دون موقف من الرباط.. “حساسية” الإسبان من سبتة ومليلية تفتح دوليا نقاش السيادة على المدينتين

إيطاليا تلغراف متابعة

أعادت موجة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة ملف السيادة على سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش الدولي، لكن ليس بسبب أي موقف أو مطالبة مغربية جديدة، وإنما نتيجة التفاعلات السياسية والإعلامية التي شهدتها إسبانيا، والتي دفعت مجددا إلى طرح سؤال ظل حاضرا في خلفية العلاقات المغربية الإسبانية، يتعلق بانتماء المدينتين السيادي.

ورغم أن الرباط لم تصدر خلال الأحداث الأخيرة أي تصريح رسمي يطالب باسترجاع سبتة أو مليلية، ولم تربط بأي شكل بين أزمة الهجرة الأخيرة وملف المدينتين، فإن النقاش الذي اندلع – ولازال- في إسبانيا ثم امتد إلى وسائل إعلام ومؤسسات دولية، منح القضية بعدا جديدا، وأعاد تسليط الضوء على كون وضع المدينتين لا يزال محل جدل سياسي وقانوني ودبلوماسي.

كما أنه وبالرغم من مسارعة عدد من المسؤولين الغربيين إلى التأكيد على دعمهم لسيادة إسبانيا على المدينتين، وهو نفس الأمر قام به المسؤولون الإسبان، إلا أن بمجرد اضطرارهم إلى إصدار مثل هذه المواقف، يشير إلى وجود “حساسية” تُجاه هذا الملف الذي أصبح موضوعا يحظى باهتمام دولي كلما شهدت المنطقة توترا أو تطورات ميدانية.

وفي خضم أزمة الهجرة الأخيرة، برزت داخل إسبانيا موجة جديدة من الخطابات التي تربط بين تدفقات المهاجرين والمغرب، إذ ذهبت صحف إسبانية، إلى جانب أحزاب يمينية ومحافظة ومتطرفة، إلى اتهام الرباط باستخدام الهجرة ضمن ما تصفه بـ”الحرب الهجينة” بهدف ممارسة ضغوط على مدريد تمهيدا للمطالبة مستقبلا باسترجاع سبتة ومليلية.

ويعد هذا الخطاب امتدادا لرواية تتكرر في إسبانيا منذ سنوات، خصوصا كلما شهدت المدينتان توترات حدودية أو موجات هجرة، حيث يتم استحضار فرضية أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية أراض تابعة له محتلة من طرف إسبانيا، رغم أن الرباط تتجنب رسميا إثارة هذا الملف في علاقاتها الثنائية مع مدريد.

ويرى متتبعون لردود الفعل الإسبانية تُجاه هذه القضية أن هذه “الحساسية” التي تظهر بوضوح في الخطاب الإعلامي والسياسي الإسباني، تساهم بشكل كبير في إبقاء هذا الملف حيا حتى في غياب أي تحرك مغربي، إذ كلما ارتفعت حدة المخاوف والشكوك داخل إسبانيا، عاد الحديث عن مستقبل المدينتين، وعن وضعهما القانوني والسيادي.

وزاد هذا الجدل زخما في الفترة الأخيرة بعد صدور وثيقة حديثة من الخارجية الأمريكية تناولت سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين لا تزال سيادتهما محل تجاذب بين المغرب وإسبانيا، وهو توصيف أثار ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، التي اعتبرته مؤشرا مقلقا على تغير محتمل في مقاربة واشنطن للملف.

وسارعت صحيفة “بوليتيكو” المعروفة بميولها ودعمها للأطروحات الأوروبية، للتواصل مع المسؤول الأمريكي تومي بيغوت، وهو متحدث باسم الخارجية الأمريكية، الذي نفى وجود أي تغيير في الموقف الأمريكي، مؤكدا دعم الولايات المتحدة “غير المشروط لسيادة إسبانيا على سبتة ومليلية”.

غير أن هذا التوضيح، الذي جاء في شكل تصريح صحفي ولم يصدر في وثيقة رسمية جديدة تلغي مضمون التقرير السابق التابع للخارجية الأمريكية، يكشف بالمقابل كيف تحولت قضية موجة الهجرة نحو سبتة إلى قضية نقاش حول السيادة على المدينتين.

ومن جهة أخرى، يواصل المغرب اعتماد سياسة الصمت الرسمي تجاه هذا الملف، إذ لم يصدر عنه أي موقف يربط أزمة الهجرة الأخيرة بقضية المدينتين، كما لم تطرح الرباط، خلال السنوات الأخيرة، أي مبادرة أو مطالبة علنية باسترجاع سبتة أو مليلية، رغم استمرار اعتبارهما داخل الخطاب الوطني المغربي جزءا من الأراضي المحتلة.

ويرى متابعون أن هذا الصمت لا يعني غياب الملف من الحسابات الاستراتيجية المغربية، بقدر ما يعكس اختيارا دبلوماسيا يقوم على عدم فتح جبهات خلاف جديدة مع مدريد، خصوصا بعد التحسن الكبير الذي شهدته العلاقات الثنائية منذ إعلان إسبانيا دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية لحل نزاع الصحراء.

وفي الوقت نفسه، تبدو المخاوف الإسبانية من إمكانية عودة الملف إلى الواجهة أكثر حضورا من أي وقت مضى، إذ إن جزءا كبيرا من النقاش الدائر حاليا حول سبتة ومليلية لم يكن نتيجة تحرك مغربي، وإنما نتيجة القراءة الإسبانية للتطورات الإقليمية، وما رافقها من مخاوف مرتبطة بالهجرة والأمن والحدود.

ومن المفارقات أن الخطاب الذي يروج داخل بعض الأوساط الإسبانية للتحذير من “مطامع المغرب” في المدينتين، يساهم، من حيث لا يقصد، في تدويل النقاش حول وضعهما، ويعيد باستمرار طرح سؤال السيادة أمام الرأي العام الدولي، بعدما كان هذا الملف محصورا إلى حد كبير داخل الدوائر السياسية الإسبانية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...