حسن تيسير الكوني
يسير الإنسان في حياته بين محطات كثيرة ومتنوعة يبني من خلالها نفسه وشخصيته وفكره، وفي كل محطة يتزود بأشياء جديدة تؤهله وتساعده في الإنتقال إلى المحطة التي تليها، ونحن المسلمون لدينا محطات متتالية ومتجددة نشحذ من خلالها الهمم ونجدد فيها الإيمان الذي بلا شك يزيد وينقص في ظل مستجدات الحياة والمؤثرات التي نعيش.
ومن المحطات التي يمر بها المسلم وتبني في نفسه الايمان الصلوات الخمس فهي محطات يومية تمد الإنسان بالراحة والطمأنينة ثم تاتي محطة أخرى وهي صلاة الجمعة فهي محطة موسمية من المواسم الصغرى في حياة المسلم، ثم تأتي المواسم السنوية الكبرى ومن أهمها رمضان والذي يختصه الله عز وجل بالرحمة والمغفرة والعتق من النيران فهو المحطة التي ينبغي علينا التزود منها بالعبادات والأخلاق وحُسن المعاملات مع الله ومع النفس ومع الناس حتى نكمل المسير في طريق الحياة.
رمضان مدرسة الثلاثين يوماً
شهر الصيام مدرسة بكل ما تحمله الكلمة من معنى فيه نتعلم العبادات والأخلاق ونطبق المهارات المختلفة على مدار أيامه ولياليه، ورحم الله مصطفى صادق الرافعي الذي قال:” لو أنصفك الناس يا رمضان لسمَّوك ( مدرسة الثلاثين يوما)”! فهو مدرسة شاملة متكاملة فيها صحة الأبدان والإرتقاء بالإيمان، نحقق من خلاله متطلبات الجسد والروح فنحن نعيش في عالمين: ( عالم المادة، وعالم الروح ) ولنا تعاملنا مع الأرض وتواصلنا مع السماء. وفي مدرسة الصيام تتقوى الإرادة الذاتية للمؤمن حيث لا رقيب ولا حسيب سوى ضميره الإيماني وخشيته من الله رغبةً فيما عنده من جزاء وهرباً مما عنده من عقاب.
رمضان محطة صيانة سنوية
الصوم من أعظم ميادين جهاد النفس والإرتقاء الروحي؛ ففيه تَقوى الإرادة الذاتية للمؤمن فهو يكف عن ما تستطيب نفسه وتشتهيه، وهو ساحةٌ يملك فيها المسلم نفسه ويضبط غرائزها ويقيد جموحها، كما أنه يزيد من الشعور بالغير ففيه نستشعر حال الفقراء ونجرب آلام المحرومين وجوع الجائعين ومعاناة المحتاجين، نترفع فيه عن الشهوات والنزوات.
ويعتبر العلماء الصوم ظاهر صحية حيوية لا تستمر الحياة السوية والصحة الكاملة بدونها؛ فالصوم للجسد فترة راحة واسترخاء ومراجعة وترتيب نشاط واستعادة وتحديث نظام متكامل، فالصوم وقاية وشفاء فهو الفرصة العظيمة لاستعادة الجسد توازنه الحيوي، وهنا نجد أن رمضان محطة صيانة إيمانية وصحية وكما قال الإمام الغزالي رحمه الله: ” الصيام زكاة النفس ورياضة للجسم، فهو للإنسان وقاية وصيانة وفي جوع الجسم صفاء القلب وإنقاذ البصيرة، لأن الشبع يولد البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار فيتبلد الذهن، أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع، وطهروها بالجوع تصفو وتَرِق”.
رمضان شهر القرآن وحامل القران لا يُغلب
يأتي رمضان ليجدد لنا ذكريات القرآن التي كانت فيها الأرض على موعد مع وحي السماء؛ ففيه نزل القرآن البلسم الشافي والعلاج الواقي بتلاوته يتبدد الهم ويزول الغم يفرح القلب ويشفى المريض، يأتيه طالب العلم ويجعله بين جنبية لتتفجر منه كنوز المعرفة، يسمعه العاصي فيرق قلبه ويرجع، بل وتأتيه الأمة لما فيه من عز ونصره ففيه نتمسك حساً ومعنىً واقتداء حتى نجد الرفعة والنصرة على الأعداء. إنه كلام الله أعظم البيان والسراج المنير والطريق القويم والمنهج السليم ففيه الرفعة والغلبة والتمكين.
كلما قرأناه وكررناه زدنا له شَوقاً وحُباً، فهو كما وصفه علي بن ابي طالب:”الناصِحً الذي لا يَغِش، والهادي الذي لا يُضِل،والمُحَدِثُ الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام منه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى ونقصان من عمى”. أما والله ما نزل القرآن إلا لِيُتَدَبَّر وحين ترى قلبك لا يتأثر فراجع نفسك وقيم حالك وسل الله أن يُحي قلبك.
نداء المحطة الأخيرة قبل بلوغ رمضان
إلى من جاءت إليه نفحات القرب وإلى من وصلته البشرى واستشعر بالوصل إلى من يطمح بالعفو ويرجو العتق، إن صدى صوت رمضان قد اقترب يردد: يا غيمة الغفلة انقشعي عن القلوب، يا أقدام المصلين استعدي للهروع إلى الركوع والسجود، يا قلوب الصائمين اخشعي، يا ذنوب التائبين لا ترجعي، فطوبى لمن استعد وعمل وأجاب فأصاب، وويل لمن غفل وتقاعس ورُدَّ عن الباب،إنه باب الريان حيث لا ظمأ ولا عطش ولا آلام، رمضان من الشهور كيوسف من إخوته سَدَّ خلل أحد عشر منهم وأصلح لهم الحال بعد أن كانوا على الخطايا والاثام، ورمضان شهر واحد وبقية الشهور أحد عشر، في أعمالنا خلل وقد وقعنا في الزلل وأملنا بالله كبير في هذا الشهر الفضيل أن يصلح حالنا في ما فرطنا في سائر الشهور ليختم لنا في الفرح والسرور والقبول فتمسنا الرحمة والمغفرة والعتق من النار.





