمفهوم باعتباره يشكل محور نقاشات عميقة يتداخل فيها الديني بالثقافي والسياسي بالتاريخي، مما يتطلب تتبع مسيرة المفهوم عبر مختلف أشكال حضوره في التقارير والدراسات والأبحاث التي تعاملت معه كما في اشتغال جهات مختصة من قبيل جمعيات ومنظمات ومراصد حقوق الإنسان ومناهضة التمييز والعنصرية.

فالإسلاموفوبيا كظاهرة أفرزتها جملة الأحداث الإقليمية والدولية التي شهدها العالم، وحسب الكاتب فان مفهوم “الفوبيا” يستمد من قاموس الأمراض النفسية عند التعبير عن حالة من حالات الوسواس القهري حين لا يستطيع المريض التحكم في ردود أفعاله عند تعرضه للمثير الذي يسبب خوفه وارهابه. غير أن هذا المفهوم، )الإسلاموفوبيا( في حالته التاريخية والثقافية والسياسية، له جذور عميقة تعكس تاريخا مضطربا في أحيان كثيرة بين الغرب والشرق .
وفي خضم الأزمات التي تعصف من وقت لآخر بعلاقات المسلمين، تساهم بعض وسائل الميديا الغربية في زيادة مشاعر الخوف من الإسلام والمسلمين وتصور وجود ما يقرب من 16 مليون مسلم في أوروبا بوصفه خطرا داهما على مسيرة أوروبا التاريخية.

ليخلص الكاتب في الفصل الأول إلى أن العلاقة بين الغرب والعالم العربي والإسلامي قامت على أساس الصراع والمواجهة، وما ظاهرة الاسلاموفوبيا إلا جزء من هذا الصراع، فحاول الغرب خلق صور نمطية جسدتها بعض الأطراف التي دعمت الظاهرة وغذت المصطلح بأشكال مختلفة، سواء من الداخل أو من الخارج، غير أن الخروج من تلك البوتقة التي رسمها الغرب عن الإسلام والعرب، يتم عن طريق وضع إستراتيجية تستوجب العمل على تحديد معالم المنظومة المرجعية المتماسكة والموحدة التي ستنظم سبل التعامل مع تلك الظاهرة، وتضمن الانطلاق في ذلك من صف متضامن موحد، إذ أن من المستبعد أن يتمكن العالم الإسلامي من مجابهة وعلاج ظاهرة خوف الآخر من الإسلام، في حين ما يزال هو نفسه يختبر الظاهرة نفسها في ربوعه.

أما الفصل الثاني من المؤلف يتحدث عن الإدراك السياسي لظاهرة الاسلاموفوبيا، فقد دعمت الإسلاموفوبيا في الغرب زيادة حالة الإرباك واليأس لدى الأفراد في الغرب بشأن أمنهم وهوياتهم، وهي الحالة التي تدفع غالبا إلى تدهور القدرة على فهم وجهة نظر الآخرين، والقدرة على مقاومة اغراء إنهاء تحليل الموقف عند نقطة معينة، مع ما يتبع ذلك من درجة عالية جدا من الإثارة والانفعال النفسي.

ويرى كاتب المقال حميداني سليم وبنسعدون اليامين انه لا يمكن الاكتفاء بتشريح الخريطة الإدراكية للنخب الغربية بشأن الإسلام والمسلمين، ولا بقراءة الإسلاموفوبيا من وجهة نظر اجتماعية- نفسية، نابعة من التوظيف الإعلامي والسياسي والإيديولوجي لعدة أطراف مستفيدة، بل من الضروري متابعة آليات إدارة المواجهة معها، والأسلحة الناجعة للقدرة على التأثير في الرأي العام وكبح الاستعمال الشعبوي الرخيص لها، لذا يفترض امتلاك الجرأة للنظر إلى التجمعات الإسلامية المنظمة وأساليب عملها ودعاتها، فهناك أطراف إسلامية سياسية تخوض معركة شيطنة الآخر بنفس الوسائل ونفس الخطاب الإسلاموفوبي معكوسا، بما يقتضي من باب الانصاف أيضا الدفع بالقيم الصحيحة للإسلام وإزاحة المسيئين له من واجهة الخطاب الديني والاتصال السياسي، وكذا تمثيل الوجود الإسلامي في الغرب.

