برنامج تعلم اللغة العربية عن بعد لأبناء الجالية المغربية ضرورة ملحة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*ذ. أحمد براو

 

 

انطلاقا من مختلف التغيرات والتطورات التي عرفتها جميع دول العالم وبفضل تطور عمليات تدريس اللغات والثقافات الوطنيَّة ثم استحضارا لمختلف المكتسبات التي عرفتها الأنظمة التربويَّة بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بما فيها المغرب، ومع تطور منظومة حقوق الإنسان في شقها الثقافي والهوياتي أضف إلى ذلك الإحساس بالإنتماء والوطنيَّة….فقد عرف ملف تعليم اللغة العربيَّة والثقافة المغربيَّة لأبناء الجالية بالخارج مجموعة من التغييرات وفق مختلف الإتفاقيات التي وقعتها المملكة المغربيَّة مع مختلف الدول الأوروبيَّة.

وحسب مختلف الإتفاقيات الموقعة مع المغرب فان تعليم اللغة العربيَّة والثقافة المغربيَّة لأبناء الجالية بالخارج وفقا لمخرجات دستور 2011 المتعلق بحقوق المهاجرين المغاربة، والذي يهدف إلى تحقيق مجموعة من المواصفات العامة لدى المتعلمين ليكونوا مواطنين مسؤولين قادرين على الإنخراط في تنمية مجتمع ديمقراطي متضامن وتعددي ومنفتحين على الثقافات الأخرى. كما يهدف من جهة أخرى إلى الإبقاء على الروابط التي ترسخ انتماهم إلى أصولهم المغربيَّة وتيسر اندماجهم الإيجابي في بلد الإقامة. وفي هذا الإطار ، يتم الإلتزام بضمان تكافؤ الفرص بين جميع الأطفال المغاربة المهاجرين البالغين سن التمدرس في الإستفادة من تعليم جيد للغة العربيَّة والثقافة المغربيَّة. كما تم اعتماد مختلف الكفاءات والمواصفات وفق الإطار المرجعي الأوروبي المشترك للغات، وأيضا تم اعتماد المستويات المرجعيَّة الأساسيَّة في إطار قاعدة موحدة لهندسة المناهج والبرامج الدراسيَّة الخاصة بمستويات التمكن من اللغة العربيَّة والثقافة المغربيَّة، بالنسبة لأبناء الجالية المغربيَّة المقيمين بالخارج، تعلما وتعليما، وتقوية وتقويما.

– تذبذب واقع تعلم اللغة العربية لأبناء الجالية

من خلال الوضعيَّة الواقعيَّة لملف تعليم اللغة العربيَّة والثقافة المغربيَّة بالخارج، فان الملفت للنظر هو كون هذا البرنامج ولمدة طويلة تقترب من نصف قرن، لم يستقر وضعه بعد ويبقى في تذبذب مستمر حسب تطور الوضعيَّة الديبلوماسيَّة للمغرب وفي علاقته بأوروبا بشكل عام. لكن ما يمكن الجزم فيه أن هناك تزايد كبير في الطلب وتراجع في العرض نظرا لعدم توحيد الرؤية بين المغرب ودول الإستقبال وخاصة في المسألة الدينيَّة وربطها بتعليم اللغة العربيَّة. إذ يكفي أن تقع بعض الأحداث الإجراميَّة كما في 2015 وفي 2020 لتظهر توجهات وتصريحات تدعو إلى التراجع عن ملف تعليم اللغة العربيَّة من طرف اليمين المتطرف. ولهذا يبقى السياق العام لهذه البرامج بين مد وزجر حسب الحكومات المتعاقبة ونشاط المكاتب الثقافية للسفارات والقنصليات المغربية وكذا حسب المصالح المتبادلة بين الأطراف المعنيَّة.

وقد عرف تعليم اللغة العربيَّة والثقافة المغربيَّة منذ اكتوبر 2020 تعديلات شملت السياسة اللغويَّة الجديدة وفق الإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات، حيث انتقلت عمليَّة تعليم العربيَّة من نظام يعتبرها كلغة اصليَّة للمهاجرين وأبنائهم إلى لغة حيَّة أجنبيَّة من حق كل الدول تعلمها كلغة في اطار التعليم الدولي للغات الأجنبيَّة، بل واتفق أغلب الخبراء في ميدان علوم التربية أن تعلم اللغة الأم للأطفال أبناء المهاجرين لا يشكل عائقا على الإندماج بل بالعكس يكسبهم الدراية والخبرة والثقة أكثر، ويعتبر هذا التعليم حسب الاتفاقيَّة، اختياريا، ويسمح بولوجه لكافة التلاميذ المتطوعين بعد موافقة ممثليهم القانونيين ابتداء من السنة الأولى إلى غاية السنة الخامسة من التعليم الابتدائي، مشيرة إلى ضرورة أن يتماشى محتوى هذا التعليم مع الإطار الأوروبي الموحد للغات في حين تتحمل الحكومة المغربيَّة، وفقا للاتفاقيَّات، أجور المدرسين المعينين من طرفها.

-أهداف تعليم اللغة العربيَّة والثقافة المغربيَّة لأبناء الجالية بالخارج.

