أتدرون من المفلس؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*ذ.أحمد براو

 

 

عن أبى هريرة، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (أتدرون من المفلس – قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع؛ فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام، وزكاة؛ ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا؛ وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).

وأنا أتذكر هذا الحديث الصحيح الجليل وأتأمل في تعاليمه خطر ببالي ما يجري في هذه المنتديات والمجموعات والصفحات في شتى وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءا من حياتنا اليومية بل ومرتزقا يستغنى به ماديا ومعنويا كثيرا من المدونين والمؤلفين والمبتكرين الذين يستلهمون المحتويات منها ما يفيد عامة ومنها ما يبعث على الإشمئزاز من ضحالتها، ورغم ذلك إستطاعوا العيش مما تجنيه مواقعهم الشخصية من خلال كتابة وتدوينات قصيرة أو فيديوهات وليس مؤلفات أو كتب أو مواد علمية نافعة و موضوعية، ويخلقون بذلك انتشارا واسعا ومتابعة من طرف جمهور المعجبين والمرتادين والمتصفحين، لكن بالمقابل يتركون وراءهم حلبة للصراع والنقاش بين المؤيدين والمعارضين، بحيث تبدأ المناكفات والمشاحنات في التعاليق تصل إلى حد السب والشتم والعيرة بالأعراض والكلام الفاحش البذيء. وقد تصل إلى الصراعات الشخصية إلى نزاعات في المحاكم وتؤدي إلى ما لا يحمد عقباه. ناهيك عن العواقب يوم القيامة ويوم الحسرة والندامة حين لا ينفع لا مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، متحللا من كل مظلمة في حق الآدميين في هذه الدنيا قبل أن يؤدي حق المظلومين يوم القصاص العدلي الإلاهي..

من المفلس من أمتي؟ هذا سؤال إنكاري طرحه سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ببلاغة لطيفة من جوامع كلمه وجزيل معانيه ليثير به انتباه صحابته ومن وراءهم أمته، ويشوقهم للإجابة لأنها حتما ستكون مخالفة لتوقعاتهم، وهو يعلم هذه الإجابة مسبقا ويريد أن يأخذهم إلى مشهد مفزع من مشاهد يوم القيامة وهذه العرصة هي إحدى صور الإقتصاص والعدل المطلق ويطلق عليها إسم ديوان أو يوم رد المظالم حينما ترد إلى أهلها يوم القيامة بأخذ الحسنات من الظالم حتى تنتهي فيهلك، وعندما لا يكفي المظلوم حقه تؤخذ من سيئات المظلوم فترد على الظالم.

هذه الصورة الرهيبة المفزعة التي تقرع الأسماع من هولها التي أَطْلعَ اللهُ – تعالى- رسولَه عليها من خلال الوحي؛ والتي ليست من مشاهد الدنيا، بل من مشاهد يوم القيامة، ولكن للأسف نرى كثيرا من الناس راغبين عنها ومتهاونين في الإستحلال من هذه المظالم وهي إحدى شروط التوبة المضافة إلى الشروط الثلاثة المعروفة إذا كانت متعلقة بحق آدمي.

فإذا كان هنا في هذه الدنيا إفلاس مادي فهو مؤقت قد يستمر مع الإنسان إلى مدة محدودة لكن الإفلاس الحقيقي والمفلس هو حين حيث يأتى الرجل حاملاً صلاته، وصيامه، وزكاته وأعمال صالحة؛ ظنَّاً منه أنها وحدها تدخله الجنة، وتبعده عن النار؛ فإذا بها كلها توزع على من أساء إليهم، وألحق الأذى بهم؛ بل إنها إن لم تكفهم لقضاء حقوقهم منه أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه؛ فألقي به في النار أعاذنا الله منها.

هنا يبين لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الدين لا يقتصر فقط على الشعائر والطقوس والتي قد لا تنفع صاحبها مع سوء الخلق، وإنما الدين الكامل الذي جاء به الإسلام هو الامتثال لجميع أوامر الله تعالى ونواهيه؛ بحيث يظهر هذا الامتثال في سلوك المسلم وأخلاقه؛ فيحسن معاملته للناس؛ فالدين المعاملة و المسلم الحقيقي هو : “من سلم المسلمون من لسانه ويده” كما ورد في الحديث الشريف.

فأكل المال بمعنى الاستيلاء على مال الغير دون إذنه بطريق غير مشروع، وسفك الدم كناية عن القتل ثم الشتم والقذف والسب والضرب، إساءات بالغة، وإلحاق الأذية بالخلق هو جرم كبير وظلم حرمه الله جل ثناؤه وجعله محرما بين عباده، بل قد بين في حديث قدسي حرمه حتى على نفسه وهو العدل عمّ نواله وتقدست أسماؤه:

عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال :
( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ).

فإذا كان الإنسان في هذه الحياة يسعى ليجمع المال ليعيش به في هناء وسعادة، يكفيه ويغنيه عن الحاجة للمخلوقات، ويبذل جهده ليحمي عملته التي هي ماله ويحفظ نفسه من الإفلاس، فإن طالب النجاة يوم القيامة أولى أن يحمي حسناته من الضياع يوم القيامة وألا يكون من المفلسين يوم الدين وأن يسعى ليجمع عملته ليوم القيامة وهي الحسنات ويحافظ عليها لكي ينال بها سعادة الآخرة، ويفوز بها بالجنة.

*كاتب وباحث مقيم بايطاليا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...