شعائرية الحزن في تجربة محمد الشحات .

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الحسام محيي الدين

 

لا شيء نهائياً في قصائد محمد الشحات . الشاعر المصري المعروف الذي أصدر مؤخراً مجموعته الشعرية الكاملة التي استغرقت عشرين ديواناً عن دار الأدهم في القاهرة في طبعتها الأولى ( 2021 ) ، وهو يقدم فيها الانسان المصري الواضح القسمات وهي تخامرُ علاقاته مع كل ما يمكن أن يحتك به في تفاصيل يومياته الحاضرة أو ذكرياته الفائتة على امتداد ما مضى من سنين عمره حتى الآن : فالوطن موجود ، والمرأة ، والوالد والولد والصديق الجميل ، وأحوال الذات سلباً وإيجاباً. حيرى هي النفس لو أرادت أنْ تلج نصوص الشحات بما هي ثيمات مندفقة بالأصالة المتعالقة عناوينَ مختلفة ، ولكن لا بدّ من الدخول وليكُنْ من باب الأنا الأصيل أولاً الذي يتّزرُ التعبيرعن أحوال الوجدان الرائق والحزن الصافي اتجاه الواقع أفراداً وعلاقات تحت سقف النصوص الحزينة ، المتوترة ، إنما المتحفزة أيضاً ، والتي تتخطى فوضى الأحاجي في حياكة القصيدة ، فكُلُّها مجرَّدٌ بدَهيّ ، فطريّ ، وثبتٌ متأنق وشفيف يتحولُ عن حداثةٍ رؤيوية تعمّقُ الحفر في ذاتيتها الأصيلة من جهة ، وتخلقُ عالماً غيرياً مشتعلاً بالرمز من جهة ثانية ، في وعيٍ جماليّ لروحية الشّعر تُلزمنا بمواجهة عُرْيِ الفضاء الانساني كما هو . يتداول الشحاتُ الحزنَ كتجربة فذّة ، جريئة ولامتناهية تلامسُ الانتماء إلى الحيّز المعيوش ، ولا تتكاسلُ في التواشج معه بقصائد هي أنشودة الشاعر التي تُأَوِّلُ بحدسها كل ما تقع عليه مجساته الشعرية من أدوات اللغة ودلالات المعنى .، وتعتنق التخطي إلى آفاق جديدة ” تنافسُ الفلسفة وتتغلّب عليها في مجال الكشف والخلق والبناء ” كما يقول خليل حاوي ، أو ما يمكن اعتباره مخاضاً عميقاً يأخذ النصّ إلى الصلة المباشرة مع المتوقَّعِ دائماً ، ويرى إلى التكيف مع رؤية جامحة إلى أمداء تثير الدهشة والأمل فتجعلُ الحُزنَ شيئاً جميلا ، وممارسةً يومية توازي مناسبات اللقاء أو الجفاء توّاً بينَ مُتقابِلَين دائماً في السّلب والايجاب واقعاً أو خيالا : امرأة ورجل ، خير وشر ، نيلٌ وحرمان ، سكينة وتمرد . يريح هذا التوجه القارىء جداً ، إذ يلاقيه الشحات بأريحية ولين في منتصف المسافة التي تحيط وتعي مقتربات النص وتطرح إشكالية ما ترمز إليه في نضوج التجربة تحت مواقد الحزن بين الديوان وتاليه في الخاص والعام . فهو المتكلم الحزين ، الذي يتعالقُ حزنَ البنوَّةِ في جوهره ، نقيض ظاهره ، وقبلَ أن تخشوشنَ قابليته الطفولية إلى الأبوّةِ الأثيرة في حضرة أبيه في مشهدية تشظٍّ حداثية تتضادُّ فيها أحاسيسه وتؤكد الانتماء الجيني إلى الصراع الجواني في فوّهة الرؤى الكلاسيكية بحمولتها الفكرية بين نقيضين نحبهما معاً :

كنت أمنّي النفس برائحةٍ تأتي من حيثُ ينام أبي

فلعلَّ مواجعَ قلبي تهدأُ

كنت أراوغُ حزني …

لا أبدو مرتبكاً حتى حينَ يجيءُ الفرح

ألازمهُ ،

كنتُ تعلَّمتُ مراوغة الأشياء فأمررُ ما يبهجني

وأحاول أن أخفيه وأرسمُ عيناً تضحكُ

قبل فوات الوقت .