إن اغلب التقارير والاطاريح الجامعية تحمل الآلة الإعلامية الغربية الضخمة واليمين المتطرف المسؤولية في تأجيج الاسلاموفوبيا واستغلالها في مصالح انتخابية، فمن العبث الحكم على المسلمين وجعلهم في كفة واحدة، فلا يوجد مجال من المجالات التعليمية والرياضية إلا ووجدت فيها حضورا إسلاميا سواء كأفراد أو مؤسسات، أنهم يشاركون في بناء مجتمعاتهم التي يعيشون فيها ويساهمون في بناء حضارة الإنسان اليوم وبكل قوة، فلا يمكن اختزال الإسلام والمسلمون اليوم في ظاهرة الاسلاموفوبيا.

اما الفصل الثالث والاخير فقد جاء عبارة عن مقالات تحت عنوان: قضايا رهاب الاسلام في الغرب دراسة نماذج، فتحدث الكاتب الدكتور بومدين طامشة عن ظاهرة الاسلاموفوبيا في اوروبا: دراسة لخصوصية وضع المسلمين في فرنسا، فقضية المسلمين في اوروبا تحولت الى قضية مهاجرين اجانب مع بداية العقد الماضي، فللإحاطة بالظاهرة وجب حسب الكاتب التمييز بين نماذج اووربية مختلفة، فالنموذج الفرنسي ليس هو النموذج الألماني.

فاذا ما اخذنا فرنسا على سبيل المثال، فالجزء الكبير من الجدل الذي تشهدها فرنسا حول الإسلام والمسلمين يمثل امتدادا لنفس الطريقة التي حكمت جانبا كبيرا من الجدل الثقافي الخاص بحماية اللغة الفرنسية من هجوم اللغة الانجليزية، كذلك ومثال بالنسبة للثقافة العربية الاسلامية، ففرنسا دون شك متخوفة من تزايد عدد المسلمين، ونحن هنا نستحضر الوعود التي قدمها الكاتب ايريك زمور في سباقه الانتخابي، حيث توعد بمنع استعمال اسم محمد على المواليد الجدد في فرنسا، فالصراع هنا صراع ثقافي ديني.

فقضية المسلمين في فرنسا انتقلت من مشكل خارجي الى مشكل داخلي، نظرا للعدد الكبير من المسلمين الذين يحملون الجنسية الفرنسة، وأصبح الجزء الأكبر من الجدل الدائر حول قضية الإسلام والمسلمين يتم وضعه في إطار المفهوم الفرنسي عن الاندماج، ويتم مقارنة أوضاع المسلمين بتجارب فرنسا مع البرتغاليين أو البولنديين في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، حين كانوا أكثر تدينا من كثير من الفرنسيين، وخاضوا صراعا مع العلمانية الفرنسية الناشئة على أرضية كاثوليكية، رافضين هذا الفصل الفرنسي القاطع بين الدولة والكنيسة. كذلك ومثال بالنسبة للبداية الأولى للمسلمين المهاجرين إلى فرنسا، حيث وجدوا أنفسهم يعيشون في هوامش المدن، باعتبار أن فرنسا فقط بلد العمل سرعان ما يعودون أدراجهم إلى بلدهم الأم، لكن المشكل بدأ يعرف تطورا ملحوظا مع الجيل الثاني والثالث، فأما الجيل الثاني فكان يسعى إلى تأكيد وجوده في البلدان الجديدة، ولكن مع إبراز اختلافه وتباينه، أما الجيل الثالث فقد اختار الاندماج ولكنه أكد على مشكلاته وصعوبته، أما إذا أردنا الحديث عن التضييق على المسلمين في حرياتهم الدينية سواء في فرنسا أو غيرها من البلدان الأوروبية، فالقائمة طويلة بداية بمنع الحجاب وصولا إلى حظر المآذن في سويسرا.

بالتالي يجب على الدول الغربية أن تعمل جاهدة على حل مشكل الاندماج بشيء من الحكمة، فالقضية لم تعد مشكلا خارجيا كما كان مطروحا مع الجيل الأول من المهاجرين، فنحن هنا نتحدث عن أناس يحملون الجنسية الفرنسية والاسبانية والألمانية…، أناس يساهمون في بناء الاقتصاد الغربي، أناس يدفعون الضرائب، من العبث التضييق عليهم في ممارسة حرياتهم الدينية، وعرقلة اندماجهم في بلدانهم.

*طالب باحث بسلك الدكتوراه، الفكر والعقيدة ومقارنة الأديان.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...