الدكتور شنفار عبدالله (*)
مفهوم خطابات الكراهية أصبح لها بُعداً وتفسيراً واسعاً جدًا بين الأمم والشعوب. فقد لاحظنا كيف أن مجرد تلميح في خطاب (دونالد ترامب) رئيس الولايات المتحدة الأميركية السابق؛ حتى سارع مالكي الموقع إلى إغلاق حسابه من على فيسبوك وتويتر؛ وتعليقهما وحذف وقطع إرسال مباشر لكلمة كان بصدد إلقائها عبر لايف-مباشر من على حسابه؛ وذلك من أجل ضمان الانتقال السلس والسلمي للسلطة بأمريكا.
وبالتالي فتنامي أنماط خطاب الحقد والكراهية يعد إحدى المقدمات الأولى لكل أشكال العنف والارهاب.
أطلق لحيتك وخضبها بالحناء واسدلها كما تشاء؛ وامتلك من الأموال والغنى والسلطة واليد الطُّولى ما تشاء؛ لكن تذكر دائمًا الكرامة الوجودية للإنسان والقيم المشتركة بين الأمم والشعوب.
ننطلق في تحليل هذا الموضوع من هذا السؤال المنهجي ونقول: ما هي أنماط ودرجات التفكير في خطاب الحقد والكراهية لدى البعض من الناس؟
ونجيب بأن هناك عدة أنماط من التفكير وعدة درجات لخطاب الحقد والكراهية السائد في المجتمعات. ومن خلالها يمكن تحديد أنماط ودرجات إرهاب الناس لبعضهم البعض.
نجد هناك من يكره إنسانًا ويضمر له الحقد والكراهية في قلبه ولا يبديها له؛ بحيث يكتفي برفع أكف الضراعة فيدعو عليه بالهلاك؛ كما هو الشأن لدى بعض خطباء المساجد عند نهاية خطبة الجمعة أو عقب كل صلاة أو مناسبة دينية؛ إذ تسمعه يختم بهذا الدعاء المقيت؛ دعاء بالتهلكة: “اللهم شتت شملهم؛ اللهم يتم اطفالهم؛ اللهم رمل نساءهم؛ اللهم اجعل اموالهم ونساءهم غنيمة للمسلمين!
نجد كذلك من دعاء الكراهية الغير المستجاب له؛ حينما يدعو أحد المشايخ خارج العصر؛ ممن بنهلون علمهم وثقافتهم من الكتب ذات الأوراق صفراء اللون؛ الذين لا سلامة في فتواهم لا فكرًا ولا شرعًا؛ على أمم وشعوب العالم بهذا القول:
“اللهم أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّلٍ لتجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.!
اللهم سَمِّم الهواء والاكسجين الذي يستنشقونه ويتنفسون.
ومن اشد الأمور غرابة ان تجد الناس يرددون وراءه بحماسة كبرى كلمة: آمين!
وهم سواسية في كل الديانات. وهذه تدوينة لأحدهم كتبها على جدار حسابه على تويتر؛ يقول فيها:
(اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام ملالي قم الملاعين ولا تبقي منهم ولا تذر. اللهم عليك بهم إنهم لا يعجزونك. اللهم عليك بالحرس الثوري ودمر وليهم السفيه واجعلهم شذر مذر. اللهم يتم أبنائهم ورمل نسائهم.
اللهم آمين يا رب العالمين. وصلي وسلم وبارك على سيدنا موسى وعلى أنبياء شعبك إسرائيل.)
لا حولة ولا قوة الا بالله العلي العظيم؛ اللهم اسق قلوب عبادك بالرحمة واخرجهم من الجهل والضلالة إلى النور.
وهناك نمط آخر ودرجة أخطر من الكراهية؛ وهي أن تكره إنسانًا وتستمر في الحاق الأذى به إما؛ باللفظ أو التهديد والوعد والوعيد؛ دون تنفيذ ذلك.
وهناك نمط من الخطاب ودرجة أشد واعلى من الكراهية وهي ان تكره إنسانًا، فتشرع في أذيته بالفعل وقد يصل الاذى إلى حد القتل.
ومن أشد أنماط خطاب الكراهية وأعلاها درجة على الإطلاق؛ هي لما يطال خطاب الكراهية مجموعة من البشر أو البشرية جمعاء دون تمييز بينهم؛ حيث يحدد مفهوم الشجاعة لدى البعض من هؤلاء في تفعيل حزام ناسف، فيقرر قتل اكبر عدد من الناس الأبرياء والذين لا يعرفهم ولا يعرفونه حتى. وهذا ما يفعله الانتحاريون الارهابيون.