في الخاصّ ، وعلى المستوى نفسه كان الشاعر يبحث دائماً عن تجليات كلمةِ السرّ التي تَفتحُ شيفرة مفردات الحزن على تخييلهِ الثَّر وهو يسّاقطُ شوقاً دفيناً بالذكريات إلى ابنه ” إسلام ” في غربته ، في ملابسات الرحيل القاسي الذي يجعل للحزن وجهين : العتب والخيبة ، لامسهما الشحات باستسلام مرير يهرقُ به نفسه الكسيرة على عتبات الذاكرة ، ويغزلُ ببكائيةٍ حييّة ما تبقى له من سجادة العمر :

كنت أظنكَ

حين تطاول أغصان البلاب

ستمنحني ظِلًّا

أغفو في مملكة أشعر أني حاكمها

رأيتك ترحلُ

كيف سأملأ ذاكرتي والأيام تعاندني

… وأنا أرسمُ وجهكَ بين ضفاف عيوني

وأحاول أن أخرجَهُ كل مساءٍ

كي يمنحني دفئاً

يا طفلاً

ودّعَ أيام طفولته

لم أعرف أنك حين تغادر

كنتَ ستأخذُ ما كان يجمعنا

دعني أذكر بعض الأشياء

لعلكَ تخرجُ من ذاكرتي

فتحاول أنْ تملأني

وأن أتفرس كل ملامح وجهكَ … قبل رحيلي !

وإذ تشده الذكريات بِوُدٍّ خالصٍ عميق ، فإنه لا موقفَ مواجهة مع المرأة المُدللة جداً سوى بيان الذي يؤرّخُ كينونته المحتشدة دوماً بالمُطلق القِيَمي في علاقته بها كرجل حائر ، ويرى إلى أنه كانَ لا بدّ منها في حياته ، فينصرف قصداً إلى تمثُّلِها في دوائر متفاوتة الأحاسيس رقَّقَها الحزنُ بالصمت والدموع في صباه المتعفّف الخجول أمام أنثى عنونتْ عراءَ الوصال الجميل الذي لا يزال حياً على قسمات صدر ذلك الفتى :

أوتارُ عودي…

ما يزال الآن بين صهِيلها

لحنٌ يشدُّ مواطني ، نحوَ الصِّبا

أوَكُلَّما داعبتُ – صبحاً – هذه الأوتارَ

راحتْ كي تفرَّ الآنَ منْ بينِ الأصابعِ…

يستحي

من طولِ هذا الصمتِ

قلبي ؟!

يحلو لي أنْ أرسمَ ما خلّفَهُ وجهكِ بالألوانِ

على ناصية الصَّدرِ

وأتركُ بعضاً من أوراق التّوتِ…

لعلَّ دموعكِ تنسجُ ثوبي !

يحرثُ الشحات دائماً أرضَ التجربة الشعرية الخصبة ، ويبذُرُها بفائض اعتلاقه الفطريّ بما حوله تحت سقف حلمه الوردي الدائم بالآخر ، كالصّدِيق الذي وعى مأسوية تكاسُلِها وعبثية تبدُّلِها بعدما افترض الفرحة بلقائه وهو يحنُّ إليه عفواً وصفواً بعد سنين طويلة ، لكنّ الصدمة كانت أكبر مما قد يُزجيهِ له الحضور الجميل بين يدي رفيق الصبا العزيز ، حتى أطلّ له الحزن جموحاً في خاطره وقلبه معلناً انكسار الصورة التي جمعتهما يوماً ولو حاول أن يرممها سريعاً ما أسعفته الكلمات :

