ديار إبراهيم السَنكَسَري
كان حال الشيخ الليلةَ مختلفا عن الليالي الخوالي، فلقد لوحظ أنه تأخر عن صلاة القيام، شوهد عند انتهاء الركعة السادسة وهو متأخر يعيدركعة، ثم لم يتقدم للإمامة، وحين انتهت الصلاة أوى إلى أحد أركان المسجد، جلس ساكنا ولم ينبس ببنت شفة، وقبل أن يَهمَّ الناسُبالانفضاض، دعاه أحدهم قائلا:
((تفضل يا شيخ، لم تُلقِ كلمتك)).
تثاقل في مكانه، إذ لم يكن في حسبانه هذه الليلة أنه سيتحدث للناس، ولم يحضر نفسه لها، وبعد برهة قام، توجه بخطى متثقالة للمحرابساكنا كمشيته المعتادة، لا يلتفت ولا يحرك عينيه يمنة أو يسرة وإن حدق في عينيه كل الجلوس. جلس حِيال الناس بوقار ساد كيانه، بدأباسم الله (عز وجل) وصلى على رسوله (صلى الله عليه وسلم) بنبرة مِلئُها السكينة، ثم كَفَّ؛ وشرد بعينيه نظرة غير موجهة، لمع في عينيه بريقمباين، عيونه كانت تسفر عن جعبة مملوءة بالكلام، لكنها لا تريد البوح بهوادة، وبعد سكتة لفتت نظر بعض الجلوس المُطرقين -إذ كانواجالسين مرغومين على أنوفهم ككل الليالي السابقة خجلا من ذويهم، لأنهم اعتادوا على الكلمات التي لا توقع في نفوسهم أية آثار، وإن كانتمدبجة ومزخرفة بشتى أساليب البلاغة والفصاحة-، وَغَل في كلامه بعد آهة خفيفة شرحت ما أثقل روحه:
((أيها الناس، قد سمعت قبل عدة أشهر من رمضان أحد الدعاة يصرح بأن هذا الرمضان سيكون أسرع رمضان عرفه المسلمون، حينهااندهشت وتسآلت: كيف؟ لكن الآن عرفت! اليوم، هو اليوم الثالث والعشرون من رمضان، وإننا لم نُحسَّ بأنفسنا كيف وصلنا ليومنا هذا مذبدأ هذا الشهر الكريم، كلكم توافقونني الشعور والإحساس بأن إعلان الأوقاف لبداية رمضان كأنها البارحة، وإني لَإخالُ هاته الأيام كأنهاقشٌّ حملتها الريح عند الغروب وذهبت بها على عيون فلاح شارد الذهن تقَطَّر وجهه عرقا منذ الصباح، وبعد مدة من اندثار القش أفاق وعياوتذكر -كخيال- أن الريح حملت قشا! يا ضيوف بيت الليل، والله إن عمرنا الذي أمضيناه كله في ظرف أربعين أو خمسين عاما فصاعدا-على تفاوت الأعمار- ما هي إلا كمثل رمضاننا هذا، فات وكأن شيئا لم يكن! هذه الأيام والأعوام الثقال التي كانت تنهك أصحابها لاتُرجِعها الذاكرة إلا كثوانٍ مَضت على مخيلة جامح يسترجع ذكريات محبوبته على الأطلال، وإنها قد مضت مع السراء والضراء، والحزنوالفرح، والتعب والراحة، عملنا خيرا فأخذنا الثواب وبقيت لذة الطاعة في ثغورنا، وعملنا السوء فلم يبق منها إلا سواد صفحات الأعمال، وقدصدق من قال لنا حينها أن لذتها فانية! أيها الموقنون بلقيا ربكم، إن ساعة إيمان خالص لوجه الله تعالى، ولحظة حب حقيقي لمولاكم، ووهلةصدق في أعمالكم، خير لكم وألذ عندكم مما تظنونه اليوم ممتعا ومُرَفِّها. مضى من عمري خمسون سنة وأنا أتأمل في قصة سحرة فرعون،هؤلاء الذين قالوا: ((أإنَّ لَنا لأجرا إن كُنَّا نَحنُ الغالِبين؟))، أولائك المتملقون اللذين يلتمسون بسرحهم الذي سيقدمونه رضا فرعون وقربه، قدانقلبوا في لحظات لِأشد المؤمنين صدقا مع ربهم، بحيث لم يزعزع إيمانهم هذا ما تَوَعَّد لهم فرعون من الوعيد: ((لأصَلِّبَنَّكُم في جُذوعِالنَّخل))، ويأتي الجواب الحازم، الذي يُشعر القارئ بتحول الشخصية المتملقة الضعيفة إلى القوية الصارمة، في قمة اللامبالاة: ((لاضَير!))، لماذا قبلوا هذا العذاب الشديد والتنكيل الشنيع؟ لأنهم ذاقوا لذة الإيمان الخالص. فلنلتمس من أيامنا الباقية الخير فقط، ولنبتغرضا الله فحسب، فهو الذي ينفعنا، يوم لا ينفع مال ولا بنون…))
فضفض ما كان يدور في نفسه بهذه الكلمات ذات الوقع الجلل، وقد تسللت من ثغور الأرواح الجافية، وأرست أوتادها في قلوب الجالسين،لأنها هذه المرة كانت مختلفة تماما عن المرات الخالية، قد خرجت من الصميم، آنذاك؛ رأوا يقينا أن “ما يخرج من القلب؛ يصل للقلب!”.





