*ذ.عبد البصير جمال عيد
في البداية أود أن أشكر إيطاليا تلغراف وفريقها الرائع والراقي وعلى رأسهم الأستاذ عبد الله مشنون لإتاحة الفرصة لنا للمشاركة في هذه الندوة الطيبة مع ثلة من المثقفين والكتاب والعلماء. وفي موضوع الإعلام العربي أحب أن أبدأ موضوعي بالرجوع إلى الماضي القريب فالإعلام الحاضر يختلف عن الماضي، ففيما أذكر، كانت الشاشات تستقبل الاشارة عبر “الهوائي” الذي يظهر فوق أسطح البيوت. وكانت تلك القنوات تُقدِّم موجزاً من الأخبار في أوقات محددة، والنشرة الرئيسية في تمام الساعة الثامنة مساءاً. تمتاز هذه النَّشرة بالإيجاز وتغطية الحدث مع تحليلٍ يدركهُ المشاهد العربي ويقف به على حيثيات المواضيع الساخنة فيما وراء الخبر.
لكن مع تعددِ القنوات الفضائية غير الممنهج، وتعدد الممولين الَّذين تتعدَّدُ أهدافهم وأغراضهم من تلك القنوات، وظهور مواقعِ التَّواصُل الاجتماعي المختلفةِ، كل ذلك يضع المشاهد العربي في مرمى الهدف الذي أصبح وكأنه يقف في مفترق طرقٍ يزدحم فيه المحتوى المرئي والمكتوب بشتى أشكاله. وقليلٌ ما تجد بذلك المحتوى ما يرقى لتطلعات الشَّارع العربي. ولا ينكر أحد أن هذا التنوع يوسِّع آفاق ومدارك المشاهد العربي، ولكن بسبب توجه بعض القنوات نحو زيادة الأرباح ، جعل بعض القنوات تحيد عن أصل الفكرة التي يقوم عليها الاعلام العربي.
الطَّرحُ الرَّكِيك والسَّخيف في بعض القنوات الفضائية وخاصة الإخبارية في التعاطي مع المستجدات العالمية والوطنية له دلالات خطيرة.
الاستخفاف بعقول النَّاس من خلال تقديم محتوى يمكن وصفه أنه فارغ في مضمونه جملة وتفصيلاً يسلط الضوء على مدى تدهور وسقوط الإعلام العربي عبر بعض القنوات الفضائية المتلفزة التي يمكن وصفها أنها تفتقر إلى المهنية العالية وتحتاج إلى مزيد من الجهد لوضعها على سِكَّة صحيحة سليمة.
وهذا بلا شك جعل الكثير من المتابعين للتحويل نحو متابعة القضايا العالمية عبر قنوات التواصل الاجتماعي المختلفة. وهذا أيضاً يضع المشاهد العربي ضمن خيارات متعددة ومتنوعة في استقبال الأخبار المزيفة والمضللة.
عندما لا يجد المحتوى التلفزيوني ما يقدمه يبدأ بصنع خليط غير متجانس من المحتوى الفقير الذي لا يقدم ولا يُأخِر، حتى أن هذا المحتوى أو ذاك يصبح يدور في حلقة مفرغة من التفاهة. خاصة عند دمجها بالأفكار الوضيعة والمشتَتَة وتقديمها للجمهور على أنه محتوى مُتقدم وغاية في الحِرفية التي تزخرفها الأنوار وفنون المُونتاج الذي يعمل كسحرٍ يُراد به أن يجذب المشاهد العربي والاستخفاف به وبعقله.
إن حجم الأحداث والتغيرات التي تطرأ باستمرار في منطقتنا العربية زادت من الوعي السياسي عند هذه الشعوب، فليس من السهل أن يتقبل المواطن العادي فضلاً عن المثقف الطرح الركيك في بعضِ وسائل الإعلام العربية في التعاطي مع القضايا العربية والعالمية.
على الرغم من انغماس الشعوب العربية في مستنقعٍ من المشاكل الَّتي تحيطُ به على جميعِ الصُّعُدِ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هذه الشعوب تملك من الوعي تجاه قضاياها ما نفخر به أمام شعوب العالم. نعلم أن هناك مناطق في محيطنا العربي أصبحت تفتقر الي الأمن والاستقرار لكن الشعوب العربية شعوب ما زالت تناضل من أجل قضاياها وتشقُ طريقها نحو التنافس العالمي، وهذا النضال لا يحتاج إلى إعلام يرقص على مآسي الشعوب، أو يصمُّ آذانه ويغمِضُ أعينه، بل تريد هذه الشعوب إعلام ينظر بعينها ويسمع بآذانها وتتكلمُ بلسانها.
