جذوة الشوق

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ديار إبراهيم الكردي

 

 

أنبِئتُ أنك الآن في أكناف تلك المدينة الطاهرة، التي حوت في جوفها جثمان سيد البشر. وإني لأظن أنك في هذه اللحظة إما واقعة في سابع نوم جراء التعب الذي أنهكك طيلة اليوم، أو أنك ماطَلتِ وقصدت ذلك البيت المبارك، الذي تفوح منه رائحة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وإني لأتصورك، وأرى رسمتك أمام ناظري: كيف استندت إلى إحدى العواميد المباركة، شاردة في نقطة بعيدة، وقد ترقرقت من عينيك دمعتان خفيفتان تدلان على ثقل الهم القابع في قلبك المملوء بالعواطف المكبوتة، لسان حالك يصدح: ((إلٰهي! قد لقيت الدواهيَ!))، آملة في مَنِّ المنان أن ينتشل شجوك قائلة بلسان القلب المهموم: “يا أمل الآملين! فرج كربتني…”. راجية من ذي الجبروب أن يُلقي على ذلك القلب المفجوع أمانا دائما ببركة طيب الثرى (عليه صلوات المنان وسلامه)، هامسة بلسانك المرتعش وشفتيك المرتجفتين: “يا أمان الخائفين! الأمان.. الأمان!”.

وإني والله -بعد أن ذقت المرارات والغصص إثر البعد من تلك القبة الخضراء- ليحزنني أني لست معك، كي أجلس جنبك، وأُربِّتَ على قلبك، وأهمس في أذنك -بعد أن نزلت دمعة حزن وفرح- قائلا: “لا عليك، قد وصلنا إلى صاحب القبة!”، فتمسحين دموعك ملتفتة إلي، وترمقينني بعينيك الخلابتين اللتين اعتادتا أن تذهبا بي بعيدا، وتقولي: “صدقت، لقد وصلنا…”.

حينها؛ نخرج من ذلك الحرم الذي تسوده طمأنينة وسكينة لا تضاهيهما سكينة أخرى في أرجاء هاته المعمورة، كي نتوجه نحو مسكننا، وأتمشى بمحاذاتك، مشية تمنيتها طيلة حياتي معك، مشية لا تجاريها نظيراتها مع ذوي الفخر والمعالي، وأقول لك:

“حقا، لقد انتظرت هذه اللحظة، ولبثت من أجلها مليا”، كي تلتفتي إليَّ -وأنت حاجبة ذلك الشعر الأخَّاذ بخمار أسود، كأن الشاعر قد أنشد فيك: ((قل للمليحة بالخمار الأسود…))-، وتلقي عليَّ نظرة بتينك العينين الساحرتين اللتين هما من لون خمارك، وتقولي -كأني لَم أنطق بشيء-: “لقد ساد قلبي حس عجيب، يا ترى ممَّ هو نابع؟”، فأجيب بدوري: “إنها السكينة: ((فأنزل الله سكينته…)”.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...