وسطية الإسلام سبيل الشباب المسلم في المهجر

 

 

 

 

*ذ. أحمد براو

 

 

كثيرا ما نسمع كلمة إسلام وسطي معتدل، أو أصولي متطرف، ولا نفهم كيف يكون هناك تعددية في الأسماء والأوصاف المتناقضة التي ألصقوها بهذا الدين الذي ارتضاه الله خاتم الرسالات لعباده، وهاته المواصفات التي تكون غالبا لصيقة ببعض منتسبيه والمؤمنين به، وتنطلي بعد ذلك بقصد على دينهم، بحيث ينتقل الإستهداف من المسلمين إلى اتهام الإسلام كدين ومعتقد وفكر، ومؤخرا ظهرت في الغرب أوصاف أخرى مثل أنه عدواني ومتزمت، وعنيف ومتصادم وكما أن هناك في القوم من المنصفين من يصفه بالمتسامح والمتنور. فيما يثير قلق مسلمي أوروبا تزايد ظاهرة معاداة الإسلام في القرن الحالي حيث وُثِّقت عدة هجمات ضد المسلمين واعتداءات على أماكن عباداتهم، وازداد مستوى العنف والتهديد والإهانة لمشاعرهم ومعتقداتهم. فهل يجهل الغرب عامة والأوروبيين خاصة تعاليم الإسلام؟ أم أن هناك خلل في تواصل المسلمين وتعريفهم وتقديمهم له كسفراء؟ أم أن فعلا من المسلمين من يؤمنون بالإلغاء والتعارض والعدوانية والرفض للآخر واحتقار معتقده وتسفيه ما يؤمن به؟

– الإسلام وسطي بطبعه ومعتدل كله

يعتقد المسلمون أن هذا الدين هو دين رحمة للعباد، جاء من أجل مصلحتهم في الدارين وسعادتهم الدنيوية والأخروية ولينقذ البشرية من ضيق أمواج الشرك والظلمات إلى سعة طمأنينة التوحيد والنور.
كما يجزمون أنه جاء لخدمة البشرية وإسعادها بالعدل والسلم، وعمارة الكون وبناءه، ونشر مبادئ الأخوة والمساواة، والعدالة الإجتماعية والمحبة الإنسانية.
هذا لاشك فيه ولاريب وقد يغيب عن البعض منهم ولكنه سرعان ما يعود إليه إذا اتعظ وتذكر وتأمل وتدبر، وإذا استخدم لبّه وعقله وفؤاده وقلبه، إنه فطرة الله التي فطر الناس عليها. كما أن المسلم مطالب زيادة بالدعوة لهذه التعاليم ونشرها بين الخلق والعمل على تقديمها لكل الناس بكل حكمة وموعظة حسنة وبالتي هي أحسن.

وسطية الإسلام هي في تصوره للطبيعة البشرية للإنسان ونظرته بمنظور وسطي في طبيعته الخَلقية والخُلقية فالإنسان مخلوق بشري وكائن ترابي طيني ليس بملاك ولا جني، له شهوة وعقل بخلاف الكائن الحيواني، فإن قاده عقله إلى معرفة ربه وتوحيده وطاعته سما بذلك إلى رتبة ربما تفوق رتبة بعض الملائكة حتى يصبح من المقربين، وبالمقابل إذا عطل مادة العقل أو أساء استخدامها، ونسي أو تناسى سر وجوده وبالتالي صار عبدا لشهواته، زلّ زلّة سحيقة وسقط لأسفل سافلين، لدرجة حتى يصير معها أدنى من الحيوان.

– مجالات الوسطية وصورها

فالإعتدال المقصود ليس فقط في التدين كما يظن البعض فكلما كان الإنسان متدينا ملتزما كلما كان رحيما رقيقا وإذا زاد المؤمن من تطبيق الشعائر والطاعات زاد قربا من الله وصار عبدا صالحا ومصلحا ولكن الإعتدال المطلوب والوسطية هي ليست مقتصرة على العبادات أو كذلك على الإيمانيات؛ فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والعباد الزهاد من أولياء الله الصالحين، ولكن الوسطية يُقصد بها في المعاملات والمعاشرات والأخلاقيات، وفي الأفكار والمعتقدات، وسطية الإسلام في تقبّل الآخر وقبوله واستحضار ضعفه وبشريته، وكيفية التعامل معه كيفما كان حاله، هنا يحب على المسلم أن يتعامل بحكمة واعتدال بحيث لا يلغي فهم وفكر الآخر، ويرفضه بالكلية، وفي ذات الوقت لا يقبله أيضا بالكلية، بل يفكر ويقَدر ويمحص ويدقق وفي الآخير يُخضِعه إلى العقل الرشيد والحقائق الجازمة وتعاليم نصوص دينه الحنيف، خصوصا إذا كان هذا الفهم والفكر له علاقة بالمنافع الكلية والمصالح العامة التي لا تتعارض مع ثوابت الدين وتعليماته، التي فيها مجال للتأويل، والتي يمكن أن يستفاد منها في مختلف نواحي الحياة وتعود بالمنفعة الجماعية والفردية.