لا ننكر أن ما يقوم به الإعلام العربي في أوروبا قد أزال من على كاهلنا حملاً قد لا يستطيع الإعلام في وطننا العربي أن يحمله! فالعالم العربي منشغلٌ بمستنقع من المشاكل أو المصائب إن صح التعبير! مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية انعكست بشكلٍ سلبي على قدرت الشعوب بالتفكير نحو التقدم والحداثة ومواكبة المستقبل والذهاب مع ركب الدول المتقدمة. فتجدنا منهمكون في حروبٍ تستنزف خيراتنا ومهاتراتٍ تضعف نسيجنا السياسي والمجتمعي. فما بالكم لو فكرنا بتلك الأجيال وذلك الشباب العربي الذي يضيع بين شوارعنا وأزقة أحيائنا. يبحث عن فرص العمل التي شحت بسبب تغول الفاسدين في تفاصيل حياتنا فلم يتركوا للشباب من نبعٍ يغيث مستقبلهم إلا وجففوه ولم يبقوا لهم من سنين تعبهم في الجامعات والمعاهد سوى أوراق تسمى شهادات يعلقونها على بسطات الفول والترمس في شوارعنا المهترئة. فقد رأينا في غزة من يحمل شهادة الدكتوراه ويؤلف الكتب يبيع الفراولة ليحصل على قوت يومه بالحلال. وآخر يحمل شهادة دكتوراه يقوم بتوصيل الطلبات على دراجة قديمة… أما الفارغون فتجدهم في المناصب ينعمون.
إن ما أريد أن أوصله من خلال وصف هذه المعاناة هو الدور الكبير الذي يمكن للإعلام العربي والعالمي أن يقوم به من أجل إيصال رسالة الشعوب المقهورة لتكون مرآة لمعاناتهم وصوت لكلمتهم المفقودة.
إن الدور الذي يقوم به الإعلام كبير وهذا الدور يكبر كلما كبرت معاناة الشعوب من حولنا، فوظيفة العلماء والمثقفين والكتاب والقادة في مجتمعاتنا أن يسلطوا الضوء على الكثير من القضايا برؤيتهم الثاقبة من أجل أن توضع النقاط على الحروف لعلنا نوصل رسالة تكبح جماح الفاسدين ونكون سبباً لتحول مجتمعاتنا نحو الازدهار والتقدم وبذلك نكون عوناً لشعوبنا لا عبئاً عليهم.
إن شعوبنا أصبحت تلجأ لوسائل التواصل الاجتماعي من أجل أن توصل رسالتها ومعاناتها وهنا يأتي دور الإعلام ليكون قريباً من الشعوب بالوقوف على تلك المشاكل وتقوم بمعالجتها وإعادة صياغتها بشكل موضوعي وليس بهدف أن تركب الموجة! لا بل من أجل أن تقف على حيثياتها ودراسة أبعادها السياسية والاقتصادية والمجتمعية. إن تقديم المحتوى الفارغ من أجل استمالة الناس وإثارة عواطفهم من أجل جني الأرباح من المشاهدات أمرٌ مرفض ولا يؤدي الدور الذي نريد من الإعلام أن يؤديه بفاعلية. فالذي نريده هو محتوى مفيد وفريد وليس محتوى مكرر.
ونقطة أخرى يمكن لنا أن نثيرها في هذا المقام … أن الإعلام يجب أن يكون متنوعاً كتنوع مجتمعاتنا وتنوع قضايانا! فكلما كان تعاطينا مع قضايا متنوعة ومختلفة كلما كانت شعوبنا أكثر وعياً وأقدر على تحقيق التقدم في جميع مناحي حياتنا. فكم من قضايا ما زالت عالقة في مجال التعليم والزراعة والبيئة أصبحت من الماضي عند شعوبٍ أخرى ولكننا ما زلنا عالقين بها حتى يومنا الحاضر. الكثير من القضايا مازالت تستنزفنا. ففي حين أننا لا نستطيع أن نؤمن مياه نقية للشرب ولا بتأمين الكهرباء لبيوتنا ولا تأمين القمح لبلادنا رغم خصوبة أرضنا تجدنا نخوض في مسائل أكبر بكثير من إمكاناتنا وليست من أولوياتنا!
ما زالت الفرصة قائمة لجعل الاعلام العربي يرقى في عيون شعوبها من خلال العمل الدؤوب وتظافرِ الجهود نحو التحسين والتطوير وتقديم محتوى وتحليله بمهنية عالية تنقلنا نحو الحرفية والتنافسية العالمية، وبالتأكيد تكون عوناً لنا لا علينا في التعاطي مع المستجدات والملمَّات. ففكرة التجديد وتقديم محتوى هادف يجب أن يكون من خلال شراكة حقيقية تنطلق من أساسٍ قوي وصلب. وهذه القاعدة لا تكون من خلال أدعياء الشذوذ والانحلال بل من خلال الوقوف في خندقٍ واحد مع المثقفين والمُفكِرين والعلماء حتى لا يُدفنوا أحياء في مجتمعاتنا العربية.
وفي الختام أشكر إيطاليا تلغراف لإتاحة الفرصة لنا ولمجموعة متميزة من الكتاب والمثقفين بمختلف أصنافهم وأطيافهم.
*كاتب وخبير تربوي





