هل سيعيش أبناؤنا حياة أسوأ منا؟

 

 

 

 

 

 

د. فيصل القاسم
كاتب واعلامي سوري

 

 

يقول المفكر والروائي أمين معلوف: «للمرة الأولى في تاريخ البشرية، يخشى الجيل الحاضر ألّا يتمكن أبناؤه من التمتع بجودة الحياة التي يعيشها هو.» ليست هذه العبارة مجرد وصف عابر لحالة نفسية يعيشها الناس، بل هي تشخيص لتحول تاريخي غير مسبوق. فمنذ آلاف السنين، كان الإنسان ينظر إلى المستقبل بوصفه مساحة للأمل، وكان الآباء يقبلون على العمل الشاق والتضحية وهم يؤمنون بأن أبناءهم سيعيشون حياة أكثر رفاهية، وأن كل جيل سيبدأ من حيث انتهى الجيل الذي سبقه. أما اليوم، فقد تبدلت الصورة. أصبح كثير من الآباء يتساءلون بقلق: هل سيجد أبناؤنا عملاً؟ هل سيتمكنون من امتلاك منزل؟ هل سيعيشون في عالم أكثر أمناً واستقراراً؟ وهل سيكون الغد أفضل فعلاً، أم أنه يحمل أزمات أكبر مما نتصور؟
لقد عاشت البشرية خلال القرنين الماضيين ثورات علمية وصناعية هائلة. فقد انتقلت من المحرك البخاري إلى الكهرباء، ومن الطائرات البدائية إلى السفر الفضائي، ومن الرسائل الورقية التي كانت تستغرق أشهراً إلى التواصل الفوري عبر الإنترنت. واليوم يقف العالم أمام ثورة جديدة يقودها الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والروبوتات، والهندسة الوراثية. ولو نظر الإنسان إلى هذه الإنجازات بمعزل عن الواقع لظن أننا نعيش أفضل حقبة في تاريخ البشرية. لكن المفارقة أن شعور القلق لم يكن يوماً بهذا الحجم، وكأن التقدم التقني يسير في اتجاه، بينما يسير شعور الإنسان بالأمان في الاتجاه المعاكس.
ولعل أول مظاهر هذا القلق هو مستقبل العمل. فمنذ الثورة الصناعية كانت الآلات تحل محل الإنسان في الأعمال الشاقة، لكنها كانت في الوقت نفسه تخلق وظائف جديدة. أما اليوم فإن الذكاء الاصطناعي لا ينافس الإنسان في العمل البدني فقط، بل بدأ ينافسه في التفكير والتحليل والبرمجة والكتابة والترجمة والتصميم، بل وحتى في بعض جوانب الطب والقانون والتعليم. أصبحت شركات كبرى تستبدل فرقاً كاملة من الموظفين بأنظمة ذكية تعمل طوال اليوم دون إجازات أو رواتب أو تأمين صحي. وإذا استمر هذا التطور بالسرعة نفسها، فقد يجد ملايين الشباب أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع الآلات.
ولا يقتصر الأمر على الوظائف التقليدية، بل إن المهن التي كانت توصف بأنها «مهن المستقبل» أصبحت هي الأخرى مهددة. فالمبرمج الذي كان يُعد من أكثر العاملين طلباً، أصبح يستخدم أدوات تكتب جزءاً كبيراً من الشيفرة البرمجية خلال دقائق. والمصمم يعتمد على برامج تولد الصور والأفكار تلقائياً. وحتى الصحافي والكاتب والمحاسب والمترجم أصبحوا يعملون جنباً إلى جنب مع أنظمة ذكية تستطيع إنجاز جزء كبير من مهامهم. وهذا لا يعني اختفاء الإنسان، لكنه يعني أن عدداً أقل من الناس سيؤدي حجماً أكبر من العمل، بينما سيجد آخرون أنفسهم خارج سوق العمل.
ومن أخطر المشكلات التي تواجه الأجيال القادمة أيضاً أزمة السكن. ففي كثير من المدن الكبرى، أصبحت أسعار المنازل ترتفع بوتيرة تفوق قدرة الشباب على الادخار. كان الموظف قبل خمسين عاماً يستطيع شراء منزل بعد سنوات قليلة من العمل، أما اليوم فقد يحتاج إلى عشرات السنين، وربما يعجز عن ذلك تماماً. وتحول امتلاك منزل، الذي كان يعد حقاً طبيعياً للطبقة المتوسطة، إلى حلم يصعب تحقيقه حتى لمن يحمل شهادات جامعية ووظائف جيدة.