هنا الوسطية تعنى الإتزان والإعتدال في الأقوال والأفعال والسلوك وسائر مظاهر المعاملات والأخلاقيات، وكما أنها الإبتعاد عن الإفراط والزيادة كذلك الحذر عن التفريط والنقصان في جميع نواحي الدين والدنيا، بدون مبالغة ولا تقصير ولا تساهل في حق من حقوق الله تعالى، ولا في حق من حقوق الخلق، ولا في حق من حقوق النفس، “اعط كل ذي حق حقه” الحديث.
وقال تعالى: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس” أي بين التحجر والإنحلال بين التعصب للرأي والفكر أو اتباع الهوى والشهوات. بين من أنكروا وجود الخالق وبين من أسرفوا فعددوا الآلهة، وهناك من استغرقوا في الشهوات والماديات وأهملوا القيم الروحية وهناك من تركوا المادة واتخذوا سبيل الرهبانية وحدها فجاء الإسلام وسطا فيه المادة والروح.

– أهمية نشر مبادئ الوسطية بين أبناء المهجر

المطلوب هو أو نُرْجع لأبنائنا هذه الثقة في دينهم وثراتهم ونبين لهم معنى الوسطية الحقيقية حتى يعتزوا بها ويلتزموا بمنهجها ويخوضوا معاركهم الفكرية الإيمانية في هذه الحياة الصعبة متسلحين بسلاح المعرفة والفهم ومتمسكين بتعاليم التربية الخلقية وتزكية العبادات، ولكي يدعون لها بعزيمة وافتخار وينشروها ذلك بين أقرانهم وأصدقائهم، فدينهم رغم الصعوبات الذي يواجهونها في سبيله لازال معطاءا ويقدم للبشرية الحلول الكفيلة لإخراجها من ظلمات الجهل والهوى إلى نور العلم والهدى.
ولاسترجاع هذه الثقة المفقودة للأسف في هذا النشء الجديد خصوصا لأبنائنا في أوروبا فلابد من العناية بنشر الوعي الصحيح من خلال الأنشطة المدرسية والطلابية، في المراكز الإسلامية والمساجد والجمعيات فيما يخص ثقافة الإعتدال والوسطية ومن ثم يستفاد من هذه الثقافة في مختلف مجالات العلم والمعرفة، وبعد ذلك في باقي مجالات حياتهم ليكونوا أكثر وعيا بمخاطر الغلو والتشدد وبدون مركب الشعور بالذنب والخطيئة والتواري والإنزواء خوفا من الإتهامات، وليكونوا قادرين سواء على حماية أنفسهم وأفكارهم من كل فكر دخيل وهدام بحيث يستطيعون دحض شبهته وكشف زيفه، وفي جانب آخر عدم التخلي عن مبادئهم وتعاليم دينهم والذود عنها والعمل على توظيف مختلف الوسائل الثقافية والإعلامية لإبراز قيم الوسطية والإعتدال والتسامح. فلا يخفى على أحد ما يتعرضون له من دعوات تستهدف فساد العقيدة وتمييع الهوية وتغيير أنماط الحياة، وهذا ما يدعو لتكثيف المجهودات ومضاعفتها للإسهام الإيجابي في استثمار الوقت الفارغ وإحداث ورشات علمية وعقد ندوات، والتشجيع على إقامة المعارض والمخيمات والمسابقات والأمسيات، تربوية تثقيفية وترفيهية في ذات الوقت، والعمل على تزويدهم بالمعلومات الكافية الضرورية لفهم معنى الوسطية والإعتدال ونشر الوعي الفكري الصحيح لهذه الثقافة لأنها السبيل الوحيد لتحصينهم وصقل معارفهم وتمثين علاقتهم بدينهم.

فكفى بالوسطية أن تكون مفتاحا للصراط المستقيم الغير منحرف لأي منحدر، وهو سبيل بين سبيلين منحرفين. وهو أيضا مفتاح الإستقامة لا اعوجاج فيها، والتي يسلَم العبد بمعرفتها من الإنحراف عن الصراط السوي ويكون في تعداد الأمة الوسط، هذا إذا تحقق من خلال معرفة خصائص الوسطية بمعنى استغلال جميع طاقاتها في البناء المادي والمعنوي الفردي والمجتمعي، من غير إفراط ولا تفريط لتحقيق التوازن في الدين والدنيا، والروح والمادة، والعقل والعاطفة، والمثالية والواقعية، لكي يتلائم مع الفطرة البشرية، ولذلك سمي الإسلام “دين الفطرة”.

*كاتب وباحث مقيم بايطاليا 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...