متى تبدأ الحرب العالمية الثالثة؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد اللطيف السعدون

 

لم يكن هذا السؤال مطروحا قبل نشوب الحرب في أوكرانيا، وكان يبدو مجرّد نبوءةٍ متشائمةٍ يتداولها كتّابٌ ومحللون ينظرون إلى العالم من وراء نظّارات سوداء، كما لم يكن في أخيلة كثيرين من صنّاع السياسة أن يتطوّر أي من النزاعات الماثلة في العالم إلى حربٍ كونيةٍ قد تقضي على البشر والحجر معا. وعندما روّج الباحث الاستراتيجي الأميركي ورئيس مؤسسة ستراتفور المعروفة في عالم الاستخبارات، جورج فريدمان، في كتبه ما أسماه “سيناريو الحرب العالمية الثالثة” التي حدّد لبدئها الساعة الخامسة مساء الرابع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2050، رفض باحثون آخرون هذه الفكرة من الأساس، معتقدين أن العالم استطاع أن يتجاوز احتمال حصول حدثٍ مهول كهذا، بعدما تحقق نوع من السلام الكوني الشامل، وبعدما استطاع أقطاب السياسة الكبار كبح جماح الحروب الصغيرة الناشبة في هذه البقعة أو تلك من أن تتجاوز الحدود المرسومة لها، حتى لو استغرقت مدى زمنيا طويلا.

بنى فريدمان نظريته تلك متوقعا حدوث حرب عالمية على الفعل الذي تُحدثه العوامل الجيوسياسية في البيئة العالمية، وتأثير ذلك على العلاقات الدولية في هذا القرن الذي بلغت فيه التكنولوجيا العسكرية المعقدة شأوا خطيرا، ومفرداتها التي سوف تكون جاهزةً للاستخدام في أية حرب مقبلة.

ويقوم “السيناريو” المثير الذي نشره في حينه على افتراض أن اليابانيين والأتراك، وبفعل العامل الجيوسياسي، سيشعرون بأنهم مهدّدون بالآثار المرعبة التي يمكن أن تُحدثها التكنولوجيا المعقدة التي أصبح الأميركيون يمتلكونها، بخاصة في مجال المركبات الفضائية الحربية، وقد اقتنعوا بأن الخروج من هذه الدائرة هو في شنّ حربٍ استباقية تطاول التفوّق الأميركي قبل أن يبلغ مدىً أكبر. وتستهدف الضربة الأولى المركبات الفضائية الأميركية، وعندها سيتحالف الأميركيون والبولنديون (في أوروبا) لمواجهة اليابانيين والأتراك في البحر والجو، وسوف تستدرج الحرب أطرافا أخرى حتى يصعب الوصول إلى نهايةٍ لها. هنا يكتشف العالم أن انتصار من ينتصر سوف لن يكون حاسما، وهزيمة من يهزم لن تكون تامة، وتدفع هذه الرؤية لدى صناع القرار في الدول المتناحرة إلى عقد مؤتمر يؤسّس لمرحلة سلام جديدة تنتج نوعا من التوازن، تكون لأميركا فيه حقوق حصرية في عسكرة الفضاء، تحافظ من خلاله على تفوّقها وسيطرتها على العالم.

مخاوف تساور بعض المحللين جرّاء احتمال تطوّر الحرب وانزلاقها إلى حرب عالمية قد يستخدم فيها السلاح النووي

قد لا يتوافق هذا “السيناريو” مع ما دار في رأس الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وهو يطلق شرارة حربه في أوكرانيا التي ربما أوحى بها له الأميركيون على نحوٍ أو آخر، وقد يكون ابتعاد واشنطن عن القارّة الأوروبية في عهد الرئيس دونالد ترامب، ثم وصول “الديمقراطيين” إلى السلطة، شكل عامل إغراء لدى بوتين للتقدّم نحو تحقيق هدفه في كسب اعتراف الغرب والعالم بروسيا قوة لها هيبتها وهيمنتها، كما كانت عليه زمن الاتحاد السوفييتي الميت تاريخيا، ودفعه ليشرع في “عملية عسكرية خاصة” قدّر أنها لن تدوم أكثر من بضعة أيام، تكون فيها قواته قد اجتاحت أوكرانيا، وضمّتها إلى روسيا كما فعل من قبل في جزيرة القرم، لكن حسابات الحقل يبدو أنها لم تتطابق مع حسابات البيدر. وقد جرت الأمور على غير النحو الذي أراده، فقد امتدّت الحرب أياما وأسابيع، حتى تجاوزت شهرها الثالث بفعل المقاومة الأوكرانية وإمدادات السلاح الغربي المتسارعة والدعم الأميركي اللامحدود، وهذا ما جعل المخاوف تساور بعض المحللين جرّاء احتمال تطوّر الحرب وانزلاقها إلى حرب عالمية قد يستخدم فيها السلاح النووي، ولم يتورّع بعضهم عن تحديد تاريخ معين لها، وبينهم محللون روس كانوا عند إطلاق “العملية العسكرية الخاصة” يرسمون لها مسارا قصيرا ينتهي باستسلام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعودة أوكرانيا إلى أحضان روسيا لكنهم اليوم يرسمون “سيناريو” مختلفا.

يتنبأ ألكسندر نازاروف (محلل استراتيجي روسي) بأن تصعيدا خطيرا سوف يشنّه الغرب على روسيا على وقع جملة عوامل، منها وصول الاقتصاد الأميركي إلى مرحلة الانهيار، وسيصبح دخول أوروبا طرفا في معمعة الحرب أمرا لا مفرّ منه، وسوف يقترن هذا التطوّر باتساع نطاق العمليات العسكرية. وقد حدّد نازاروف تاريخ منتصف شهر مايو/ أيار الحالي موعدا لما توقعه من أحداث تزعزع استقرار العالم بأسره وأمنه. وقال محللون آخرون إن أياما قليلة قد لا تتجاوز الأسبوعين تفصلنا عن قيام حرب شاملة، فيما دقّ جرس الإنذار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي قال إن “خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة جدّي وحقيقي”.

هكذا إذن ليس أمامنا سوى أن نحبس أنفاسنا وننتظر.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...