وتزداد الصورة تعقيداً مع ارتفاع تكاليف المعيشة. فالطعام والطاقة والرعاية الصحية والتعليم أصبحت أكثر تكلفة في كثير من الدول، بينما لا تنمو الأجور بالسرعة نفسها. ونتيجة لذلك أصبح كثير من الشباب يعملون أكثر من وظيفة ليحافظوا على مستوى معيشة كان آباؤهم يحققونه بوظيفة واحدة فقط. وهكذا يشعر الإنسان بأنه يبذل جهداً أكبر ليحصل على حياة أقل استقراراً.
أما التغير المناخي، فهو أحد أكبر التحديات التي ستواجه الأجيال المقبلة. فقد ارتفعت درجات الحرارة، وتكررت موجات الجفاف، وازدادت حرائق الغابات والفيضانات والأعاصير. ولم تعد هذه الظواهر مجرد أخبار في نشرات التلفاز، بل أصبحت واقعاً يؤثر في الزراعة، وأسعار الغذاء، والهجرة، والاستقرار الاقتصادي. ويحذر العلماء من أن بعض المناطق قد تصبح أقل صلاحية للحياة إذا استمرت الانبعاثات بالمعدلات الحالية، وهو ما يعني أن أبناء هذا الجيل قد يواجهون ظروفاً بيئية أصعب بكثير من تلك التي عاشها آباؤهم. ولا ننسى أن بعض الدول تشهد نمواً سكانياً سريعاً دون نمو اقتصادي كافٍ، مما يؤدي إلى ارتفاع البطالة واتساع رقعة الفقر والهجرة.
كما أن العالم يعيش حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي. فالحروب والصراعات لم تختف، بل أصبحت أكثر تعقيداً، وتهدد سلاسل الإمداد العالمية، وأسواق الطاقة والغذاء. وأظهرت جائحة كورونا كيف يمكن لحدث واحد أن يشل الاقتصاد العالمي، ويغير أنماط العمل والتعليم والسفر في غضون أسابيع. وهذا جعل كثيراً من الناس يدركون أن الاستقرار الذي كانوا يعتبرونه أمراً مسلماً به قد يكون أكثر هشاشة مما تصوروا.
وتبرز كذلك مشكلة اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فبينما تزداد ثروات عدد محدود من الشركات والأفراد بفضل التكنولوجيا والعولمة، تجد فئات واسعة نفسها تكافح للحفاظ على مستوى معيشتها. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تصبح الفرص الاقتصادية محصورة في أيدي قلة، بينما تتراجع قدرة الطبقة المتوسطة على تحسين أوضاعها، وهو ما قد يؤدي إلى توترات اجتماعية وسياسية متزايدة.
لكن رغم هذه الصورة القاتمة، فإن التاريخ يعلمنا درساً مهماً، وهو أن الأزمات ليست قدراً محتوماً. فقد واجهت البشرية من قبل الحروب العالمية، والأوبئة، والمجاعات، والأزمات الاقتصادية، واستطاعت في النهاية أن تتجاوز كثيراً منها بفضل العلم والتعاون والإصلاح. ولذلك فإن المستقبل لا تحدده التكنولوجيا وحدها، بل تحدده أيضاً القرارات التي تتخذها الحكومات، وطبيعة الأنظمة التعليمية، ومدى استعداد المجتمعات لإعادة تأهيل العاملين، والاستثمار في الابتكار، ووضع قوانين تضمن أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا بديلاً عنه.
وفي هذا السياق يتوقع إيلون ماسك أن يقود التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى عالم من الوفرة، تصبح فيه السلع والخدمات أقل تكلفة وتنجز الآلات معظم الأعمال. غير أن هذا المستقبل المتفائل يبقى مرهوناً بعدالة توزيع ثمار التكنولوجيا، لأن التقدم وحده لا يضمن تحسن حياة الجميع، بل قد يزيد الفجوة بين من يملكون التكنولوجيا ومن لا يملكونها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...