بوصلة المعارضة

 

 

 

 

عبد المولى المروري

 

 

لا أدري لماذا ما يزال البعض مصرا على توجيه معارضته (الهادئة أو الشرسة) إلى شخص بلا سلطة، بلا رأي، بلا حكم.. شخصية شبه سياسية عبارة دمية تحركها أيادي لم تعد تخفي وجهها خلف الستائر..

الذين يصرون على معارضة أخنوش سواء بصفته رئيسا للحكومة، أو بصفته رجل أعمال، إنما ينحرفون عن الاتجاه الصحيح للمعارضة.. ولم يحسنوا التعامل مع بوصلة المعارضة.. لأن الرجل ليس له من الأمر شيء، وليس بمقدوره أن يقدم أو يؤخر.. ولا أشك أنه لا سلطة له على شركاته وتجارته، فكيف ستكون له سلطة في الحكومة، فثوبها واسع عليه بشكل فظيع، أما كرسيها فهو أوسع من ثوبها ..

إن تحريف اتجاه المعارضة إلى أخنوش هو تحريف للمسار الصحيح الذي يجب أن يسلكه المناضلون الأحرار والسياسيون الشرفاء .. والتركيز على أخنونس هو تركيز من جهة ضعيفة على جهة أضعف ..

أخنوش مجرد منفذ مطيع ..

وكي تكون المعارضة مفيدة ومنتجة، وكي تؤدي دورها السياسي المطلوب لابد أن تنضبط لمجموعة من المعايير والضوابط. وقبل ذلك، لابد أن نحدد مفهوم المعارضة السياسية باختصار شديد.

مفهوم المعارضة السياسية:
تعد المعارضة السياسية أحد أهم مرتكزات الديمقراطية في الأنظمة السياسية، وهي ضرورة سياسية لابد من وجودها في الأنظمة المتطورة، الغرض منها تصحيح وتصويب ونقد أداء السلطات الثلاثة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، حيث تتبنى قوى وحركات وشخصيات سياسية مبدأ معارضة نهج ومنظومة القوى السياسية المهيمنة والمتحكمة بالسلطة، وليس الاعتراض على النظام العام، وذلك من خلال ممارسة كافة الوسائل السلمية التي يتيحها الدستور لتغيير الوضع السياسي نحو الأفضل.

المعارضة لدى فقهاء القانون الدستوري والنظم السياسية لها معنيان، أحدهما عضوي (شكلي)، والآخر مادي (موضوعي)، فيقصد بالمعارضة في معناها الشكلي القوى والهيئات التي تراقب عمل الحكومة وخططها، وقد تكون ضمن أهدافها الحلول محلها، سواء كان عن طريق الفوز بالانتخابات أو غيره.

أما كلمة المعارضة بمعناها المادي أو الموضوعي فتعني الفعاليات والأنشطة المتمثلة في انتقاد الحكومة ومراقبة أنشطتها، ويكون ذلك من قبل القوى والهيئات التي تمثل المعارضة (العضوية)…
ويتميز هذا النوع من المعارضة السياسية بامتلاكها رؤية وبرنامج سياسي وقدرتها على تقديم بديل سياسي واضح المعالم ومتكامل، يعبر بصدق عن مطالب و إرادة الشعب، مشتبكة مع الواقع السياسي على الأرض من خلال إطار تنظيمي ومنظومة قيادة ويتعامل مع استحقاقات الساحة السياسية بواقعية وعقلانية.

المعارضة وجميع الحركات والأحزاب التي تعارض القوى السياسية التي تمسك بزمام السلطة هي عنصر أساسي من النظام الديمقراطي، ويجب أن تمتلك برنامج بديل يؤهلها للحلول مكان الحكومة، هدف المعارضة الأساسي هو الوصول إلى السلطة، وهي تتبع من أجل ذلك كل الوسائل في وجه الحكومة بما فيها توجيه الانتقادات، وإثارة الرأي العام ضد الحكومة.
فعلى المعارضة السياسية وفقا للمنظور القانوني والسياسي أن تكون لها أطروحة ورؤية سياسية وأفكار برامج بديلة تعبر بها عن مواقفها الرافضة لسياسات الحكومة. كما يجب أن تعمل على التجييش السلمي للمواطنين لمعارضة بعض قرارات الحكومة أو رفض بعض قوانينها، وطرح فكر وبرنامج سياسي مخالف لها.

بل أكثر من ذلك، فلابد أن تعبر المعارضة عن صوت من لا صوت لهم في مؤسسات الحكم، فعليها أن تعبر عن صوت الفقير المعدم، والمعتقل المظلوم، والشباب الذي يعاني البطالة، والشباب الذي آثر الهجرة والموت على حياة البؤس والمذلة.. يجب أن تكون صوت الشعب الذي يرزح تحت نظام قانوني يكرس الطبقية ويضيق على الحريات، ويعيش تحت نظام اقتصادي يكرس الفوارق الاجتماعية ويمكن للأوليغارشية، وتنعدم فيه العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. ونستذكر هنا قولا لأحدهم أن «قراءة التاريخ تثبت أن الحرية دائما تموت عندما يموت النقد في المجتمع»

لا يمكن تصور وجود ديمقراطية بدون وجود معارضة، وبالتالي فإن حق التمتع بكامل الحرية في ممارسة نشاطاتها السياسية بما في ذلك طرح أفكارها وبرامجها السياسية المخالفة لفكر ونهج منظومة السلطة، بصورة سلمية يعد من الحقوق المدنية والسياسية التي يكفلها الدستور، فلابد أن يستغل ذلك على أوسع نطاق، وبأقصى حد من الجدية والفعالية والمسؤولية.

