د.الحبيب ناصري
هاهو المعرض الدولي للكتاب بالمغرب، قد يفتح أبوابه، وآخر، في هذه الأوطان العربية الجريحة والمثقلة بالتطاحنات وتهميش المعرفة والفكروالعلم، قد أغلق أبوابه، ليفتح في دولة أخرى. فماذا تحقق على مستوى الكتاب، من المحيط إلى الخليج؟. كم نطبع من عنوان؟. كم نقرأ من كتاب؟. هل استطعنا خلق تقاليد القراءة في مجتمعاتنا، في زمن تنشر فيه نسب متدنية جدا على مستوى القراءة، (آخرها ست دقائق كمعدل متوسط سنوي للقراءة في عالمنا العربي في حين أن الأوربي يقرأ بمعدل 200 ساعة في السنة ). أرقام عديدة تسير في نفس الاتجاه، و بتوقيع من مؤسسات رسمية عربية ودولية. ما موقع الكتاب وكاتبه في منظومتنا التربوية؟. هل نجحت مدرستنا العربية في ترسيخ ثقافة فعل القراءة؟. كم كتاب يقرأ الطالب سواء في المغرب أو في تونس أو في مصر أو في أي بلد آخر من بلداننا الممتدة من المحيط إلى الخليج؟.واقع مؤلم، يتعلق بالكتاب وكتابته وترويجه وصناعته وتوزيعه وقراءته والكتابة عنه، الخ. أتذكر أنني كنت في لجنة ما لانتقاء مترشحين للتكوين والتخرج من مؤسسة تكوينية ما، فسألت طالبة (حاصلة على الإجازة في الأدب العربي)، عن آخر كتاب قرأته؟. ردت علي بكونها لم تقرأ أي كتاب ماعدا كتاب واحد معنون ب “عذاب القبر”. بعض أعضاء اللجنة ابتسموا بشكل مؤدب، وأحسست أن البعض الآخر “تسمر” في مقعده، كأنهم أرعبوا بعنوان الكتاب وليس من قلة قراءة الطالبة للكتب.
إشكالية القراءة والقارئ والمقروء وزمكان القراءة، وكيفية القراءة، الخ، إشكالية تسائل في الصميم زمن التربية والتعليم وسياستهما، على امتداد هذه الجغرافيات العربية المثقلة بالصراعات والحروب والسياسويات والتطاحنات التي لن تحقق سوى “الريح”، وربح مضمون للآخر. من المدرسة، ومن كتابها المدرسي والثقافي والعلمي، الخ، بل من خلال إبعاد المدرسة عن الصراعات السياسوية والدينية، والحزبوية، وأدلجة الصراعات اللغوية، الخ، وجعلها تعيش إصلاحات زمنية تربوية وعلمية ومعرفية حقيقية، وبلغة المعرفة والعلم والتربية…من هنا، ولاشيء غير “من هنا”، تبدأ الرحلة الحقيقية لكل باحث عن مكانة ما تحت الشمس. دون هذا، تبقى معارضنا الدولية للكتاب، مجرد “طقس” روتيني للفسحة، يوقع فيه كاتب كتابا، يمنحه لزائر، يزين به بيته (في أحسن الحالات)، وقد لايفتح هذا الكتاب، إلى أن “يرمى” ضمن متلاشيات البيت. مجرد وجهة نظر(قد تحتمل الصواب أو الخطأ)، من رجل بدأ الشيب يفعل فعله في “رأسه”، وقضى (35سنة)، ولازال، في مجال التدريس والتكوين “والبحث”، عن خيط هارب لازال يطارده كما يفعل البعض العاشق لسؤال المعرفة والعلم والجمال، والذي ترعبه “أسئلة” الصراعات السياسوية المفضية إلى زمن اللاعلم واللامعرفة والحالم ب”القبض” على هذا الخيط، في زمكان ما، قبل الرحيل من هذه الدار، نحو دار أخرى.
معيار القراءة، معيار مهم به نقيس جهود المجتمع بشكل عام، ومن يساهم في تدبير أسئلته الإصلاحية. لقد راكمنا العديد من المحاولات، معظمها ذهب مع الريح، لأنها لم تكن بمعايير تربوية وثقافية وعلمية ومعرفية. بعض ممن يجلسون على العديد من الكراسي داخل لجن الإصلاح، لا تربطهم اي صلة بسؤال الإصلاح. لم يسبق لهم أن شموا رائحة غبار طباشير السبورة ولا رائحة دفاتر المتعلمين ولا أوراق بحوث الطلبة ولا شاركوا في مؤتمر علمي واحد. صحيح أن الإصلاح يحتاج لمن هم خارج أسوار المدرسة والجامعة والمختبرات العلمية!. لكن هل اكتوا بحرقة أسئلة التربية والتعليم والثقافة والمعرفة؟. يبدو لي أننا في عالمنا العربي، لازالت السياسة تحتل المقاعد الأولى في كل مناحي ومفاصل الحياة . راكمت هذه السياسة، العديد من الخبرات والتجارب في كيفية وضع قدمها في كل لجن تدبير المجتمع . هو فعل لابد منه، بكل تأكيد . لكن هل بمقدورها أن تجد الحلول الحقيقية لسؤال القراءة والبحث عن هوية بيداغوجية مفقودة وكيفية وضع المدرسة على السكة الحقيقية ؟. هل فعلا الغرب المتقدم أصلح مدرسته بالاصغاء فقط لاهل السياسة أم دعوا من راكموا خبرة في المجال وسلطوا الضوء عليهم وانسحبوا وتركوهم على مدار عدة أيام للتفكير العلمي والحقيقي قصد إصلاح التعليم والتربية والثقافة ليأتي دور السياسة الحقيقي فيما بعد لتوفير الترسانة القانونية والامكانات المالية لأجراة ما اتفق حوله؟.
لا مدخل حقيقي لتنمية حقيقية، خارج إعادة الجاذبية للمدرسة. وحدها المدرسة المفضية لطريق حقيقي نحو التقدم والازدهار . كلما أمعنت النظر في العديد من مظاهر التخلف التي تكبل عنقنا وتمنعنا من سفر حقيقي نحو التقدم، وعلى الرغم من جهود عديدة مبذولة هنا وهناك ونيات حسنة حاضرة، الخ، الا وتأكدت أن سر حلها في المدرسة.
حينما يتعاقد المجتمع وبكل رمته على كون المدرسة أفق حتمي لابد منه، حينها من الممكن البدء مسيرة النمو الحقيقي وخارج حسابات سياسوية تعدنا، أحيانا، بأن في مقدورها تحويل مدينة داخلية إلى مدينة شاطئية.





