بقلم زيد عيسى العتوم
ربما عجز وسيعجز المنجّمون والمحللون عن التنبؤ بكيفية وتوقيت نهاية الحرب في اوكرانيا, فمن استبعدوا رؤية الدبابات الروسية تحوم حول تخوم كييف وتحاصرها, هم بمنتهى البعد عن توقّع آفاق الفعل ورد الفعل بين موسكو والناتو, كل ذلك وسط تصاعد دخان القذائف ورشقات الصواريخ وهدير الطائرات, وبينما يشتدّ وطيس المعارك في الشوارع والساحات, وتزداد معاناة عائلات الضحايا والنازحين, ونسمع عن أروقة الدبلوماسية وجولات التفاوض قرب الأضواء او بعيد عنها, ينبري الإعلام الغربي مدججاّ بكافة أقلامه أو بنادقه, وراغباً بإظهار ما يَرى أو ما يجب أن يُرى, ومسلّحاً بفيضٍ من الطفولة والدم والدموع, أوراقه برائحة الحرية التي يريدها والمصداقية التي يهواها, ومداده بلون وطعم الحزن والتعاسة, أو هكذا أرادته السياسة!.
ليس غريباً على من أمسك بناصية التقدم وأذرع الرخاء والقوة, أن يضع حجارته فوق رقعة أثير البثّ وفضاء التواصل كما يشتهي, وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وليستثمر المستثمرون, فبنصف حقيقة أو حتى بربعها تُدفع سارية الرأي العام وتُنتهك إبرة بوصلته, وبصورةٍ أبدعها المصورون وأخرجها المخرجون وأرادها السياسيون, قد تصبح الحقيقة كالأموال يُبيح الكثيرون غسلها, فيغدو الكذب خبراً, والدسّ المعلوماتي تحليلاً, والتحريض رأياً وموقفاً, وبعيداً عن الغرق في أدراج الشكّ والمؤامرة, وبإغماض العين وإسكات القلب عن تلك الجراح وتلك القبور في فلسطين والعراق وسوريا وليبيا وغيرهم, وبشجب ولعن كافة الحروب والصراعات أينما حلّت وارتحلت, وبالحزن على كل دمعة تنهمر أو قطرة دم تُراق, مهما كانت عينها أو وقتها ومصدرها, نقف أمام الاعلام الغربيّ ونمعن النظر فيه, ونقترب من كلمة “press” المرسومة على ستراته, ثم نقترب منها أكثر لنراها كلمة “army” على الأغلب, فالاعلام الغربي يتحدث عن الصحة النفسية والذهنية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين, ويستضيف لتلك الغاية أطباءَ ومحللي النفس والروح, ويخبرنا عن مزيج الحزن والاكتئاب والعزلة التي يعاني منها سيد الكرملين, بينما الرئيس الروسي يحكم ويقود دولةً من اكثر الدول حجماً وقوةً وتأثيراً, ويدير حرباً تهزّ العالم وتخلخل كافة حساباته, ويخرج الإعلام الغربي علينا بأنباءٍ عن تدهور الحالة البدنية لذلك الرجل رغم التستر والغموض حسب وصفه, بينما يمارس الرئيس بوتين كافة انشطته ولقاءاته واتصالاته ومؤتمراته الصحفية بطلّة بهية واناقة معتادة, ثم يتألق ذلك الاعلام في سبر خطوط ودوائر تفكير القيادة الروسية, ويستنتج مشاعرَ الاحباط اللتي تتملك الحاكم الروسي من أداء قواته وانجازات جيشه, بينما ساحة القتال تظهر شبه السيطرة الروسية التامة على سماء وبحار وأوصال ومقدرات الدفاع الاوكرانية, عدا بعض المدن المقطّعة الأوصال والمحاصرة من كافة جهاتها ومنافذها, وفجأة يخبرنا الاعلام الغربي عن طلب موسكو من حليفها الصينيّ مدّه بالعتاد العسكري, فهل يصدق عاقلٌ نفاذ او شبه نفاذ عتاد دولةٍ بسطوة وقوة روسيا بسبب حربٍ لم تُكمل يومها العشرين!, ربما تبرأ أصغر الميليشيات وأضعف الحركات المسلحة بنفسها عن فعل ذلك, ثم تتألق ” الميديا” الغربية في وصفها وحنكتها العسكرية والاستراتيجية, وتقول أن هزيمة الجيش الروسي لن تكون بسبب الصمود الاوكراني او دعم حلف الناتو للرئيس زيلينسكي, لكن الفاجعة هذه المرة ستأتي من القطب الشمالي!, فالانخفاض الرهيب في درجات الحرارة في ميادين القتال سيجعل الجندي الروسي الواقف في العراء فريسة للتجمد والموت, بينما يذكّرنا التاريخ جيداً بنعمة الثلج والبرد التي سقطت سلاماً على الجيش الأحمر في حربه ضد القوات الالمانية الغازية في اربعينيات القرن الماضي, حتى وصلت قواته الى قلب برلين ورفعت رايتها فوق مبنى الرايخستاغ.
كثيراً ما شهد العالم أحداثاً مأساوية ومفجعة, أُغتصبت فيها البلاد والعباد, وانتُهكت فيها الاعراض والمقدسات, وتكللت تلك المشاهد بقبور ليس لها مسمى أو عنوان, وببيوت قد غدت مجرد بقايا لأطلال, ونساء في أحسن أحوالهن كنّ ليس غير أرقام من المعذبات والثكلى, كل هؤلاء على الاغلب لم يتلقوا من اعلام الغرب حنجرة تصدح, ولا غلاف مجلة يفضح, ومثلما أن التاريخ يكتبه المنتصرون, فإن ما تُسمى الحقيقة يصنعها الأقوياء!.