هل هناك معارضة في المغرب؟
من خلال ما هو متعارف عليه سياسيا، ومن خلال تتبعي للمشهد السياسي المغربي، لم أستطع التأكد من وجود معارضة سياسية بالمعايير والمواصفات المعروفة، وأقصى ما استطعت العثور عليه هو ما يلي:
معارضة الملاسنات والاتهامات المتبادلة: فمن خلال الخرجات الأخيرة لكل من أخنوش وابن كيران، فكل واحد منهما يكيل للآخر جملة من الاتهامات، ويحمله مسؤولية ارتفاع ثمن المحروقات واستمرار الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تأزمه.. ولم يستطع أي واحد منهما التقدم برؤية أو حل لهذا الوضع المتفاقم والمحتقن..

معارضة الغرف والمقرات: فمعظم ما نتابعه من مشادات كلامية بين “المعارضة” و”الحكومة” لا يتجاوز عتبة المقرات الحزبية أو غرف الضيوف في منازل الزعماء السياسيين، فلا نجد معارضة في القاعات العمومية بحضور عموم المواطنين، ولا ندوات سياسة عامة، ولا كتابات نقدية في الجرائد والمدلات الوطنية، ولا لقاءات صحفية.. الحياة السياسية تعيش حالة ركود مميت، ولا تحركها إلا خرجة هنا وهناك لا تغير واقعا، ولا تقدم بديلا ولا تضع رؤية أو عرضا سياسيا حقيقيا..
معارضة ناعمة: الملاحظ أن خطاب المعارضة، فضلا عن كونه لا يقم عرضا ولا حلا ولا رؤية، فإنه لا يفوت فرصة التقدم ببعض المجاملات، وتقديم بعض الأعذار، وإعطاء فرص للخصم (الحكومة) كي يستجمع أنفاسه ويجد أجوبة عن بعض الأسئلة الحرجة دون ضغط من المعارضة، وهنا لا أتحدث عن معارضة الشارع غير المؤطر الذي يقوم بمعارضة من نوع آخر.

معارضة هادئة: غريب أن الشعب المغربي يغلي من شدة حرارة الأسعار، ويئن من شدة ألم القهر وتزايد الفوارق الاجتماعية، ويختنق بسبب انخفاض منسوب الحرية إلى أدنى مستوى، ومع كل هذا تتم مواجهة هذه الوضعية بمعارضة هادئة، هذه بدعة سياسية غريبة عن حقيقة ومفهوم، هي حالة اللامعارضة، هذه هي حقيقة الأشياء والوصف السليم للمشهد السياسي.

يبدو أن كل الأحزاب المتواجدة خارج الحكومة، والتي وجدت نفسها ميكانيكيا، ودون إرادة منها في موقع المعارضة قد فقدت بوصلتها السياسية، وضلت اتجاهها، ولا تدري أين تتجه ولا أين تسير، فليس بمقدور أي حزب حاليا أن يقدم عرضا سياسيا متقدما وشجاعا، يتعرض للقضايا الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية، لأنه يعلم أن أي عرض من هذا القبيل، يسعى إلى تخليص هذا الشعب من قهره وتخلفه، وينقده من واقع الفوارق الاجتماعية الرهيب، والانتهاكات المتتالية لحقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغير ذلك من الأحلام الجميلة، فلا محالة سيصطدم بفلول الدولة العميقة وقوى الأوليغارشية المتصاعدة، وهذا ما لا يحتمله أي حزب ولا يقوى عليه أي زعيم مهما كانت قوته وشعبيته بين أنصاره، وهذا أيضا ما لا يستطيع الزعماء السياسيون المعارضون الاعتراف به أو مصارحة الناس بذلك.. فيتم تعويض هذا الضعف السياسي بملاسنات ومناوشات كلامية لذر الرماد في العيون، والحفاظ ولو جزئيا على ماء الوجه.

الحقيقة، وكما سبق أن قلت في مناسبات عديدة، أن من يعارض حكومة أخنوش كمن يطارد خيط دخان، لن يلوي على شيء، لأن أخنوش كرئيس حكومة ليس له من الأمر شيء، هو رئيس مكتب وليس رئيس حكومة، وأن أعضاء حكومته عبارة عن موظفين تقنيين في دولة لها حكومتها الحقيقية لا علاقة لها لا بانتخابات ولا بصناديق الاقتراع..

وختما، هناك حل من اثنين، إما أن يتم أخذ موقع المعارضة بجدية وشجاعة ووضح، مع ما يكتنف ذلك من صعوبات ومخاطر، أو مصارحة الشعب بحقيقة الأمر والتصريح بموت المعارضة ونهاية العمل السياسي، واتركوا الشعب يواجه قدره بنفسه، وبما أنه لا يمكن تحقيق أحد الحلين، فلا وجود لأي معارضة مغربية حقيقة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...