لكن لماذا يفعل هؤلاء كل هذا؟
والجواب بسيط: يفعل ذلك لا لشيء؛ فقط لأنهم يختلفون عنه في المذهب والايديولوجيا والفكر والملة او الدين او العرق.
ويمكن أن يطال القتل اكبر عدد من الناس حتى لو كانوا داخل احد المساجد عقب صلاة الجمعة أو صلاة الجماعة.
ومن أشد الاسئلة درامية؛ هي لما يموت كل هؤلاء ويعم الوباء وتصبح زوجات هؤلاء أرامل وغنيمة للمسلمين! هل في استطاعت المسلمين دفن كل هذا الكم الهائل من الجثت؟ هل باستطاعتهم الزواج بكل هاته الأرامل؟
إن التحضر والقيم والإيمان بالفكر المغاير والكرامة الوجودية للإنسان؛ فهم حديث، يتنافى وأنماط التفكير الرجعي بنشر الحقد والكراهية في صفوف الناس.
فهم العالم الذي نعيش فيه؛ إحدى أزمات الفكر الإسلامي المعاصر؛ فنحن لم نستوعب العالم الذي نعيش نحن فيه.
فالمخدرات والمسكنات الكلامية في الخطاب؛ لا تحل أبدًا قضايا الشعوب والأمم ومشاكل وهموم الناس؛ بل الأفعال والحلول؛ هي من تجعل منهم أناسا مقبولين لدى الآخر.
مجتمعاتنا تراكم أطنانًا من العداءات تجاه شعوب وأمم أخرى؛ عوض بناء جسور المحبة والتواصل؛ معتقدة ان الآخر يعيرها أهمية ومنشغل بها، في حين هو قد لا يعتبر لها وجودًا أصلًا؛ إلى أن تثير هي بنفسها انتباهه فيعقد لها الحزم وردة الفعل من طرفه حينذاك تكون موجعة؛ بعدما كان ينظر إليها أنها ربما تعاني مجرد أزمات وتحتاج إلى من يساعدها للخروج منها.
مفهوم الكرامة الوجودية للانسان عرف تطورا في الفعل والأداء؛ ولقد كرم الله بني آدم؛ حتى وإن سجله لازال خاويا صفرا. فبعدما سواه ونفخ فيه الروح؛ أمر الملأ الأعلى بالسجود له تعظيما وتكريما وتشريفا له حتى وأنه لا زال لم يقدم شيئا في الوجود والكون.
وبالتالي حرره من اللعنة الأبدية التي اعتقد التفكير الديني القديم قبل الاسلام أنها تطارد بني البشر بعد الخطأ المرتكب بأن عصى آدم وحواء ربهما بالاقتراب من شجرة أمرًا بألا يأكلا منها. في قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ).
وفي المقابل الآخر، نجد من أشد الأفكار غرابة؛ أن بعض حاملي فكر الكراهية والتطرف؛ يرددون قولًا: “نحن والجائحة معاً للإطاحة بالأنظمة القائمة!” وهم سواسية في ذلك؛ فالفكر الماركسي أصبغ على أيديولوجيته مفهوم النظرية العلمية واعتبر الحتمية أو ميكانيكا التاريخ شيء بديهي الوقوع وبمجرد اتحاد عمال العالم فينهضون ويقضى على الطبقة البورجوازية.
أما بعض الفكر الإسلامي؛ فيزعم أن خطته وفهمه يطابق خطة وفهم الإله وأنه الوحيد الذي يتوفر على الطبعة الأصلية للحقيقة الدينية؛ والآخرون لديهم مجرد نسخة مزيفة. وكأنه اطلع على اللوح المحفوظ واسترق السمع وعرف كل ما يجري حول خطة واستراتيجية الإله.
كذلك فكر الرأسمالية أو الحد الأقصى القائم على التنافسية وطحن الآخر في إطار لعبة تحكمها سقف قواعد السوق دون الأخذ بعين الاعتبار المشترك من الاخلاق.
وهنا يمكن القول بظهور الاعراض المرضية على مفهوم الديمقراطية كعلة تحملها بداخلها؛ تندر باقتراب نهاية عالم وتوجهات إيديولوجية؛ حيث أصبح استدعاء الديكتاتورية لقهر شعوب وأمم أخرى؛ من أجل تحقيق الرفاه لشعوبها على حساب الأولى؛ أمر واقع ويحصل كل يوم بين الدول.
فبقدر ما نفعل؛ فإننا نصنع التاريخ؛ فعلى الأقل؛ ليكن تاريخا مليئًا بالأمجاد؛ لا تاريخا مليئًا بالكراهية وبالأحقاد.
(*) مفكر وراصد وباحث مغربي.