يمكن أن نلخص الأهداف المستعجلة في كون التربية والتعليم حقا للطفل وواجبا على الأسرة والدولة المغربيَّة.
والمساواة في حق الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، وترسيخ مبادئ التربية والتنشئة على التشبث بالهويَّة المغربيَّة والثوابت الوطنيَّة.
تمكين أبناء الجالية من معرفة المقومات اللغويَّة والثقافيَّة للمغرب.
حماية اللغة العربيَّة وتطويرها، وتنمية استعمالها.
واعتبار اللغة الأمازيغيَّة، هي أيضا، رصيدا ثقافيا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء.
وقد تمكن المغرب من إرسال بعثات من مدرسين ومعلمين حتى بلغ في حدود 2019 قبل وباء كوفيد 19. فرنسا 374 إسبانيا 108 بلجيكا 64 ألمانيا 7 هولندا 5. المجموع 558.
وبعد ذلك تم فتح مجال الإستفادة من دروس تعليم اللغة العربيَّة عبر بوابة التعلم عن بعد www.e-madrassa.ma، حصريا لدولتي فرنسا وبلجيكا (السنة الدراسيَّة 2019/2020). يبقى أن تعمم التجربة على جميع الدول وتأخذ اهتمام لائق وممكن أن تخفف من حدة مشكلة التعليم المتواصل للأطفال والتلاميذ الذين لم يحصلوا لحد الساعة على فرص تعليم اللغة العربيَّة والثقافة المغربيَّة عن قرب بملاقاة معلمين ومربين.

– دروس تعليم اللغة العربية عن بعد أحد الحلول الممكنة

صار بإمكان أبناء الجالية المغربية المُقيمة بالخارج، في جميع بلدان الإقامة، أن يتعلموا اللغة العربية والثقافة المغربية، عن بُعد، وذلك بعد إطلاق برنامج تعلم اللغة العربية عبر شبكة الإنترنت، من طرف مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج منذ ثمان سنين،

البرنامج رغم تعثر بداياته يأتي في إطار التزام الدولة بخدمة الجالية المغربية المقيمة بالخارج، والدفاع عن حقوقها، والتجاوب مع مطالبها وانتظاراتها، ومن أجل تمتين الروابط بين مغاربة الخارج ووطنهم الأصلي، سِيَما من خلال تدريس اللغة الأم للأطفال والتلاميذ المغاربة المقيمين في الخارج الذين هم بحاجة إلى تعلّم اللغة العربية والثقافة المغربية.
لا شك أن هناك انتظارات كثيرة للجالية المغربية في الخارج، في مجالات الثقافة والدين والهوية، إطلاق برنامج تعلم اللغة العربية والثقافة المغربية عن بعد يأتي في ظرف يتّسم بحدّة النقاش في بلدان الإستقبال حول المهاجرين، وتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا، بحيث يعتبر البرنامج منعطفا أساسيا في إطار تقوية الروابط بين أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج وبلدها الأصليّ.

ويهدف برنامج تعلم اللغة العربية والثقافة المغربية عن بعد، حسب مدير القطبية بمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج إلى أن يكون “رافدا من روافد صيانة الهوية المغربية، ووسيلة أساسية لإثراء الحمولة الوطنية الثقافية والروحية الموحّدة للجالية المغربية في الخارج، ويجسد المرجعيات ويختزل مكونات الهوية المغربية، بجميع روافدها الوطنية، ثقافية كانت أو حضارية أو دينية كما أنّ تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية له مكانة متميزة لدى الجالية المغربية.
إطلاق هكذا برنامج لتعلم اللغة العربية والثقافة المغربية عن بعد، ليس بديلا للنظام التعليمي، بل مكمّلا له، حسب الكاتب العام لمؤسسة الحسن الثاني للجالية المغربية المقيمة بالخارج، الذي أوضح أنّ البرنامج أملته ضرورة استعمال البدائل الحديثة للتواصل، من أجل تكثيف التواصل والاستفادة منه.

ومن بين الإكراهات الأخرى التي جعلت مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج تطلق برنامج تعليم اللغة العربية عن بعد، يضيف المتحدث، إكراه غياب الإطار التنظيمي بين المغرب وبعض الدول، وهو ما سيجعل البرنامج عاملا مساعدا على تجاوز هذا العائق؛ وأوضح الكاتب العام للمؤسسة القائمة بهذا البرنامج أنّ تعلم اللغة العربية عن بعد سيكون مكمّلا للنظام التعليمي الحالي، المعتمد على تخصيص بعثات لتعليم أبناء الجالية، وليس بديلا له.

وستكون الاستفادة من البرنامج الذي تمّ اعتماده بعد استشارة ذوي الخبرة من العاملين في الميدان. ويركز المخطط البيداغوجي للمشروع، على عدّة أهداف أساسية، يأتي على رأسها اكتساب رصيد لغوي وظيفي يمكّن، في المقام الأول، من استعمال اللغة العربية نطقا وكتابة وفهما، من أجل التواصل مع الغير، كما أنّ البرنامج سيركّز على تنمية الكفاءات الثقافية والروحية المرتبطة بالهوية المغربية.

وبخصوص اللغة التي سيتمّ اعتمادها في التدريس، ستكون لغة عربية ميسّرة قابلة للتداول، دون الإغراق في القواعد، مع اعتماد طرائق تعليمية سهلة.

*أستاذ باحث في علوم التربية بجامعة كالابريا ورئيس فوروم مغاربة جنوب إيطاليا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...