لم يسعفْهُ الوقت لكي يتجملَ

أو يتطيّبَ

أسرعَ كيما يلحق بصديقٍ يلقاه

افترقا منذ سنينْ

حاولَ أنْ يسبقَ خطوتهُ

فأحسّ بشيءٍ يجذبه من داخلهِ

بعضُ هواجسَ راحتْ تعصرهُ

وأصواتٌ من داخله تسألهُ

كانَ عليكَ بأن تتريثَ

وتعدَّ العدّة

وترتّبَ كلّ مشاعركَ

فهل ما زلت تحنُّ إليهِ ؟

وتتوق للقياهُ

وأنا أمضي خرجتْ من عينيَّ ملايين الأشياءِ

كنتُ تركتُ بداخله قصصي

ومشاعرَ نبتتْ في أيام صبايْ

أسراراً لم أسكنها إلا بين يديه

هل بدّلهُ الزمنْ ؟

ولم يبقَ إلا ما يملؤني

من شوقٍ لرفيقٍ غاب سنيناً وسنينْ

هل ما زال يحنُّ إلى جلستنا

هل يملؤه دفء مشاعرَ

تكفي كي تغسلني؟

أفرغتُ ضلوعي وتهيّأتُ

لكي أملأها من لحظات لقاه

اقترب الموعدُ

فاقت دقاتُ القلب صياحَ العرباتِ

وما إنْ أقبلتُ عليه

لم ينتبه لصوتي

لم يعرفني

مِلتُ عليه

وما إن وقعت عيناي بعينيهِ

حتى شعرت بغربته

لم يبتهج ولم يفتح دولاب مشاعرهِ

أوصدَ نظرته نحوي

ارتبك فأوقع فنجان القهوةِ

ما أسوأَ أن تأكلكَ الأيامُ

… ورأيت دموعاً هزتني

فانفجر بداخل صدري

فيضُ مشاعرَ حتى غطته

فاستخرج من داخله بعض مشاعره

أمسكتُ به

كيما أُخرِجَ ما يسكُنُهُ من حزن

حين بدأت أحدثه

وارتكن إلى مقعده

فحنوتُ عليه

وغرقنا دون مواربةٍ في أنهار الذكرى .

وغيرَ الخاصّ مما علّق عليه الشحات كل تلاوين مشاعره آنفاً في القصائد أعلاه ، فإنَّ مطارحة الشِّعر تجاوزت به إلى مداراتٍ أكثر ميلاً إلى عالَمٍ محسوس منها إلى فضاءٍ شعوري مثالي دائم ، فما انفكّ عن تمثُّلِ التجربة بما هي حالة نفسية لا ثبات فيها مطلقاً بل انبعاثٌ إلى موقفٍ وجوديٍّ جديد ، مؤرّقٍ قَلِقٍ باستلابٍ روحيٍّ عميق يختزلُ حزنه ويستميله بقوةٍ إلى العام وهو يرثي لحالة وطنه في ظروفه الصعبة بمواجهة من يبتغي دماره وسقوطه في الهاوية ، إيماناً منه بمصر وطناً نهائياً قومياً كمواطنٍ وشاعر :

هُنا … تدورُ الدوائر

فيومٌ إليك

ويوم لغيرك

وقد لا تدورُ الدوائر

فيومٌ عليك … ويومٌ عليك !

كان أول حزن يحاصرني

عندما هزني فزعي على وطني

كنت أكبر والنيل يوشمني بالبراءة

كانت عيون المحبين تهمس في خلسة

بتُّ أسألُ : كيف تبيع بلادك ؟

كيف أقاوم حزني على وطني ؟

وصوتُ المؤذّنِ يصدح

والموت تحمله في عيونك

وتجلس فوق نعوشي

فهل كنت تصنع عرشك ….

فاحذر

فيومٌ تدور الدوائرُ

يومٌ عليك … ويومٌ عليك !

لم يتلبّثْ ” محمد الشحات ” معانداً في الإبقاء على مفهوم ممارسةٍ جموحةٍ واحدة فحسب في آليات تكوين النص ، فأصرّ في الشكل على أن يتقاسم قصائده لغة المتكلم تارةً والغائب أُخرى ، وبالتناوب الذي يرى أحياناً كثيرة إلى إزاحة ضمائر الأول عن مشهد القصيدة وإطلاق ضمائر الثاني بديلاً رمزيا منها ، علّهُ يخففُ من الحزن المتقعر فيه ، ولو كان الحزين المتواجد واحداً في كليهما ، فضلاً عن تجاوزه فكرة القيد أو التقليد بموسَقةِ عبارته بالتنويع على التفاعيل الضامنة للإيقاع كابنةٍ شرعيةٍ لعروض الخليل . لكنه في المضمون شاعرٌ حداثيّ من أصول كلاسيكية ، يدرك أعمقَ ما تراه الجِّدة المُتحولة عن غرضٍ إلى آخر في متن القصيدة ، التي تجعل القارىء رائِياً على بصيرة لا متلقياً مُجرَّداً أمام الصورة التعبيرية المدهشة التي تتصل باللّغة في اتّساقٍ بِنيويّ ، فيتجرّآن على تشكيل معنًى محسوس يتساوق بين الدال والمدلول ، ويحوّلُ تاريخ الشاعر كإنسان بآماله وآلامه إلى واقعٍ شعري قوي الجذور.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...